عن عجز الموازنة

لاشك في أن العديد من المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير إلى تحسن أوضاع الاقتصاد المصري. فمعدل نمو الاقتصاد القومي يدور حول 5% بعد أن كان يتراوح بين 2-3% في بداية هذه الألفية. ورغم أن دولاً مثل الصين والهند يجاوز معدل نموها 10%، فإن ما تمّ تحقيقه في مصر يعتبر معدلاً محترماً. على أي الأحوال هذه بداية جيدة. ولعلنا نضيف إلى ذلك تحسن الصادرات المصرية والإيرادات الجارية في ميزان المدفوعات مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وانتعاش السياحة وزيادة دخل قناة السويس. ومع ذلك فقد صاحب هذا التحسن في الصادرات زيادة أكبر في الواردات مما أدى إلى تزايد العجز في الميزان التجاري. كذلك زادت الاحتياطيات إلى ما يزيد على 22 مليار دولار، واستقرت المديونية الخارجية عند حوالي 29 مليار دولار. وقد ارتبط كل ذلك باستقرار في أسعار الصرف بل وتحسن سعر الجنيه المصري في مواجهة الدولار. وفي نفس الوقت زادت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية وانتعشت بورصة الأوراق المالية – ربما جزئياً بسبب التوظيفات الأجنبية. وهو أمر يدعو إلى الرضاء نظراً لما يعكسه من ثقة المستثمرين، وإن كان يستوجب أيضاً قدراً من الحذر. فالاستثمارات المالية الأجنبية في البورصة بطبيعتها أموال ساخنة سريعة الحركة. ويقدر حجم الاستثمار الأجنبي في البورصة المصرية بحوالي 30% وهي نسبة ليست ضئيلة وتتطلب يقظة كبيرة.

وقد صاحب هذه الإنجازات ومهّد لها عدد من الإصلاحات المؤسسية في القوانين والتشريعات مثل ترشيد قوانين الضرائب والرسوم الجمركية ومزيد من الانضباط في القطاع المالي وزيادة درجة الشفافية في الإفصاح عن البيانات المالية وإتاحتها للجمهور على موقع صندوق النقد الدولي. وكل هذا جيد وينبغي الترحيب به.

ومع ذلك، ورغم هذا الأداء الجيد، فتظل هناك جوانب أخرى من الأداء الاقتصادي دون المستوى المطلوب وخاصة فيما يتعلق بمستوى الأسعار ومعدلات البطالة. فقد عرف معدل التضخم ارتفاعاً في السنوات الأخيرة حيث يتراوح حسب المنشور بين 8-10% في حين كان هذا المعدل قد انخفض إلى 2-3% منذ منتصف التسعينات، أي أن معدل التضخم قد زاد بأكثر من ثلاثة أضعاف عن المعدل السائد في ذلك الوقت. فإذا أضفنا إلى ذلك استمرار ارتفاع معدل البطالة الذي بلغ وفقاً

للبيانات الرسمية حوالي 10%، (وإن كانت هناك تقديرات أخرى أعلى من ذلك)، علماً بأن نسبة البطالة بين الشباب تزيد على المتوسط العام مما يخلق العديد من المشاكل لكثير من الأسر المصرية. ولكل ذلك فإننا نستطيع أن ندرك شعور المواطن العادي بالإحباط الاقتصادي. فهذا المواطن لا يبالي كثيراً بالمؤشرات الاقتصادية الإجمالية، فكل ما يهمه هو أن يجد لنفسه ولأولاده فرص عمل مناسبة وأن يكون قادراً على مواجهة تكاليف ارتفاع الأسعار بشكل معقول.

ومن هنا تظهر فجوة الثقة أو سوء الفهم بين الحكومة والمواطنين. الحكومة تعتقد أنها حققت أداءً جيداً في تحسين أوضاع الاقتصاد المصري، الأمر الذي استقبلته دوائر المال في العالم بالترحيب. ولكن المواطن العادي – ولأسباب مفهومة – له حسابات أخرى، فتلك المؤشرات الاقتصادية لا تعني له الكثير. فالحكومة ورغم هذا الإنجاز ما تزال عاجزة عن تخفيض معدلات البطالة كما أنها لم تستطع أن تكبح جماح التضخم الذي زاد خلال السنوات الأخيرة. فالمعيار – بالنسبة للمواطن – واضح ومحدد: هل هناك فرص عمل كافية ومناسبة، وهل الأسعار معقولة وفي متناول الغالبية؟ هذا هو المحك.

والحقيقة أن ما تحقق من إصلاحات هو نوع من الشروط الأولية اللازمة لمواجهة مشاكل البطالة والتضخم. فالأمر هنا أشبه بما يفعله الجراح قبل أن يبدأ العملية الجراحية، فعليه أولاً إجراء التحليلات الأولية ثم يبدأ في ضبط استقرار حالة المريض فيما يتعلق بمستوى الضغط أو السكر في الدم وذلك قبل أن يعمل مشرطه، ودون ذلك لا أمل في عملية جراحية ناجحة. ويظل مع ذلك أن نجاح الجراح رهن في النهاية بإجراء العملية على نحو سليم. ولذلك فإن هناك حاجة إلى شرح وإقناع الناس العاديين بأهمية ودلالة هذه الإصلاحات وضروراتها لمواجهة مشاكل الاقتصاد والحقيقية في البطالة والتضخم. والأمر لا يحتاج فقط إلى توعية وإنما يرتبط أيضاً بمدى توافر الثقة في الحكومة.

والآن وقد تحسنت البيئة الاقتصادية، فعلى الحكومة أن تضع برنامجاً محدداً ومعلناً لمواجهة هاتين المشكلتين (البطالة والتضخم) وأن تقوم بجهد في الشرح والتوعية للجمهور لفهم عناصر هذا البرنامج. ولكن هل صحيح أن المشاكل الأساسية أمام الحكومة هي البطالة والتضخم فقط؟

الحقيقة أن الحكومة تواجه مشكلة أخرى أكثر إلحاحاً، وهي عجز الموازنة. وليس الأمر راجعاً إلى أن حجم العجز في الموازنة وما ارتبط به من زيادة في الدين الداخلي قد بلغ مستويات غير قابلة للاستمرار، بل أن قدرة الحكومة على مواجهة مشكلتي البطالة والتضخم ستتضاءل إلى حد بعيد ما لم تجد الحكومة حلاً لمشكلة عجز الموازنة. ولذلك فإن مواجهة مشكلة هذا العجز هو الواجب الأول للحكومة الآن.

وللحكومة المصرية تاريخ حافل – وغير مشرف – في التعامل مع عجز الموازنة خلال ربع القرن الأخير. فمنذ بداية الثمانينات من القرن الماضي وقد زاد عجز الموازنة المصرية حتى بلغ مستويات بالغة الارتفاع وضعتها ضمن أعلى مستويات العجوزات المعروفة في العالم، حيث تراوح العجز آنذاك بين 18-19% من الناتج الإجمالي. فكيف واجهت الحكومة في ذلك الوقت هذه المشكلة؟

لقد جاءت هذه المعالجة آنذاك بدائية بقدر ما هي غير مسئوله. وقد أدت بالتالي إلى نتائج كارثية يعاني منها الاقتصاد حتى الآن. كيف؟

أخذت الحكومة في ذلك الوقت بالحلول السهلة، وذلك بالالتجاء إلى الاقتراض من البنك المركزي، وبالتالي أخذت بأسلوب طبع أوراق البنكنوت. ولكن زيادة المعروض من النقود لابد وأن يؤدي إلى رفع الأسعار. لا بأس. هنا لجأت الحكومة إلى تحديد الأسعار من ناحية ودعم السلع من ناحية أخرى. ولكن تحديد الأسعار يعني ظهور السوق السوداء وإخفاء السلع. لا بأس أيضاً. المهم أن تظل الأسعار الرسمية منخفضة. وطالما أن الرقم القياسي للأسعار يحسب على أساس الأسعار الرسمية، فإن معدل التضخم (الرسمي) يصبح معقولاً، حتى وإن كانت السلع غير متوافرة في الأسواق. ولكن الدعم يؤدي من ناحية أخرى إلى زيادة العجز في الموازنة وطبع البنكنوت، مما يؤدي إلى الدخول في حلقة مفرغة من العجز إلى الدعم، ومن زيادة الدعم إلى زيادة جديدة في العجز، وهكذا دوليك.

ومع تحديد أسعار البيع وتوفير الدعم للمشروعات من الموازنة العامة، فإن القطاع الإنتاجي – أغلبه قطاع عام – أصبح يعمل في إطار من الأسعار والتكاليف الإدارية والتي تبتعد عن الأسعار الحقيقية للموارد والسلع. وبذلك عاش القطاع العام في عالم وهمي من الأسعار والتكاليف غير الحقيقية بعيداً عن الحساب الاقتصادي السليم، يتعامل مع أسعار وتكاليف مشوهة، مما أدى إلى سقوط مفهوم الرشادة الاقتصادية. ولا يقتصر هذا التشويه على ما يؤدي إليه من اختلال في القرارات الإنتاجية والاستثمارية – بل أنه يشجع أيضاً على الفساد. ففي ظل انعدام القدرة على تقدير التكاليف والعوائد الحقيقية تضطرب المحاسبة المالية، ويصبح كل شيء مباح بما في ذلك المال العام. وهكذا بدأ تخريب القطاع العام.

وكأنما لم تكتف الحكومة بسياستها في الهروب إلى الأمام بتمويل عجز الموازنة بالاقتراض من البنك المركزي مع تحديد أسعار السلع إدارياً والتوسع في الدعم، بل أنها أتاحت لمشروعات القطاع العام الاقتراض – بلا حدود تقريباً – من البنوك، التي هي أيضاً من القطاع العام، الأمر الذي شجع شركات القطاع على المبالغة في الاقتراض من البنوك. وكان الغرض من ذلك هو التخفيف على موازنة الحكومة، وإلقاء جزء من العبء على البنوك. وكأنه لم يكن يكفي لما لحق موازنة الحكومة من خلل حتى ننقل الجرثومة إلى ميزانيات البنوك. وقد كانت مديونيات القطاع العام للبنوك هي اللبنة الأولى في الديون المتعثرة لبنوك القطاع العام، وذلك قبل أن تبدأ هذه البنوك في موجة جديدة من القروض غير المسئولة في التسعينات (للقطاع الخاص هذه المرة). ومع صعوبة تمويل النشاط الجاري لمشروعات القطاع العام أهملت بالضرورة الصيانة والاستثمارات الجديدة.

وهكذا يبدو أن استمرار عجز الموازنة في الثمانينات ومواجهته عن طريق سياسات خاطئة قد ساعد على تخريب اقتصاديات القطاع العام من ناحية، وبداية اختلال الهياكل المالية للبنوك من ناحية أخرى. وهذه هي المشاكل الرئيسية التي يعاني من آثارها الاقتصاد المصري.

وأياً ما كان الأمر، استطاعت مصر – بعد حرب الخليج ونتيجة لما حصلت عليه من معونات ثم مع تخفيض الديون الخارجية عليها – استطاعت أن تبدأ برنامجاً للإصلاح المالي نجح بشكل كبير في تخفيض العجز في الموازنة خلال أقل من ثلاث سنوات. فانخفض العجز إلى معدل يتراوح بين 2-3% من الناتج الإجمالي، واستمر على هذا المستوى من العجز حتى نهاية عقد التسعينات. وها نحن نعود جديد إلى ارتفاع عجز الموازنة وبشكل متزايد حيث بلغ العجز في الموازنة حالياً إلى ما يقرب من 10% من الناتج الإجمالي، كما بلغت المديونية الداخلية أكثر من 110% من الناتج الإجمالي وما يزيد على 65% من هذا الناتج بالنسبة للمديونية الصافية بعد طرح ودائع الحكومة لدى القطاع المصرفي من مجموع المديونية. وهي معدلات مرتفعة بكل المقاييس.

وبذلك فإن المشكلة الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة هي مواجهة العجز المتزايد في الموازنة. والخيارات أمام الحكومة ليست كثيرة، وكلها مؤلمة. هناك احتمال بزيادة أسعار النفط ومنتجاته. وهو أمر مفهوم اقتصادياً ولكنه ينطوي على مخاطر اجتماعية وسياسية. وهناك أيضاً إمكانية تخفيض النفقات وترشيدها، والكثير منها يفتح ملفات سياسية وأمنية حساسة. أما زيادة الضرائب المباشرة والرسوم الجمركية فلا يبدو مطروحاً بعد صدور القوانين الجديدة في هذه المجالات. ويظل باب الضرائب غير المباشرة متاحاً، وقد كانت ضريبة الاستهلاك هي طوق النجاة لزيادة الموارد السيادية في بداية التسعينات.

إن مستوى العجز في الموازنة وحجم المديونية الداخلية للحكومة قد بلغا حداً غير قابل للاستمرار. وليست هناك حلول سهلة. وقد اخترنا السهولة في الثمانينات ودفعنا ثمنها غالياً في نهاية القرن في شكل قطاع عام خرب يباع بأبخس الأثمان، وقطاع مصرفي منهك يحتاج إلى الإنقاذ. فهل ننجح هذه المرة؟   الله أعلم

 الاهرام: 19.2.2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *