عن وكـــالة المخـابرات المركــزية

لسنا في حاجة إلى التأكيد على أهمية “المعلومات ” في العصر الحديث. فثورة ” المعلومات والاتصالات” جعلت من العالم ولأول مرة في التاريخ “قرية كونية”. ولكن المعلومات ليست فقط أداة للتواصل بين البشر فيما بينهم، فهي أيضاً “سلاح” عسكري و”قوة” اقتصادية. وقد أدرك الساسة والعسكريون أهمية المعلومات منذ زمن طويل. فالانتصار في المعارك لم يكن ابداً وليد قوة السلاح وشجاعة المحاربين وحدهما، بل كثيراً ماتوقف على ماتوافر للقادة من معلومات عن العدو. ولم يكن رجال الحكم أقل تقديراً لأهمية المعلومات والاستخبارات باعتبارها أموراً لازمة لتحقيق الأمن والاستقرار للحكم. ولكن الجديد هو أن ” المعلومات” أصبحت في الاقتصاد المعاصر “قوة اقتصادية” أيضاً. فكلما كان الاقتصاد مفتوحاً تتدفق فيه المعلومات الصحيحة وتتداول، كلما كان الاقتصاد أكثر قدرة على التطور والتقدم. ومن هنا أصبحت “الشفافية” أحد أهم مظاهر التقدم الاقتصادي.

وتختلف نظرة الاقتصادي إلى المعلومات عن نظرة الجنرال أو القائد. فرغم أن المعلومات ” قوة” عند الجميع فأنها لدى الاقتصادي “قوة” أو ثروة يزداد  دورها أو تأثيرها بانتشارها بحيث يصبح الجميع، أكثر علماً ومعرفة وبالتالي أكثر قوة وثراء، وبالمقابل فإن المعلومات عند القائد العسكري هي “سلاح” وبالتالي لاينبغي التفريط فيه لمصلحة العدو الذي قد يستخدمه ضده. وليست نظرة أحد هذين الطرفيين صحيحة والأخرى خاطئة، ولكن الخطأ هو أن تسود إحدى النظريتين بشكل مطلق على حساب الأخرى. فمجتمع قائم على السرية والأسرار مجتمع غير صحي تنتشر فيه الإشاعات والأكاذيب ويفتقد إلى الثقة والإبداع. وعلى العكس فمن المستحيل أن ينجح مجتمع إذا كانت كل مشروعاته أو نواياه كتاباً مفتوحاً في عالم لايخلو من الأشرار والمتربصين. ومن هنا ضرورة التوازن بإتاحة أكبر الفرص أمام “المجتمع المفتوح” مع الاعتراف بالحاجة إلى نوع من السرية حماية لما يمثل المصالح العليا المعرضة للخطر.

وفي كتاب حديث بعنوان ” تركة من الرماد” تناول أحد محرري صحيفة نيويورك تايمز – تيم وينير – تاريخ وكالة المخابرات الأمريكية CIA بالسرد والتحليل، وحصل كتابه على جائزة أفضل الكتب في أمريكا. وعنوان الكتاب، مأخوذ من عبارة أطلقها الرئيس ايزنهاور عند تركه البيت الأبيض بعد فترتين في سدة الحكم في أقوى دولة معاصرة، حيث قال ” أخشى بعد ثمان سنوات في الحكم أن تكون تركتي مجرد رماد”. وهكذا أراد مؤلف الكتاب أن يقول بأن تركه وكالة المخابرات المركزية، وبعد أكثر من ستين عاماً على إنشائها، قد لاتكون أكثر من رماد. فالحصيلة النهائية لقراءة الكتاب – اكثر من ستمائة صفحة – هي أن وكالة المخابرات المركزية كانت أكثر فشلا مما يبدو على السطح وأن إنجازاتها الحقيقية محدودة. وهو يرى أيضاً أن هذه الحصيلة كانت مكلفة وغير فعالة وكثيراً ماأدت بالسياسة الأمريكية إلى فشل وراء فشل، في آسيا، وفي أفريقيا، وفي أمريكيا اللاتينية. بل أن انهيار الاتحاد السوفيتي جاء مفاجئاً للوكالة ولأسباب لم تدر بخلدها. ووفقاً لرواية المؤلف، فلعله الرئيس كارتر – الذي كان أكثر الرؤساء الأمريكيين نفوراً من الأساليب السرية والأكثر التزامنا بالمعايير الأخلاقية في العمل الدولي – هو الأكثر فاعلية في أحداث الشرخ في الاتحاد السوفيتي. فالكاتب يرى أن الدعوة لاحترام حقوق الإنسان وتوقيع معاهدة هلسنكي 1975 دعمت شوكة المعارضين في نظام الاتحاد السوفيتي ونزعت بالتالي الشرعية عن نظم الحكم الشمولية.

بدأ التفكير في إنشاء وكالة المخابرات المركزية مع بداية ظهور بوادر الحرب الباردة. وكانت وفاة روزفيلت في أبريل 1945، وتولى هاري ترومان الرئاسة، إيذاناً بظهور مشكلة في الرئاسة الأمريكية. فقد كان ترومان – نائب الرئيس آنذاك – على جهل كامل بتحضيرات أمريكا للقنبلة الذرية، وكان بعيداً تماماً عن السياسة الخارجية، ومن ثم فقد وجب الإسراع بتوعية الرئيس الجديد بتعقيدات الموقف العسكري والدولي، وكان في حاجة بالتالي إلى نوع  من “الجريدة اليومية” التي تقدم له الأخبار الهامة في العالم. وهو لم يكن يتوقع أكثر من ذلك. وفي نفس الوقت كان هناك عدد من المحللين الاستراتيجيين في وزارة الخارجية – على رأسهم جورج كينان – الذين يفكرون في مستقبل العلاقات الدولية بعد إزالة الخطر النازي. وكان كينان يعمل بالسفارة الأمريكية في موسكو، وقد تنبه إلى خطر ستالين وتطلعاته للتوسع الشيوعي، فأرسل تقريراً إلى وزارة الخارجية في تلغراف عرف “بالتلغراف الطويل”، يشرح فيه هذا الخطر، ويضع تصوراً للمستقبل أوضح فيه “استراتيجية الاحتواء” للاتحاد السوفيتي، والتي أصبحت العقيدة السياسية للولايات المتحدة للخمسين سنة التالية. و تقوم هذه استراتيجية على عدم محاربة الاتحاد السوفيتي – كما اقترح ونتسون تشرشل  آنذاك – وانما احتوائه وعدم السماح له بالتوسع خارج الحدوده. واستكمل كينان هذه الاستراتيجية بعنصرين مكملين، أحدهما إعادة تعمير أوربا لتقف في وجه التوسع السوفيتي، والثاني وضع نظام للمخابرات لتقويض أركان النظام السوفيتي. وقد ترتب على الأمر الأول إطلاق “مشروع مارشال”، كما ولدت “وكالة المخابرات المركزية” عن الأمر الثاني. وقد اختلفت  الرؤى حول الدور المطلوب لهذه الوكالة، فهي جهاز لتجميع المعلومات وفقاً لريشاردهلمز والذي أصبح مديراً للوكالة بعد ذلك، في حين رأى فرانك وزنر – والد السفير الأمريكي في مصر في الثمانينات – أن يصبح الجهاز أداة للعمل السري والتخريبي.

وصدر أول قانون للوكالة في 1949 وأعطاها صلاحيات واسعة مع تحريم قيامها بالتجسس على المواطنين أو رقابتهم . فليس للوكالة أي دور في الأمن الداخلي. ومع ذلك، فقد مارست الوكالة بناء على تكليف من كيندي القيام بأعمال التجسس على المواطنين الأمريكيين. وانتقل هذا التقليد المخالف لقانون إنشاء الوكالة إلى خلفائه جونسون ونيكسون وأخيراً جورج بوش.

ويعدد الكتاب ممارسات الوكالة، وأغلبها باء بالفشل وإن حققت عدداً محدوداً من الانتصارات. ومن أهم النجاحات التي حققتها الوكالة، الانقلاب على حكومة مصدق في إيران وعودة الشاه إلى الحكم، وبذلك أكدت الولايات المتحدة وجودها في هذه المنطقة الغنية بالنفط. ومع ذلك فإذا نظرنا من خلال منظور تاريخي أوسع، إلى علاقة أمريكا بإيران ، فأن مانراه اليوم من تعاظم شقه الخلاف بينهما قد لايكون أكثر من أحد نتائج تدخل الوكالة في إيران في بداية الخمسينات والتي غرست البذرة التي أثمرت الثورة الإسلامية بها فيما بعد. لقد كان نجاحاً مؤقتاً حمل معه جنيناً للفشل بعد ربع قرن.

هذا عن أهم الانتصارات، وأما أشكال الفشل التي وقعت فيها الوكالة فأنها لا تكاد تحصر. ويكفي أن نسرد بعض الأمثلة. بعد نهاية الحرب مباشرة بدأت وكالة المخابرات في محاولة زعزعة نظم الحكم في دول المعسكر الاشتراكي، فانزلت عدداً من المرتزقة في أوكرونيا 1948، وفي ألبانيا 1949، حيث تم القضاء عليهم بالكامل من قبل القوات السوفيتية. واستخدمت الوكالة نفس الأسلوب بإسقاط عدد من الكوريين والصينيين وراء الخطوط في كوريا الشمالية وفي الصين، وتم القضاء عليهم بالكامل أيضاً. وعندما بدأت الحرب الكورية، أكدت الوكالة للرئيس الأمريكي ( 1951 ) أنه “لا توجد لدى الصين أية نيه لدخول الحرب”، وذلك قبل اندفاع القوات الصينية إلى كوريا بأسابيع. وفي أكتوبر 1956 أبلغ ألن دلاس – مدير الوكالة – ايزنهاور أن “التقارير عن عدوان إسرائيلي / بريطاني / فرنسي هي مجرد أخبار سخيفة لا أساس لها”. وعندما ألقى خروشوف خطابه الشهير أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي والذي أدان فيه حكم ستالين، لم تتمكن الوكالة من الحصول على نص الخطاب، حتى سربت المخابرات الإسرائيلية نسخة من الخطاب اليها. وبعد أن نجح كاسترو في الاستيلاء على الحكم في كوبا، ابلغت الوكالة الإدارة الأمريكية أن “القضاء على كاسترو مسالة أسابيع”. وعندما فشلت محاولة خليج الخنازير، كلف روبرت كيندي الوكالة بمحاولة قتل كاسترو، ولم يتحقق ذلك، بل قتل الرئيس كيندي نفسه. وصرح جونسون – خليفة كيندي – بأن هذا الأخير “أراد القضاء على كاسترو، لكن كاسترو كان أسرع منه”. وكذلك فوجئت الوكالة بالقنبلة الذرية في الهند ثم في باكستان. وفي الستينات ساعدت الوكالة حزب البعث العراقي على الوصول إلى الحكم، وأعلن علي صالح السعدي- رجل الحزب القوي- بأن “البعث قد جاء إلى الحكم على قطار أمريكي”. وكان صدام حسين هو أحد المقلين لهذا القطار، ليصبح بعد ذلك أكبر أعداء أمريكا. وبالمثل فأن أسامة بن لادن لم يكن بعيداً عن التعامل مع هذه الوكالة. وليس مستغرباً في ضوء ما تقدم ما أكدته الوكالة بأن العراق يملك – يقينا – أسلحة دمار شامل، فجاء الغزو على العراق فاضحاً كذب الوكالة أو جهلها. وتعدد الأمثلة.

هذا هو سجل جهاز المخابرات في أغنى دولة في العالم،  فكيف بالوضع في الدول الأخرى؟ قد تكون أعمال المخابرات والعمل السري مطلوبة. ولكنها – كالطلاق –  أبغض الحلال، ولذلك فلا أقل من أن توضع تحت رقابة ومساءلة كاملة. لقد بدأت الولايات المتحدة في تشديد المساءلة على المخابرات بزيادة دور الكونجرس في الرقابة والأشراف عليها. فعدم المساءلة قد يغري بالانحراف، وهو يؤدي في أحسن الأحوال إلى الترهل والخمول.

الأهرام 6 يوليو 2008  

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *