عن تكلفة المعاملات

ويتحدث غيرهم أكثر، عن اقتصاد السوق. والمفهوم هو أن اقتصاد السوق هو ذلك النظام الذي يتحدد فيه الإنتاج والأسعار نتيجة لتلاقي الطلب والعرض من المشترين والبائعين. فالسوق هو تلاقي البائعين والمشترين. ويبدو الأمر كما لو كان تلاقي هؤلاء البائعين والمشترين يتم بلا تكلفة أو بلا أعباء. فالمشتري يدفع والبائع يحصل الثمن المدفوع. وهكذا يتم البيع والشراء أو المعاملات – بشكل عام – بلا تكلفة إضافية يتحملها البائع أو المشتري أو كلاهما. ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً. فالمعاملات ليست مجانية، وهناك تكلفة يتحملها البائع أو المشتري لكي تتم الصفقة، وقد تزيد تكلفة المعاملات أو تقل حسب البلدان. فهناك بلاد ترتفع فيها تكاليف المعاملات بشكل كبير بما يعرقل نمو المعاملات، وبالتالي النشاط الاقتصادي. كما أن هناك بلاداً أخرى – غالباً دول متقدمة – حيث تقل فيها تكاليف المعاملات مما يزيد حجم التعامل بين الأفراد ويزيد من حجم النشاط الاقتصادي وتعتبر زيادة تكاليف المعاملات عقبة في سبيل انتعاش النشاط الاقتصادي. وكلما زادت هذه التكاليف كلما مال النشاط الاقتصادي إلى الركود والكساد، والعكس بالعكس.وقد تأخذ تكاليف المعاملات شكل إجراءات معقدة للوصول إلى اتفاق وعقد الصفقة، من ضرورة الحصول على موافقات أو تراخيص أو غير ذلك من الإجراءات الإدارية. وقد تظهر تكاليف المعاملات في شكل نقص المعلومات عن طبيعة السلعة وخصائصها ومواصفاتها مما يتطلب من البائع أو المشتري البحث والتنقيب عن هذه المعلومات. كذلك قد تأخذ هذه التكاليف شكل مصاريف إدارية تدفع للوسطاء من محامين أو سماسرة أو محاسبين أو غير ذلك. ولا تقتصر تكاليف المعاملات على ما يتحمله البائع أو المشتري من جهد أو عناء أو وقت أو أعباء مالية بل إنها تتضمن أيضاً – بشكل ما – مدى الثقة واليقين بالنسبة للمستقبل. فالبائع أو المشتري لا يتخذ قراره بالبيع أو الشراء في ضوء أوضاع اللحظة الحاضرة بل توقعاً لشكل المستقبل. فإذا كانت السياسات مترددة ومتضاربة فإن تكلفة المعاملات تزيد بالنسبة لكل من البائع أو المشتري حيث أنه يتصرف في الظلام، ويحاول أن يستخلص شكل الأوضاع المستقبلة بالتخمين. ولهذا كله كانت قضية تكلفة المعلومات قضية أساسية لكفاءة نظام السوق لأداء دورها في تخصيص الموارد الاقتصادية وتحديد الأسعار

وإهمال قضية تكلفة المعلومات لنجاح وكفاءة السوق لم يقتصر فقط على العامة وغير المختصين، بل إن علم الاقتصاد نفسه ظل حتى وقت قريب ليس بعيداً عن هذا التجاهل. فالنظرية الاقتصادية – كما تدرس في المعاهد التعليمية – تستند إلى ما يعرف بنموذج “المنافسة الكاملة”. وأسواق المنافسة الكاملة تقوم على عدة فروض من أهمها توافر المعلومات الكاملة عند جميع الأطراف وسهولة التعاقد وإجراء المعاملات دون قيود أو أعباء. وقد أظهرت الحياة العلمية أن فروض توافر المعلومات وانعدام تكاليف المعاملات أمر غير صحيح وعادة غير متوافر. وتختلف الأسواق فيما بينها بالنسبة لمدى توافر المعلومات وصحتها وانتشارها كما تختلف من حيث تكلفة المعاملات. فالدول ذات الأسواق المتقدمة تحرص على توفير أكبر قدر من المعلومات عن السلع والخدمات المتاحة، هناك أسعار معلنة ومتاحة عن أسعار العقارات في مختلف الأحياء، وعن طبيعة السلعة ومواصفاتها، وعن مستوى الأجور وأسعار الخدمات. كذلك تتم المعاملات والصفقات بأقل قدر من التكلفة أو عدم اليقين والمفاجآت. وليس الأمر كذلك في دولنا المختلفة

وإذا نظرنا إلى الوضع في مصر فإننا نجد أن تكلفة المعاملات مرتفعة جداً بالمقارنة بمعظم الدول الأخرى. إننا كثيراً ما نباهى بانخفاض مستوى الأجور عندنا بالمقارنة بالدول الأخرى، كما لو كان الأجر هو التكلفة الوحيدة للإنتاج، وبصرف النظر عن التكاليف الأخرى أو عن إنتاجية العامل. والحقيقة أن ما نكسبه من انخفاض الأجور في مصر نبدده في ارتفاع تكاليف المعاملات بأشكالها المختلفة. وإذا نظرنا إلى الإجراءات في مصر من بيع أو رهن أو إيجار أو إشهار عقد أو التصديق عليه أو استخلاص بضاعة من الميناء أو الحصول على موافقة أو ترخيص أو إنهاء المعاملات مع مصلحة الضرائب أو وزارة العمل أو الشؤون الاجتماعية. كل هذا يمثل عبئاً باهظاً على المعاملات وتكلفة عالية عليها، ليس فقط من حيث النفقات والأموال، وإنما أيضاً من حيث الوقت والجهد، وأهم من هذا وذاك القلق وعدم اليقين، وهل تتم المعاملة في يوم، في شهر، في سنة. ولعل من أخطر أسباب ارتفاع تكاليف المعاملات هو عدم اليقين، وعدم استقرار المراكز القانونية. ففي كل دول العالم يتحدد مركز الممول ضرائبياً، مثلاً، بشكل قطعي في وقت ما. وقد كانت قوانين الضرائب في الماضي تنص على تقادم دعاوى الضرائب بعد فترة معينة، ولكن القوانين الحديثة أتاحت لمصلحة الضرائب قطع هذا التقادم بأي إجراء إداري تقوم به. فيظل الممول تحت سيف المطالبات الضريبية. وإذا كان من سوء حظ المتعامل أن اضطر إلى الالتجاء إلى المحاكم، فعليه الانتظار سنوات قبل أن يحصل على حكم نهائي، وبعدها تبدأ مرحلة تنفيذ الحكم، وهي رحلة إلى المجهول

 وفي دراسة للبنك الدولي عن هذا الموضوع اتضح أن مصر وحجم الإجراءات فيها لإجراء المعاملات الاقتصادية يجاوز – وبشكل كبير – ما هو متعارف عليه في الدول المتقدمة أو النامية. وقد خرجت علينا الأخبار منذ أسابيع بما يفيد أن الحكومة بصدد وضع تشريع جديد لفرض ضرورة استخراج تراخيص عمل للمصريين العاملين بالجهات الأجنبية في مصر. وكأننا في حاجة إلى مزيد من التراخيص والقيود. والسؤال لماذا هذا القيد الجديد، أليس من الأسهل أن تطلب وزارة العمل أو وزارة الاقتصاد من الجهات الأجنبية العاملة في مصر أن تقدم كشوفاً بأسماء المصريين العاملين بها بدلاً من فرض عبء جديد على مواطن مصري يبحث عن عمل جديد في وقت عزت فيه الوظائف

لن يحدث التقدم الاقتصادي فقط بمزيد من الاستثمار والإنفاق، وإنما بخلق بيئة مناسبة لتعزيز النشاط الاقتصادي وتداول السلع والخدمات والأصول، وهذا لن يحدث ما لم نعيد النظر في تكلفة المعاملات، وتقلل من أعبائها وقيودها قدر الإمكان

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *