عن توزيع أراضي الدولة بالتخصيص

انشغل الرأي العام في الآونة الأخيرة بقضايا تخصيص أراضي البناء لعدد من المستثمرين مما أدى رفع قضايا وصدور أحكام ببطلان العقود الصادرة لصالحهم، والبحث عن حلول للتوفيق بين هذه الأحكام وعدم تعريض الحقوق المكتسبة للمتعاملين بحسن نية في ظل ما صدر من قرارات سابقة بالتخصيص. ونشرت بعض الصحف أخيراً أخباراً مفادها أن هناك اتجاهات في الحكومة لإصدار قوانين تقنن بمقتضاها أوضاع المخالفين في عمليات استصلاح الأراضي الزراعية أو السماح لوزارة الإسكان بالاستناد إلى قانونها الخاص بالتصرف في الأراضي مع عدم التقيد بقواعد قانون المناقصات العامة، وبما يعطي الوزارة الحق في توزيع الأراضي “بالأمر المباشر” أو “بالتخصيص” أو المزايدات وذلك دون حاجة إلى التقيد بقانون المناقصات العامة.   ولايبدو لي أن القضية هي مجرد تعارض بين القوانين الخاصة بأراضي الإسكان وقانون المناقصات العامة، أو أن هناك حاجة إلى مزيد من الوضوح وإزالة أية غموض أو التعارض بين هذه القوانين، بل أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، فهي تتعرض لمدى احترام أحد أهم الحقوق الدستورية للمواطن، وهو حقه في المساواة أمام القانون دون تمييز. وهذا ليس فقط أحد أهم حقوق المواطنة بل أنه أساس مفهوم “دولة القانون” بل ومعنى القانون في ذاته، فالقانون ـ في جوهره ـ هو قواعد عامة مجردة تسري على الجميع دون تمييز. فالدولة تتعامل مع الأفراد من خلال “القانون”، والقانون يضع قواعد عامة تسري على الجميع دون تمييز.  وتنص المادة 8 من الدستور على أن “تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين” كما تنص المادة 40 من نفس الدستور” المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات، لاتمييز بينهم..” فأي تمييز من الدولة في المعاملة بين الأفراد سواء فيما يتعلق بما يفرض عليهم من أعباء أو ما يتاح لهم من فرص، يعتبر خروجاً على مبادئ الدستور. ويبدو، بشكل عام، أن فكرة “التخصيص” أو “الأمر المباشر” في توزيع أراضي الدولة تتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص. والسؤال: كيف تسرب هذا المبدأ إلى ممارسات الحكومات المصرية المتعاقبة؟ ولماذا لم ينتبه أحد إلى ما تتضمنه هذه الممارسات من خروج على المبادئ الدستورية المستقرة في كافة الدول الديمقراطية؟ وللإجابة على هذا التساؤل، فعلينا أن نرجع بذاكرتنا إلى تاريخنا غير البعيد عن حقوق الحاكم وسلطته في مجال توزيع الأراضي. ولعله من المفيد أن نتذكر هنا أن مفهوم “الملكية العقارية” وخاصة في الأراضي الزراعية، هو أمر حديث نسبياً في مصر. ففي عصر المماليك وقبل استيلاء محمد على باشا على السلطة في بداية القرن التاسع عشر، كانت ملكية الأراضي الزراعية غير واضحة، وكان المماليك يعهدون إلى أحد عمالهم (الملتزم) بتحصيل العوائد من الفلاحين. ولم يكن الأمر واضحاً عما إذا كانت يد الفلاحين على هذه الأراضي هي حق ملكية وأن ما يدفعونه هو “ضرائب”، أم أن الملكية هي للحاكم وأن الفلاحين ينتفعون ـ في الواقع ـ باستغلال الأرض مقابل دفع العوائد عن هذا الاستغلال. وهكذا كانت للحاكم (المماليك) سلطة واسعة وغير محددة على الفلاحين القائمين بالزراعة. وعندما تولى محمد علي حكم البلاد فإنه اعتبر أن الوالي (محمد علي نفسه) هو المالك الوحيد للأراضي، وأن يد الفلاحين على الأرض هي للاستغلال مقابل دفع العوائد للحاكم باعتباره المالك الوحيد للأراضي. وألغى محمد علي باشا نظام “الالتزام” وفرض بدلاً منه نظاماً شبيهاً أطلق عليه نظام “العهدة”، وبحيث يقوم “المتعهد” بتحصيل العوائد من الفلاحين لحساب الوالي مقابل استغلال الأرض. ومن الناحية العملية لم يكن هناك فرق كبير بين “نظام الالتزام” مع المماليك أو نظام “العهدة” مع محمد علي. كذلك لم يكتف محمد علي بفرض نظام “العهدة” بل أنه أدخل نوعاً من الملكية الخاصة في الأراضي البعيدة وغير المستصلحة لأقاربه وكبار معاونيه فيما عرف “بالابعاديات”. فقد عمد محمد علي باشا (وكان يلقب بولي النعم) إلى منح هؤلاء المحاسيب أراضي على سبيل “الملكية” القانونية لأول مرة، وذلك في المناطق البعيدة نسبياً على أطراف الوادي والدلتا. وهكذا بدأت تظهر بذور الملكية العقارية الخاصة في مصر الحديثة مع “ابعاديات” محمد علي، والتي يمنحها لمن يصطفيهم من أقاربه وكبار معاونيه في الحكومة. ومن هنا نلمح أوجه الشبه بين “ابعاديات” محمد علي وبين مفهوم “التخصيص” الحديث في توزيع أراضي الدولة. ففي الحالتين يأتي الأمر من السلطة لمن تصطفيهم من المعاونين والمقربين بمنحهم بعض المزايا العقارية. ولكن الأمر لم يتوقف عند محمد علي باشا بل استمر التطور بعد ذلك حتى ظهرت الملكية العقارية في الأراضي الزراعية للأفراد. فلم يقتصر ظهور الملكية العقارية على عطايا محمد علي باشا “للإبعاديات”، بل توسع سعيد باشا في هذا المضمار، ثم قام الوالي الذي اضطر ـ نتيجة لعجز الميزانية ـ إلى محاولة إغراء كبار المزارعين على دفع الأموال للخزانة، فأصدر ما عرف بقانون “المقابلة” وحيث يعترف الوالي بحق الملكية العقارية لمن يدفع عدة أضعاف للضريبة مقدماً. وأخيراً صدرت مجموعة القوانين المدنية المختلطة في 1875، واعترفت لأول مرة بمفهوم الملكية العقارية الحديثة، وبعدها صدر القانون المدني الأهلي 1883 معترفاً هو الآخر بهذه الملكية الخاصة في الأراضي الزراعية. وفي نهاية القرن ومع عجز الخديوي إسماعيل عن تسديد ديونه، وفي ظل الاحتلال البريطاني، اضطر الخديوي توفيق إلى بيع أراضيه الزراعية (الدائرة السنية) للأفراد، وبذلك توسعت لأول مرة الملكيات الزراعية بين المصريين من الطبقات المتوسطة. وهكذا نجد أن مفهوم “التخصيص” يجد جذوره التاريخية في نظام “الابعاديات” لمحمد علي وأبنائه. فلاجديد تحت الشمس! ولكن هل يكفي هذا الأساس التاريخي لكي يعتبر التخصيص متوافقاً مع النظم الدستورية الحديثة؟تتوقف الإجابة على هذا التساؤل حول ما إذا كان نظام “التخصيص” يتفق أو يتعارض مع مبدأ تحقيق المساواة في الفرص للمواطنين؟ فرغم أنه من المفهوم والمقبول أن تتمتع السلطات الإدارية بسلطة “التخصيص” أو الأمر المباشر في العمليات الصغيرة التي تتطلبها الممارسة اليومية للإدارة، فإنه عندما يتعلق الأمر بمساحات شاسعة من الأراضي والتي تؤثر في توزيع الثروات، فإن المسألة تختلف. وينطوي “التخصيص” ـ فيما يظهر ـ على أن تخصص الدولة (من خلال الوزير المسئول) قطعة أرض، كثيراً ما تكون شاسعة لأحد المواطنين، بالشروط التي تحددها الوزارة، دون أن تتاح الفرصة لغيرة من المواطنين للتمتع بنفس الميزة. وبذلك تملك الجهة الإدارية في هذا الشأن ـ وحدها ـ سلطة تقدير الاعتبارات التي تبرر هذا التمييز دون رقابة من سلطات تشريعية أو قضائية. وهكذا، فإن “التخصيص” يمثل ـ في الحقيقة ـ استمراراً لتقليد قديم حين كان الوالي (ولي النعم) يمنح العطايا والمزايا لمن يراه من رعاياه المخلصين، وحيث ينطوي الأمر ـ في حقيقته ـ على إعادة توزيع الثروات بين الأفراد. ولاأعتقد أن هذا الأسلوب يتفق مع طبيعة العصر، كما أنه يتناقض مع مفهوم تكافؤ الفرص الذي ينص عليه الدستور، وبالتالي فإنني أشك في مدى دستورية مثل هذه التدابير.وقد كثر الحديث ـ في الآونة الأخيرة ـ حول ضرورة التفكير في نظام جديد لإدارة ملكية الدولة للأراضي. وحقيقة الأمر أن قواعد القانون الإداري المعروفة والتي سادت في مصر قبل الثورة، كانت واضحة تماماً في التمييز بين “الدومين العام” و”الدومين الخاص”. وقد تناولت هذه القضية مرات عديدة على صفحات هذه الجريدة. ويكفي التذكير بأن “الدومين العام” يعني الموارد المخصصة للمنفعة العامة مثل الطرق والكباري والمطارات وثكنات الجيش، وهكذا. وتدار هذه الموارد من جانب الوزارات الفنية المختصة، فالطرق تخضع لوزارة النقل أو المواصلات، والترع والجسور تخضع لوزارة الري، وثكنات الجيش تخضع لوزارة الدفاع، وهكذا. أما “الدومين الخاص” فهو ملكية الدولة الخاصة وبذلك يشمل الأراضي المخصصة للبيع سواء للزراعة أو الإسكان. وقد كان هذا “الدومين الخاص” يدار من جانب “إدارة أو مصلحة الأملاك” في وزارة المالية باعتبارها المسئولة عن إدارة موارد الدولة المالية الخاصة، وهي تخضع في ذلك لكافة الضمانات والقيود المتعلقة بإدارة الأموال بالميزانية، وذلك تحت رقابة مجلس الشعب وفي إطار محاسبة الجهاز المركزي للمحاسبات لسلامة عملياتها. فلسنا في حاجة إلى إعادة اكتشاف العجلة، ويكفي العودة إلى الأصول والقواعد العامة، وقواعد القانون الإداري المستقرة كفيلة بذلك. والله أعلم.

الاهرام 31 اكتوبر 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *