عن خروج اليهود من مصر

vv

الله أعلم:

عن خروج اليهود من مصر

دكتور حازم الببلاوى

www.hazembeblawi.com

أثارت دعوة الدكتور عصام العريان لليهود الذين غادروا البلاد بعد حرب السويس للعودة إلى مصر موجة هائلة من ردود الفعل داخل وخارج مصر. وبدأت بعض الاصوات فى الخارج تعلن أن من حق اليهود المهاجرين طلب التعويضات عن أموالهم التى تركوها فى مصر، كما صدرت تصريحات معاكسة من مصادر مصرية، بان اليهود لم يكرهوا على مغادرة البلاد، وأنهم تركوها بمحض إرادتهم عندما وجدوا ان المستقبل السياسى للبلاد غير مناسب لإستمرارهم فى دولة تعادى آنذاك دولة إسرائيل، كذلك فإن الحكومة لم تصادر أملاكهم، وأنهم قد تصرفوا فيها بالبيع أو التنازل قبل مغادرتهم للبلاد.

وقد جاءت دعوة الدكتور العريان مفاجأة للجميع، وتعرضت لإنتقادات عديدة حتى من الأوساط الإخوانية، مما دعا الدكتور العريان إلى التأكيد على أن هذه الدعوة هى رأى شخصى له، وأنه لا شأن لجماعة الإخوان أو لحزب الحرية والعدالة بهذا الأمر. وبطبيعة الأحوال فإن هذا التوضيح من جانب الدكتور العريان لم يقنع الكثيرين نظراً للمكانة الحزبية التى يشغلها سواء فى الجماعة أو الحزب. وقد أبدى العديد من المراقبين تشككهم بأن هذه الدعوة “الغريبة” هى نوع من بالونات الإختبار لقياس ردود فعل الشارع المصرى إزاء محاولات حكومة الدكتور مرسى لتطمين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عن نوايا الحكومة لعلاقاتنا المستقبلية مع إسرائيل.

وأيا ما كان الأمر حول خروج أعداد كبيرة من الجالية اليهودية بمصر بعد ثورة 1952، فإن هذا الخروج لا يمثل لدى يهود العالم سوى حدث صغير بالمقارنة بعقيدتهم الدينية عن “الخروج من مصر”، والذى يعتبر فى الديانة اليهودية الحدث الأكثر أهمية فى مولد “الأمة اليهودية” بقيادة النبى موسى، حيث أفرد له الكتاب المقدس لليهود (التوراة) والمعروف عند اليهود بإسم “تناخ”   Tanakh    “أو العهد القديم” الفصل الثانى منه وهو “سفر الخروج” .

وعلاقة اليهود بمصر قديمة، وقد بدأت وفقاً لعقائد اليهود مع “إبراهيم” أبو الأنبياء. ويذكر “العهد القديم” فى “سفر التكوين” عن علاقة سيدنا إبراهيم بمصر ولجوئه إليها. “وحدث جوع فى الأرض. فإنحدر إبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع فى الأرض كان شديداً. وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراى إمرأته، أنى قد علمت أنك إمرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريين إنهم يقولون هذه إمرأته، فيقتلونى ويستبقونك. قولى أنك أختى، ليكون لى خير بسببك وتحيا نفسى من أجلك. “ (التكوين، الإصحاح الثانى عشر).

وبعد قصة سيدنا إبراهيم مع مصر، وصل يوسف إبن يعقوب (حفيد إبراهيم) إليها، حيث إشتراه أحد عظماء مصر بعد أن ألقى به إخوته فى الجب، وبيع فى أسواق النخاسة. وفى مصر حقق يوسف نجاحاً كبيراً حتى ولى منصب الوزارة، وأشرف على مالية مصر، بعد أن تنبأ بتعرض البلاد لسنوات عجاف بعد سنوات أخرى سمان. ومع نجاح يوسف فى مصر، إستدعى إخوته وإستقر بهم المقام فيها وتمتعوا فيها برخاء كبير، قبل أن تتغير الأحوال وتسوء بالنسبة لليهود.

وبعد ذلك جاء النبى موسى، وقد ولد مصرياً، ورأى ما آلت إليه أوضاع العبرانيين من سوء، وحاول إخراجهم من مصر، وعلى غير رغبة الفرعون الذى حاربه ليمنع خروجهم. ومن هنا بدأت قصة الخروج من مصر، والتى يرويها بتفصيل كبير السفر الثانى من “العهد القديم” (التوراة)، فيما عرف “بسفر الخروج”. ولم يكن هذا الخروج طرداً أو إجباراً لليهود وبالخروج من مصر، بل وعلى العكس فقد تم ذلك رغم محاولة فرعون مصر إبقائهم فى البلاد، ودارت بين الفريقين معارك، إنتهت بالمعجزة الإلهية وشق البحر وهروب اليهود وغرق جنود الفرعون. هذه هى الرواية الدينية لليهود كما ترويها التوراة، و”العهد القديم” للكتاب المقدس فى “سفر الخروج”.

ومع هذا الخروج الأول لليهود من مصر فقد طرحت قضية أملاك اليهود، وهل نزعت ملكيتهم آنذاك، أم أنهم قد حملوا معهم كل أملاكهم؟ الحقيقة كما يؤكدها الكتاب المقدس لليهود أنهم لم يخرجوا بأموالهم من ماشية وغنم ومتاع فقط بل أنهم سلبوا أيضاً أموال جيرانهم من المصريين من ذهب وفضة. وليست هذه أقاويل مرسلة أو روايات متداولة بل أنها مثبتة بنصوص التوراة و”العهد القديم” فى “سفر الخروج” حيث ينص الكتاب المقدس لليهود، فى هذا السفر: “فحمل الشعب عجينهم قبل أن ينحدر ومعاجنهم مصرورة فى ثيابهم على أكتافهم، ونقل بنو إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً. وأعطى الرب نعمة للشعب فى عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين.” (سفر الخروج، الإصحاح الثانى عشر).

وهكذا يؤكد الكتاب المقدس لبنى إسرائيل أنهم حملوا عند خروجهم الأول من مصر ليس فقط أموالهم وأمتعتهم، بل أيضاً ما إستعاروه من جيرانهم المصريين من “أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً”، مؤكداً أنهم حصلوا على هذه الأموال على سبيل الإعارة، ولكنهم لم يردوها بل سلبوها وهربوا بها.

لماذا هذه القصة الآن؟

بعد دعوة الدكتور العريان “المريبة”، بدأت ترتفع الأصوات، بأن اليهود سوف يطالبون بتعويضهم عن أملاكهم بعد خروجهم الثانى من مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأن اليهود لهم ذاكرة قوية وأنهم سوف يقيمون الدنيا للتحريض على ضرورة دفع تعويضات لهم عن هذه الأملاك. ورغم أن جميع المسئولين فى مصر قد أكدوا أن خروج الجالية اليهودية من مصر بعد ثورة 1952 كان طوعياً وأن أموالهم لم تصادر، وأنهم قد قاموا بالتصرف فيها، فإننا نود أن نضيف أن لنا حقاً سابقاً عليهم عند خروجهم الأول من مصر وربما حان وقت المطالبة به. وإذا كان اليهود يحرمون الربا فى التعامل فيما بينهم، فإنهم يصرون على إستيفائها من غير اليهود. ولنتحاسب.

لقد خرج اليهود من مصر مع موسى عليه السلام فى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تقريباً. ومعنى ذلك أنه مر على هذا الحدث حوالى ثلاثة وثلاثون قرناً. وإذا أردنا ان نحاسب اليهودعلى ما حملوه سلباً لأموال المصريين وضرورة إعادته مع الفوائد مع تطبيق أى سعر فائدة ولمدة ثلاثة وثلاثين قرناً، فإن المبلغ المطلوب سوف يجاوز أى رقم يمكن تصوره. ويكفى أن نتصور قيمة أية مبلغ بحساب الفائدة المركبة لثلاثة وثلاثين قرناً!

الحديث عن التعويض عن ممتلكات الجالية اليهودية قد يفتح أبواباً لا يسهل إغلاقها مع رجاء للدكتور العريان بان يحتفظ بآرائه الخاصة لنفسه، فبعضها قد يكون مكلفاً بما لا طاقة لنا به. والله أعلم.

الاهرام 28 يناير 2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *