عن عبقرية مفهوم “النقود”

عن عبقرية مفهوم “النقود”

دكتور حازم الببلاوى

 

كان أول مقرر دراسى أقوم بتدريسه فى الجامعة هو موضوع “النقود”. ولم أكن، آنذاك، مؤهلاً بدرجة كافية لتدريس هذا الموضوع، فرسالتي للدكتوراه كانت فى مجال آخر، وهو “التنمية الإقتصادية”، وأغلب أفكارها تدور حول “إقتصاد عيني” لا يكاد للنقود دور فيه. وكان رئيس قسم الإقتصاد فى جامعة الأسكندرية، في ذلك الوقت، هو المرحوم محمد غزلان، وهو شخصية من انبل وأطهر من رأيت، وقد وهب حياته للعلم بعيداً عن مظاهر الحياة ومباهجها. وعندما قلت له أنني غير مؤهل لتدريس هذا الموضوع، وأن رصيدى فيه لا يزيد عما تلقيته من مقرر وحيد وأنا طالب في كلية الحقوقومقرر آخر فى الدراسات العليا. فقال لي : ” إن أفضل طريقة لإتقان المعرفة هي القيام بتدريسها “. وكانت تجربة شاقة بقدر ما هي ممتعة، وأصبح هذا الموضوع، بعد ذلك، هو الأقرب إلي نفسى.

ظاهرة إجتماعية:

أن ظهور مفهوم “النقود”، وكما كان الحال بالنسبة لظهور اللغة ثم الكتابة، هي من أهم محطات تطور المجتمعات البشرية. وجاءت هذه الظواهر نتيجة لتطور مجتمعي، ولا يمكن أن ينسب إلي مكتشف أو مخترع، بل يمثل قدرة المجتمعات البشرية، من دون الكائنات الأخرى، علي التعامل في الحياة الإجتماعية من خلال “رموز”. فالإنسان، ربما وحده، هو الكائن الوحيد الذي يتعامل مع البيئة من خلال أنواع متعددة من “الرموز”. فاللغة مثلاً لا تعدو أن تكون رموزاً لأصوات أخذت لدى كل جماعة معاني تختلف بإختلاف الجماعات. وجاءت “الكتابة”، في فترة لاحقة، وهي نوع آخر من “الرموز” في شكل خطوط ورسوم للتعبير عن اللغة المنطوقة. وعندما حاول الإنسان أن يكتشف قوانين الطبيعة، وخاصة الفيزياء، فإنه إخترع لغة أخري هي “الرياضة”، وهي رموز تمثل العلاقات الكمية بين مختلف المظاهر.

فعبقرية الإنسان، هي أنه وحده من دون الكائنات، الذي يتعامل مع البيئة المحيطة به ويسيطر عليها من خلال رموز في شكل لغة أو كتابة أو معادلات رياضية، أو نوتة موسيقية. وعندما تعلق الأمر بالجوانب الإقتصادية، فإنه لم يلبث أن إستخدم قدرته علي إكتشاف رموز جديدة للتعامل الإقتصادي، وفي مقدمتها النقود ومن ورائها الأصول المالية.

النقود رمز:

فما هي النقود؟ النقود ليست شيئاً مادياً بقدر ما هي مفهوم إجتماعي في أشكال مختلفة من الرموز. حقاً، لقد أخذت النقود أشكالاً مادية خلال فترة طويلة من تاريخ البشر. فقد بدأت فكرة النقود في شكل سلعة واسعة الإنتشار مثلالماشية أو القواقع أو حتي مجرد أشياء تتمتع بما يشبه القيمة المقدسة. وكان كينز- الإقتصادي الإنجليزي الشهير – قد أشار إلي ما إكتشفه أحد الرحالة الأمريكيين (فيرنز Furness) بجزيرة في الباسفيكى بإسم ياب Yap، وحيث يتعامل الأفراد فيها بنوع من النقود في شكل كتل حجرية كبيرة يصعب نقلها، ويكفي أن تنتقل “ملكية” هذه الأحجار من شخص لآخر عن طريق الإتفاق، بل أن هناك أحجاماُ ضخمة من هذه الأحجار سقطت في المحيط، ومع ذلك يتعامل بها الأفراد بمجرد الإتفاق علي نقل ملكية هذه الأحجار أو جزء منها وهى فى قاع المحيط. وإذا كانت النقود قد بدأت في شكل سلعة فإنها لم تلبث أن استخدمت معادن  تسك لهذا الغرض لكى تستقر بعد ذلك _ في معظم دول العالم _ في المعادن النفيسة خاصة الفضة والذهب. وبعد ذلك تخلصت النقود من المعادن لتصبح مجرد ورقة، “البنكنوت”، بل وتجردت بعد ذلك من كل مظهر مادى لتصبح مجرد قيد محاسبى وهي ما يطلق عليه النقود الإئتمانية والتي تنقل الآخر عن طريق الشيك والبرق والانترنت.

ظهرت النقود الورقية (البنكنوت) فى وقت كانت فيه النقود من المعدن النفيس (الذهب والفضة)، وكان التجار يضعون أموالهم من الذهب لدى الصيارفة – خوفاً عليها من الضياع أو السرقة – وذلك مقابل “سندات” بقيمة هذه الودائع. ولم يكن التاجر بحاجة إلى سحب ودائعه والحصول على الذهب لدفع إلتزاماته لدى التجار الآخرين، إكتفاء بتحويل سند الوديعة للمالك الجديد. وهكذا بدأ التعامل فى الصفقات الكبيرة يتم بتداول هذه الأوراق (البنكنوت) بدلاً من تداول الذهب نفسه. وجاء إسم “البنكنوت” من لفظ  مائدة Banca والتى كان يتعامل عليها المصرفى مع عملائه. وبعد ذلك إكتشفت هذه البنوك، أن مجتمع التجار بدأ يتقبل التعامل بما تصدره من بنكنوت ثقة فى البنوك، وقلما يطلب التجار إستيفاء هذه السندات وتحويلها إلى ذهب. وقد بدأ التعامل مع “البنكنوت”، لتسوية المعاملات الكبيرة بين التجار عبر الحدود. وهنا ظهرت الفكرة لدى هؤلاء الصيارفة، فطالما أن مجتمع التجار يقبل وثائقهم (البنكنوت) ويتعامل بها وقلما يفكر فى تحويلها إلى ذهب، فلماذا لا يقتنص هؤلاء الصيارفة هذه الفرصة ويقروضوا التجار “أوراق بنكنوت” تزيد على ما لديهم من ذهب، وبذلك يحصلون على تحقيق عائد – الفائدة – دون خسارة. وبطبيعة الأحوال، فقد راعى هؤلاء إحتمال طلب تحويل أوراق البنكنوت إلى ذهب، فكانوا يحرصون على ألا تزيد أوراق البنكنوت الجديدة على نسبة معينة مما لديهم من ذهب. ونلاحظ أن ما تحققه البنوك من مكاسب نتيجة للتوسع فى الإئتمان يعادل ما كان يحققه الملوك عند إعادة سك النقود المعدنية بأقل من أوزانها، وهو ما كان يعرف “بحقوق الإقطاعى” Seigniorage.

 

وقد إستمرت هذه الأوراق (البنكنوت) فى التداول، مما أكسبها ثقة ومصداقية لدى التجار، فأصبحت تتمتع بنوع من “القبول العام” على الأقل وسط التجار. وبذلك بدأت مرحلة جديدة هى ما يطلق عليه إسم “النقود الإئتمانية”. فالنقود هنا هى “إئتمان” أو مديونية البنك أو المصرفى. وبذلك تجردت النقود من أى شكل مادى، فهى ليست سلعة ولا هى معدن نفيس بل هى مجرد “إئتمان” البنك. وبعبارة أخرى لم تعد النقود أكثر من مفهوم مجرد هو مديونية البنك، ويقبل التجار التعامل بها بهذا المفهوم المجرد، وهم على ثقة بأنه يمكن تحويلها فى أى وقت إلى ذهب. وهنا تدخلت الدولة لضمان الثقة فى هذه النقود الورقية بوضع الضوابط على إصدارها.

 وهكذا تبلورت فكرة النقود لتصبح مجرد “رمز” يصدر من جهات موثوق فى قدرتها على الوفاء – البنوك – ويمكن التعامل بها “كرمز” مع التجار الآخرين. ومن هنا أيضاً يمكن التفرقة بين “العملة” وهى الوحدات التى تتداول فى المعاملات اليومية وبين “النقود” التى تمثل مفهوماً مجرداً لقوة شرائية يقبلها البائعون، لثقتهم بأنهم قادرون بدورهم على إعادة إستخدامها، وهكذا.

وهكذا لم يكن غريباً أن تظهر أنواع من النقود ليس لها أى شكل مادى. ففى القرن العشرين، وعندما رأى المجتمع الدولى فى نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضى، الحاجة إلى إنشاء صورة جديدة من النقود ذات القبول الدولى، قام صندوق النقد الدولى بإنشاء ما أطلق عليه إسم “حقوق السحب الخاصة” SDRفى شكل سلة من العملات القوية،دون ان يكون لها أى شكل مادى، ومع ذلك تصدر بها سندات أو تقوم بها أصول أخرى. ومع الأسف، فإنه لم تتح لهذا الشكل الجديد من العملة الدولية للتوسع نظراً لسيطرة الولايات المتحدة على الإقتصاد العالمى، حماية لدور الدولار.

النقود دين على الإقتصاد القومى:

وبالإنتقال إلى مرحلة “النقود الإئتمانية” المستندة إلى مديونية البنوك المصدرة لهذه الأموال، فقد ظهرت الطبيعة الحقيقية للنقود بإعتبارها ديناً على الإقتصاد القومى – كما سنشير – وإن كانت تصدرها مؤسسات تتمتع بالثقة والإحترام – البنك المركزى، والجهاز المصرفى – مما يتطلب فرض أنواع من الرقابة والضوابط على هذا الإصدار منعاً لتعريض الإقتصاد لأزمات مالية إذا أسرفت هذه المؤسسات فى إصدار مديونياتها (نقود الإئتمان) بما يجاوز قدرة الإقتصاد الوطنى.

 وبظهور هذه “النقود الإئتمانية” بدأت تتضح تفرقة جديدة بين أنواع النقود. فهناك ما يطلق عليه النقود الداخلية Inside Money، مقابل ما يطلق عليه النقود الخارجية OutSide Money. أما “النقود الخارجية”، فهى النقود التى تعتمد على إعتبارات خارجية لا صلة لها  بحجم النشاط الإقتصادى. فعندما كانت النقود تعتمد على الذهب والفضة، فإن حجم هذه النقود كان يتوقف على ما يتم إستخراجه أو إكتشافه من ذهب أو فضة، وذلك بصرف النظر عن مدى التوسع أو الإنكماش فى حجم النشاط الإقتصادى. وقد كانت هذه سبب محنة أسبانيا فى القرنين السادس والسابع عشر، حيث زاد حجم النقود نتيجة للإكتشافات المنجمية فى العالم الجديد (أمريكا) دون تطور مقابل فى الإنتاج المحلى مما أدى إلى غلبة التضخم بها. وذلك على عكس إنجلترا – فى ذلك الوقت – التى لم تكن لديها مستعمرات تغدق عليها الذهب والفضة ومن ثم كان إعتمادها على نمو الإقتصاد الحقيقى، فلم تكن مصادفة أن تهزم إنجلترا الصغيرة – آنذاك – أسبانيا فى حرب الأرمادا (1588).

أما فى حالة “النقود الداخلية” وحيث يعتمد إصدار النقود على حجم الإئتمان فى البنوك والمؤسسات المالية، فإن حجم النقود يتغير مع تغير النشاط الإقتصادى وإستجابة له. فهنا يرتبط حجم النقود مع تطورات النشاط الإقتصادى. ومع ذلك فينبغى الحذر، ذلك أن الإئتمان وهو يزداد نتيجة لزيادة حجم النشاط الإقتصادى، فإن ذلك لا يمنع من إسراف المؤسسات المالية فى منح الإئتمان نتيجة للمضاربات المالية.

وظائف النقود:

إذا كان شكل النقود قد تغير مع تقدم المجتمعات وزيادة  الإتصالات بين المجتمعات البشرية كما تطورت أساليب تداولها، فإن جوهر النقود لم يتغير، وكذا وظائفها، وإن تغيرت الأهمية النسبية لهذه الوظائف. وتذكر مؤلفات النقود، أن وظائف النقود ثلاث هي : “وسيط في المبادلات”، و”مقياس للقيمة”، و”مخزن للقيمة”. وإذا كانت وظيفة “الوسيط في المبادلات” هي الوظيفة الأكثر أهمية ووضوحاً في المجتمعات القديمة، فإن وظيفتي “مقياس القيمة” و”مخزن القيمة” قد زادت أهميتها في العصر الحديث.

ولكن يظل السؤال قائماً حول جوهر النقود. حقاً لقد عرفنا وظائف النقود، وأن كان شكلها قد تغير عبر التاريخ وهي تتحرر بشكل مستمر من شكلها المادى لتصبح أكثر تجرداً، فبعد أن كانت سلعة أصبحت ورقة، وهي الآن مجرد قيد محاسبي في دفاتر المؤسسات المالية. ولكن ما هي النقود بالضبط وما هو جوهرها؟ هذا هو السؤال.

 

النقود قوة شرائية:

لنبدا بالقول بأن النقود ليست سلعة، وليست شيئاً مادياً. وإذا كانت النقود بذاتها لا تشبع حاجة بشكل مباشر أو غير مباشر، فما هي بالضبط؟ يقال أن النقود هي “قوة شرائية”، فماذا يعني ذلك؟ النقود لا تؤكل ولا تشرب ولا هى تكسو من عراء، ولكنها تمكنك _ عندما تريد _ من شراء ما تريد من طعام أو شراب أو ملبس. فالنقود وإن لم تكن بذاتها سلعة، فإنها تعطى صاحبها “الحق” في الحصول، فى الوقت الذى يحدده، علي ما يريده من سلع معروضة للبيع. وهكذا، فالطريف فى النقود، هو ان الإنتفاع المباشر منها لإشباع الحاجات يتم، للغرابة، لحظة التنازل عنها للغير مقابل سلعة أو خدمة. وهذا بطبيعة الأحوال، لا يمنع من أن تمنح النقود لحاملها متعة، حتى قبل إنفاقها، بما توفره له من شعور بالقوة والإطمئنان.

 فالنقود “حق” وليست “شيئاً”، فهى “حق” يمكن صاحبه من تحويل نقوده فى المستقبل إلي ما يشاء من السلع المعروضة للبيع إذا قبل الثمن المعروض. وإذا كانت النقود “حقاً” لحاملها فمن هو المدين بالوفاء بهذا الحق؟ أليس لمفهوم “الحق” طرفان، صاحب الحق (الدائن) من ناحية، والملتزم بأداء هذا الحق (المدين) من ناحية أخرى. فمن هو “المدين” إزاء حامل النقود؟ المدين هو، في الواقع، جميع العارضين للسلع والخدمات في الأسواق. فحامل النقود هو “دائن”، وهو يستطيع أن يستوفي حقه بشراء ما يريد من السلع المعروضة في السوق، وعندما يدفع الثمن فإنه يستوفي حقه بالحصول علي السلعة أو الخدمة، وهو بذلك يحول هذا “الحق” إلي البائع الذي لن يلبث أن يستخدمه بدوره في المستقبل. وطالما قلنا أن المدين فى حالة النقود هو أي من العارضين للسلع والخدمات في السوق، فإننا نتحدث في الواقع عن مجموع “الإنتاج القومي” المعروض للتعامل. فالمدين الحقيقي إزاء النقود المتداولة هو الإقتصاد القومي في مجموعه.والسؤال لماذا يقبل البائع، أي بائع، التنازل عن سلعته مقابل النقود؟ السبب أنه (البائع) يدرك، هو الآخر، أنه بقبول النقود فإنه يصبح صاحب حق يتمتع “بالقبول العام”، ويمكنه بالتالي أن يحصل مقابله علي ما يريد من سلع أو خدمات. فقيمة النقود تستمد من المجتمع وهناك علاقة وثيقة بين معنى “قوة شرائية عامة” وبين “القبول العام”، فالنقود هى “قوة شرائية عامة” لانها تتمتع “بالقبول العام”، وهى تتمتع “بالقبول العام” لانها “قوة شرائية عامة”. وإذا كان القبول العام هو فى جوهره ظاهرة إجتماعية، فإن الدولة كثيراً ما تتدخل لإضفاء صفة قانونية علي النقود، وذلك بإلزام المدين بقبول النقود الرسمية وفاء لدينه، كما انها تقبل هذه النقود اداء للضرائب والإلتزامات العامة. ولكن تدخل الدولة، وإن كان يقوي من “الثقة” فى النقود، فإنه بذاته غير كاف إذا لم يصاحبه قبول عام نتيجة للثقة فى إستمرار تمتع النقود بقيمتها فى المستقبل.

المستقبل والثقة:

“القبول العام” للنقود له بعد زمني، فانت تثق فى النقود الآن وغداً، والبائع يقبل التنازل عن سلعته اليوم مقابل النقود، لأنه يعرف أن قيمة النقود سوف تستمر _ بدرجة او أخرى _ غداُ. فثقتك فى النقود هى ثقتك فى المستقبل، وإذا كنت ترى أن الأسعار سوف ترتفع فى المستقبل وبالتالى تقل قيمة النقود ، فإنك سوف تصر على الحصول على ثمن مرتفع لمقابلة إحتمال إنخفاض قيمة النقود غداً. وهكذا فإن التضخم كثيراً ما يتحقق فى الحاضر إستباقاً للشعور بأن الأسعار سوف ترتفع فى المستقبل. وهكذا فإن “الثقة” فى النقود ضرورية لإستمرار قيام النقود بواظئفها فى التداول، فإذا فقدت هذه الثقه، أو ساد الشعور بأن قيمة النقود سوف تنهار، فإن الأمر لن ينتظر الغد بل سوف يتحقق اليوم. وهذا ما عانت منه بعض الدول فى الأزمات الكبرى مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وحيث كانت قيمة النقود تنخفض ليس بين شهر وآخر بل بين ساعة وأخرى، وعرفت ما سمى آنذاك بالتضخم العظيم وبدأ التعامل بالسلع بدلاً من النقود. ومعنى ذلك أن النقود وهى تربط الحاضر بالمستقبل، فإنها تعتمد على “الثقة”.

والحديث عن المستقبل هو حديث عن “الثقة”، فأنت لا تتعامل مع المستقبل إلا بقدر إطمئنانك إلى هذا المستقبل. ولا شك أن كل تعامل يتضمن قدراً من التعامل مع المستقبل، ومع ذلك فيظل هناك مجال يكون فيه دور المستقبل حاسماً ومؤثراً وذلك فى حالتى حالة الإدخار والإستثمار. فالمدخر يحتفظ بجزء من دخله ليس للإنفاق بعد أيام أو خلال الشهر، بل أنه يريد أن يؤمن مستقبله لسنوات وسنوات وبالتالى،  فالمدخر يراهن على المستقبل. وبالمثل فإن المستثمر لا ينفق على إستثماراته لكى يتمكن من الإنتاج بعد يوم أو يومين، بل يتطلب تنفيذ الإستثمارات سنوات وسنوات حتى تحقق نتائجها. ومن هنا فإن الحديث عن الإدخار والإستثمار هو حديث عن المستقبل والرهان عليه، فإذا لم تكن مطمئناً له، فغالباً سوف تحجم عن الإدخار والإستثمار. ومن هنا تأتى أهمية “الإستقرار النقدى”. فإذا فقدت الثقة فى الإستقرار النقدى، فالمدخر سوف يفقد الحافز لزيادة مدخراته النقدية إذا كانت معرضة للتآكل بشكل مستمر، وقد يلجأ إلى الإدخار العينى فى شكل سلع ومعادن ثمينة أو تحف أو غير ذلك، وبما لا يضيف إلى الطاقة الإنتاجية للإقتصاد. وفى نفس الوقت، فإن المستثمر المحتمل لن يجد من يقدم له مدخراته، كما أنه قد يستحيل عليه تقدير تكلفة إستثماراته المتوقعة إذا كانت أسعار السلع تزداد بإستمرار.

النقود والأصول المالية:

يتضح الآن أن إكتشاف المجتمعات البشرية لظاهرة النقود، قد خلق “رمزاً” جديداً للتعامل مع الموارد الإقتصادية وهو رمز النقود، التى أصبحت قوة شرائية، وساعدت على التبادل وحركة التجارة بين الأفراد والاماكن المختلفة، ولكنهاأظهرت أيضاً مفهوماً جديداً هو مفهوم “الحق المالى” القابل للتداول. وكانت النقود هى أظهر أشكال هذا الحق أو الأصل المالى. وهذه الأصول المالية لم تعد تقتصر على النقود التى تمثل “قوة شرائية عامة”، بل اتسعت لتتضمن أنواع أخرى من الأصول المالية التى تتداول فى الأسواق، مثل الأسهم والسندات التى تمثل حقوق ملكية أو دائنية على الأصول العينية القائمة. ولم يلبث أن تطورت هذه الأصول المالية لتشمل قائمة طويلة من الأصول التى تمثل أنواعاً من الدائنية أو الملكية. ومع هذا التنوع زادت إمكانية وفرص الإدخار والإستثمار، ومعها إمكانيات التقدم الإقتصادى. وهكذا جاء ظهور النقود وتطورها فاتحاً لمجال هام هو مجال “الأسواق المالية”، وبالتالى زيادة فرص وإمكانيات الإدخار والإستثمار.

ولكن، وهنا لابد وأن نكون على حذر بالغ. فهذه الأصول المالية على تنوعها، وهى تمثل فرصة هائلة للمخاطرة والإبتكار، وبالتالى التقدم والرخاء، فإنها تتضمن أيضاً مخاطر مخيفة إذا ترك لها العنان بلا ضابط أو رابط. فإذا كان نجاح النظام النقدى يعتمد على “الثقة”، فإن هذه الأصول الماليةالأخرى تحتاج بدورها إلى “الثقة”، وأن المبالغة والتهور فى إصدارها سوف يؤدى إلى كوارث مالية. فكما كان ظهور النقود نعمة، فإن المبالغة فى إصدارها بما يتجاوز قدرة الإقتصاد العينى على النمو والزيادة يؤدى إلى التضخم وإنهيار “للثقة”، وبالتالى الفشل الكامل. فالنقود وكذا الأمر مع سائر الأصول المالية تعتمد على “الثقة”، والثقة لا تستمر إذا ترك الحبل على الغارب للأصول المالية بلا ضابط أو رابط. وهنا تنقلب النعمة إلى نقمة.

الرقابة والإنضباط:

وإذا كنا نؤكد أن نجاح “النقود” يعتمد على الثقة والإنضباط، فإن الثقة تتطلب أن يكون إصدار النقود والتوسع فيها مرتبطاً بالإحتياجات الحقيقية للإقتصاد (السوق)، ولكن “السوق” وحدها لا تكفى لضمان أن يكون عرض النقود تعبيراً حقيقياً عن إحتياجات هذا الإقتصاد، إذ قد يعكس ذلك مضاربات المتعاملين بدرجة أكبر، ولذلك فإن الإنضباط يتطلب تدخل الدولة لضمان اتساق التوسع النقدى مع الإحتياجات الحقيقية للسوق. وهنا نلاحظ أن الفلاسفة القدامى قد تنبهوا إلى هذه الحقائق. فأرسطو فى القرن الرابع قبل الميلاد كان يرى أن النقود ظهرت لتحسين عمليات المقايضة، وبالتالى يركز على إرتباط النقود بإحتياجات السوق فى المبادلة، فى حين أن فلاسفة الصين، فى نفس الوقت تقريباً، فيما عرف بمدرسة جوانزى Guanzi، كانوا يرون أن الدولة ينبغى أن تسيطر على إصدار النقود لأنها مصدر القوة. وهكذا فالسلطة النقدية هى توازن بين إحتياجات السوق (الفيلسوف الإغريقى)، وبين نفوذ الدولة (فلاسفة الصين). ومع ذلك، فيلاحظ أن الدولة – فى كثير من الأحوال – تكون هى مصدر الإسراف فى النقدى عن طريق عجز الموازنة وبما يهدد الإستقرار النقدى. ويظل وجود دولة قوية مشرفة على الإستقرار النقدى أمراً لا غنى عنه.

لقد إكتشفت البشرية من خلال تطورها الطويل مفهوماً عبقرياً، وهو “الأصول المالية”، وفى مقدمتها “النقود”، مما ساعد على المزيد من القدرة على حساب التكلفة والعائد (مقياس القيم) من ناحية، وعلى إتساع تداول الموارد الإقتصادية بين الأفراد والدول (وسيط فى التبادل) من ناحية ثانية، وعلى التعامل الحكيم مع المستقبل وفرصه وإمكانياته (مخزن القيم)  من ناحية ثالثة. ولكن التعامل مع هذه “الأصول” يتطلب حكمة دون مبالغة أو إسراف، والعملية كلها تقوم على أهمية “الثقة”،: والعمل على توفير الضمانات لحماية هذه “الثقة” ودعمها. والله أعلم.

 

الأهرام 12 يونيو 2014

 

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *