عن مؤشرات التنمية

صدر منذ أيام تقرير التنمية البشرية (في العالم) لعام 2003 والذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، واحتفت به مختلف الأوساط باعتباره وثيقة هامة عن أوضاع التنمية البشرية في مختلف دول العالم. ولم تشذ الصحافة المصرية عن هذا السلك العام وصدرت صفحاتها بعناوين مثل “مصر حققت تقدماً كبيراً في مجال التنمية”. فهل هذا صحيح؟ وما هي الحكاية.

نعرف أن قضية التنمية الاقتصادية والاجتماعية قد أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أحد أهم مسؤوليات الحكومات في دولنا الفقيرة. وتعددت الكتابات حول هذا الموضوع حتى أصبح فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد، “اقتصاديات التنمية”. وتعددت التعريفات حول المقصود “بالتنمية” ومعيار قياسها وأهم وسائل تحقيقها من سياسات متنوعة. وليس هنا مجال التعرض لكل هذه القضايا، وإنما يكفي أن نشير بصدد موضوع مؤشرات التنمية أن معيار أو مقياس التنمية كان دائماً هاجساً للعاملين في هذا الميدان. فإذا كان الغرض من سياسات التنمية هو تحسين أوضاع الناس، فكيف يمكن أن نقيس الأداء؟ وما إذا كان هناك تقدم أو تراخي في هذا الصدد؟ وهكذا تحول الحديث عن التنمية، من الناحية العملية، إلى الحديث عن “معيار” أو “مقياس” التنمية.

وكان علم الاقتصاد قد بدأ من منذ بداية القرن العشرين، وقبل أن تظهر قضية “التنمية الاقتصادية” على السطح، مناقشة ما يعرف بالرفاه الاقتصادي Welfare وأصدر الاقتصادي البريطاني بيجو Pigo مؤلفاً ضخماً حول هذا الموضوع. ورأى أن تقدير هذا الرفاه يحتاج إلى مظهر خارجي قابل للقياس، ولم يجد أفضل من متوسط الدخل الفردي مقياساً لذلك. فالدخل النقدي يسمح لصاحبه بالحصول على السلع والخدمات التي تشبع حاجاته ورغباته وبذلك يمكن أن يعتبر تقريباً معقولاً لمستوى الرفاه الذي يتمتع به الفرد. حقاً لقد اعترف بيجو بأن الرفاه لا يتوقف فقط على الدخل النقدي، فهناك اعتبارات أخرى كثيرة تؤثر في ذلك، مثل الشعور بالأمن والاستقرار، والإحساس بالعدالة، والاطمئنان إلى المستقبل. ولكن هذه الأمور رغم أهميتها لا يسهل قياسها ولذلك فقد وجد أن الاكتفاء بمعيار الدخل الفردي يعتبر تقريباً مناسباً ومعقولاً. ولا ينبغي أن ننسى أننا نتحدث عن بداية القرن العشرين ونحن مازلنا قريبين من بداية الثورة الصناعية وثورة التنوير، وهو عصر يضع العلم والعقل في مقدمة اهتماماته. وكان السائد وقتها أن “العلم هو ما يمكن قياسه”. ولذلك فقد حرص معظم علماء العلوم الاجتماعية – ومنهم الاقتصاديون – على تقديم علومهم في شكل قابل للقياس. ومن هنا أهمية الدخل الإجمالي والدخل الفردي، وهي بطبيعتها أمور قابلة للقياس الكمي.

وكان من الطبيعي عند ظهور قضية التنمية الاقتصادية في منتصف القرن الماضي، أن يستخدم معدل الدخل الفردي كمقياس لمدى التنمية ومعيار لمدى التقدم في هذا المجال. رغم الاعتراف بأن هذا المفهوم هو نوع من المتوسطات الإحصائية، وبالتالي كثيراً ما لا يعبر عن الحقيقة حيث يخفي أشكال سوء توزيع الثروة والدخول. ومع ذلك استقر الأمر على الأخذ بهذا المقياس رغم التحفظات عليه. ولم يمنع هذا التقليد من اعتراف معظم الاقتصاديين في ذلك الوقت بنسبية دلالة مقياس الدخل الفردي للتنمية وأن هناك حاجة لاستكمال هذا المقياس الكمي بعدد من الاعتبارات النوعية التي تعكس “نوعية” الحياة وليس فقط “كمية” السلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها من الدخل الفردي المتاح.

وفي عام 1990 قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمبادرة هامة تحت تأثير اثنين من اقتصادي العالم الثالث – الهندي سن، والباكستاني محبوب الحق – وذلك بتطوير مفهوم التنمية البشرية وتحريره من التعريف الضيق لمتوسط الدخل الفردي، وذلك بالتأكيد على أن، جوهر التنمية هو توسيع لمجالات الاختيار أمام الفرد مما يتطلب الاهتمام بجانب تطوير وتمكين Empower الفرد على توسيع آفاق الاختيار أمامه بالإضافة إلى ما يمكن الحصول عليه من سلع وخدمات متاحة له. وقد اقتضى هذا التوسع في المفهوم الإشارة إلى الأوضاع السكانية من حيث معدلات الوفاة وتوقع الحياة والحالة الصحية ومدى توافر خدمات التعليم والمرافق العامة وأوضاع البيئة. ولم يلبث الأمر أن تطلب أيضاً اعتبارات الأجيال القادمة ومنها ظهرت فكرة التنمية المستدامة أو المضطردة Sustainable development.

ومع هذا التوسع في مفهوم التنمية فقد كان من اللازم، ومتابعة لتقاليد العلوم في البحث “عما يمكن قياسه”، فقد اقترح تقرير التنمية البشرية معياراً جديداً معدلاً لمعيار متوسط الدخل الفردي. فهو لا يستبعد هذا المعيار وإنما يكمله ويصححه.  فمن ناحية يتجه المعيار الجديد إلى الأخذ بمتوسط الدخل الفردي كما تعكسه القوة الشرائية وليس مجرد الأسعار المرتبطة بأسعار الصرف الرسمية. فالعبرة هي بما يمكن الحصول عليه من سلة من السلع والخدمات بصرف النظر عما يمكن تحويله إلى عملات أجنبية (الدولار عادة) في أسواق الصرف. وبالإضافة إلى ذلك فقد حرص المعيار الجديد على الأخذ في الاعتبار بأمرين آخرين وهما متوسط توقع الحياة عند الولادة، ومستوى التعليم.  فالأول يشير إلى أوضاع الصحة والغذاء بصفة عامة والثاني إلى درجة انتشار المعرفة والمهارات. وهكذا يتضمن معيار أو مؤشر التنمية البشرية ويرمز له
(HDI) ثلاثة متغيرات، متوسط الدخل الفردي على أساس القوة الشرائية، ومتوسط توقع الحياة، ومستوى التعليم.

ورغم أن مؤشر التنمية البشرية يمثل تقدماً لا شك فيه على معيار متوسط الدخل الفردي، فإنه يظل معياراً تقريبياً يغفل الكثير من الاعتبارات الكيفية أو النوعية إلى تلزم لتحديد معنى التنمية والرفاه. ولذلك تحرص تقارير التنمية البشرية على تقديم العديد من البيانات المقارنة لأوضاع الدول في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تساعد على إعطاء صورة حقيقية عن أوضاع التنمية البشرية في كل بلد ومقارنتها بالسنوات السابقة فضلاً عن وضعها النسبي بالنسبة للدول الأخرى.

وبعد هذه المقدمة الطويلة، نعود إلى تقرير التنمية البشرية لعام 2003، وهل هناك حقاً ما يستحق الإشادة بما حققته مصر “من تقدم كبير في مجال التنمية” أم أن الواقع قد يتطلب التوقف للتأمل والمراجعة لما يتضمنه التقرير من الحاجة إلى إعادة النظر. فبصرف النظر عما يرد على مؤشر التنمية البشرية من تحفظات، فإن المقارنة بين تقرير التنمية البشرية للعام الماضي
(2002) وتقرير العام الحالي (2003)، يتضح أن مصر تراجعت في ترتيبها العام بين الدول من (115) منذ عام مضى إلى (120) في هذا العام وذلك من أصل (151) دولة. حقاً إن ترتيب (115) للعام الماضي أمر لا يدعو لكثير من الافتخار والتشريف، ولكن التراجع إلى الترتيب
(120) بعدها بسنة لنفس المجموعة من الدولة لا يبرر السعادة الزائدة. وتقع مصر في الثلث الأخير من مجموعة الدول متوسطة التنمية البشرية. وإذا كان من الصحيح أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفع من 1375 دولار (بحسب القوة الشرائية) عام 1990 إلى 3520 دولار عام 2001 كما أوردته الصحافة، فالصحيح أيضاً أن تقرير التنمية البشرية للعام الماضي يشير إلى أن هذا الدخل انخفض عما كان عليه (3635 دولار عام 2000) منذ عام. وعند المقارنة مع دول أخرى في المنطقة، نرى أن إسرائيل قد ظلت عند نفس الترتيب (22)، في حين أن البحرين ارتفعت قليلاً من ترتيب (39) إلى (37) وهي تمثل أفضل أوضاع الدول العربية رغم أنها أفقر دول الخليج النفطية من حيث إنتاج النفط، وبالمثل فقد ارتفعت مرتبة الإمارات وكذا قطر في الترتيب منذ العام الماضي. ومع هذا التراجع في الترتيب النسبي لمصر بين الدول، فقد حققت تحسناً طفيفاً في الأوضاع الصحية وتراجع بسيط في أوضاع التعليم.

وما دمنا في مجال مؤشرات التنمية، فإن مؤشر التنمية البشرية ليس هو المؤشر الوحيد للأداء الاقتصادي، فقد تعددت الهيئات والمؤسسات التي تصدر مؤشرات عن مختلف جوانب الأداء الاقتصادي. ويرد على هذه المؤشرات ما يرد على مؤشر التنمية البشرية من ملاحظات، فهذه مؤشرات كمية تقريبية تعتمد على عدد محدود من المتغيرات ويمكن أن تكون دلالتها، في بعض الأحيان، محل شك، ولكنها في مجموعها تعطي صورة عامة عن الأوضاع الاقتصادية في الدول. وتنشر المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بين الحين والآخر بيانات عن بعض هذه المؤشرات الاقتصادية لعدد من الدول العربية. وفي عدد حديث لتقرير المؤسسة (مايو 2003) أشارت إلى ما يقرب من عشرة مؤشرات. فأين كانت مرتبة مصر من هذه المؤشرات. ولنحاول أن نتتبع هذه المؤشرات.

* مؤشر الحرية الاقتصادية: ويصدر عن معهد “هيرتاج” الأمريكية بالتعاون مع صحيفة “وال ستريت”، ويستند إلى عشر متغيرات تشمل السياسة التجارية ووضع الإدارة المالية لموازنة الدولة وحجم مساهمة القطاع العام وتدفق الاستثمارات الأجنبية ووضع القطاع المصرفي وحقوق الملكية الفردية والإجراءات الإدارية والبيروقراطية ومدى انتشار السوق السوداء. وترتيب مصر في هذا هو (104) من أصل (161) دولة. وبالنسبة للمجموعة العربية فقد وضع هذا المؤشر لخمسة عشر دولة عربية وقعت مصر في الترتيب 12 من هذه الدول حيث يأتي بعدها سوريا وليبيا واليمن.

  • مؤشر البيئة: ويصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في جنيف بالتنسيق مع مركز قانون وسياسات البيئة ومركز علوم الأرض لجامعة كولمبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتمد هذا المؤشر على 20 متغير تغطي أوضاع البيئة. وترتيب مصر في هذا المؤشر هو (73) من أصل (142) دولة. وقد أعد هذا المؤشر لأربعة عشر دولة عربية حققت مصر فيه مركزاً متميزا نسبياٍ وهو المركز الرابع بين هذه الدول.

  • مؤشر الشفافية: وتصدره منظمة الشفافية في برلين/ ألمانيا. ويستند هذا المؤشر إلى مسوح ميدانية ولا تعلن بيانات أية دولة ما لم يتم بها ثلاثة مسوح ميدانية على الأقل. والغرض من هذا المؤشر هو تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد. وترتيب مصر فيه هو (62) من أصل (102) دولة.

  • مؤشر الاستثمارات الأجنبية: ويصدر عن منظمة التجارة والتنمية (الأنكتاد) التابعة للأمم المتحدة ويحاول هذا المؤشر أن يرصد مدى نجاح الدولة في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية. وينقسم هذا المؤشر إلى شقين يشير الأول إلى مدى نجاح الدولة في جذب الاستثمارات الأجنبية والشق الثاني في مدى توافر إمكانيات الاستثمار الأجنبي فيها. وترتيب مصر فيها هو (91) بالنسبة للأداء و(62) بالنسبة للإمكانيات من أصل (140) دولة. ومعنى ذلك هو أن إمكانيات مصر تضعها في المكانة (62) بين الدول في حين أن ما نحصل عليـه فعلاً يضعها في مرتبـة (91) أي أنها لا تفيد بكامل إمكانياتها.

  • مؤشر الخاطر القطرية: ويصدر عن مجموعة BRS لقياس المخاطر المتعلقة بالاستثمار الأجنبي أو مدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية. وترتيب مصر فيه هو (72) من أصل (140) دولة. وقد أعد هذا المؤشر لسبعة عشر دولة عربية كان ترتيب مصر بينها هو العاشر.

  • مؤشر العولمة: ويصدر عن مجلة الشؤون الخارجية لقياس درجة تكامل واندماج الدول في الاقتصاد العالمي وترتيب مصر فيه هو (45) من أصل (62) دولة. وقد أعد هذا المؤشر لأربعة دولة عربية (تونس والسعودية والمغرب ومصر) وكان ترتيب مصر هو الثالث.

وإلى جانب هذه المؤشرات هناك عشرات من المؤشرات عن ترتيب الجدارة الائتمانية للبنوك والمؤسسات المالية وعن الشفافية المالية وعن احترام حقوق الإنسان وعن أوضاع المرأة. والقائمة طويلة جداً. ولا يخلو كل مؤشر من ملاحظات أو قصور. ولكن عندما تجمع هذه المؤشرات وغيرها على أننا مازلنا في ترتيب متواضع، وأن هذا الأمر لم يتغير منذ أكثر من خمسين عاماً، فلابد من أن ندق ناقوس الخطر، ولا نكتفي بالتهليل لما حققناه من إنجازات. فما نحتاجه هو كثير من العمل وقليل من التصفيق والتهليل.  فمازال الطريق أمامنا طويل. والله أعلم.

الأهرام: 20.7.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *