عينة من التفكير الأمريكي عن الشرق العربي

مارتن انديك اسم معروف للمهتمين بدور السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهو أمريكي من اصل استرالي تجنس بالجنسية الأمريكية حديثاً بعد أن عمل لسنوات لمنظمة الإيباك، أهم منظمات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية. وبمجرد حصوله على الجنسية الأمريكية تولى منصب مساعد رئيس الجمهورية (كلينتون) للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي ثم مساعد وزير الخارجية الأمريكية، وأخيراً سفير الولايات المتحدة الأمريكية في اسرائيل. وهو بالطبع يهودي، ويشرف الآن على معهد ” بروكتز ” وهو من أهم مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأكثرها تأثيراً على سياسة الحكومة الأمريكية.

وقد كتب مارتن انديك مقالاً هاماً في مجلة الفورين افيرز ” Foreign Affairs ” بعنوان ” العودة إلى البازار ” Back to the Bazaar ” ومارتن انديك ليس له شعبية في الدول العربية، فهو محسوب على اللوبي الإسرائيلي ومن أشد المناصرين لدولة إسرائيل. ومع ذلك فعندما يكون صاحب المقال هو مارتن انديك، وخاصة إذا نُشر المقال في أحد المجلات المحترمة، فلا بد أن نقرأ ما يقوله بعناية. ليس لأن ما يقوله هو القول الفصل، أو أنه الرأي النهائي للإدارة الأمريكية، بل لأنه صوت مؤثر في السياسة الأمريكية، ولا يضع أفكاره على الورق إلا عندما يتوافر لها قدر معقول من فرصة التأثير على السياسة الأمريكية في هذا الميدان الهام.

وحديث مارتن انديك عن البازار أو السوق هو تعبير عما يعتقد أنه ” الصفقة ” التي تمت في إثر حرب الخليج الثانية لتغيير الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وكيف أن هذه الصفقة لم تحقق أهدافها، ووجب بالتالي إعادة النظر فيها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

والإفتراض الضمني الذي يبدأ منه مارتن انديك – وإن لم يذكره صراحة – هو أن هناك علاقة بين شكل الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية وطبيعة النظم السياسية السائدة في الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط من ناحية أخرى. وهذا افتراض يبدو أنه لا يخلو من وجاهة. وأما الإفتراض الآخر الضمني الآخر فهو أن هذه التغيرات تتوقف إلى حد كبير – على رؤية وسياسة الدول الكبرى (الولايات المتحدة في الدرجة الأولى). وهذا الإفتراض أقل وجاهة من الإفتراض السابق. فإذا كان من السهل نسبياً الإعتراف بوجود علاقة بين تطور النزاع العربي/الإسرائيلي وبين شكل النظم السياسية السائدة في المنطقة، فإنه من الصعب القول بأن كافة التطورات السياسية كانت متطابقة مع سياسات الدول الكبرى، فكثيراً ما أتت الرياح بغير ما تشتهي هذه الدول.

ومن المعروف أن الخريطة السياسية لمنظومة الدول العربية قد تغيرت تماماً بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في 1948. فالنظام القديم للدول العربية وجميعها كان يخضع لنفوذ الغرب (انجلترا وفرنسا أساساً) كان يجمع بين عناصر تقليدية وبين بعض مظاهر الليبرالية السياسية. وظهر ذلك بوجه خاص بالنسبة للدول العربية المستقلة نسبياً والتي ارتبطت بميثاق جامعة الدول العربية 1944. فقد غلب على السعودية واليمن العناصر التقليدية للحكم، في حين ظهرت بعض الإتجاهات الليبرالية بشكل أوضح في مصر وسوريا ولبنان والعراق. ومع قيام دولة اسرائيل وقع ما يشبه الزلزال في النظام السياسي العربي سقط معه النظام القديم وقام على انقاضه نظام جديد عسكري أو شبه عسكري يعتمد على تركيز السلطة في يد الحاكم الذي يجمع بين يديه كافة أو معظم أدوات التأثير السياسية (منع الإضراب والتعددية الحزبية) أو الإقتصادية (التأميم وتضخيم القطاع العام واستبعاد أو تقزيم القطاع الخاص) أو إعلامية ( الرقابة على الصحف واستخدام الراديو والتلفزيون لتأييد الحكم) أو نقابية (تحويل النقابات العمالية والمهنية إلى أجهزة تابعة للدولة). وقد بدأ هذا التغيير بالإنقلابات العسكرية في سوريا ثم توطد الأمر بعد قيام الثورة المصرية في يوليو 1952. وقد عمم هذا الأسلوب على معظم الدول العربية بغض النظر عن قيام ثورات عسكرية فيها. فهذا النمط من الحكم المطلق ساد سواء كان الحاكم رئيساً أو ملكاً، عسكرياً أو مدنياً. فلم يكن هناك خلاف كبير في سلطات الحاكم بين الملك فيصل، أو الحسين أو الملك حسن من ناحية أو دور الرؤساء عبد الناصر أو بوميدين من ناحية أخرى. وجاءت كارثة 1967 ثم حرب 1973 فتعدل النظام السياسي العربي نحو مزيد من الإنفتاح الإقتصادي وقليل من الإنفتاح السياسي. وفي هذا كله ما يشير إلى وجود علاقة بين مرحلة الصراع العربي الإسرائيلي وطبيعة النظام السياسي العربي، كما في الإفتراض الضمني الأول لمقالة مارتن انديك، وان كان لا يقطع تماماً بأن هذا التغيير كان دائماً موافقاً لرغبات الدول الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية في الدرجة الأولى). والآن ماذا يرى السيد مارتن انديك عن رؤية السياسة الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط بعد أحداث سبتمبر 2001؟

يبدأ السيد انديك بالمقارنة بين وضع السياسة الأمريكية غداة إخراج الجيش العراقي من الكويت وبين وضعها بعد الإنتهاء من المرحلة الأولى لمحاربة الإرهاب في أفغانستان بعد أحداث سبتمبر. في الحالتين وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في وضع متميز ومهيمن علىالأوضاع في المنطقة وفي العالم. في الحالة الأولى حققت الحملة الأمريكية – بغطاء دولي من التحالف – أهدافها في منطقة الخليج في وقت انزاح فيه الإتحاد السوفييتي كقطب مواز للقطب الأمريكي، مما ترك لها حرية كبيرة في التصرف. وفي الحالة الثانية حققت نفس الحملة الأمريكية أهدافها العسكرية بأسرع مما توقع الكثيرون وبكفاءة عالية. وفي الحالتين طرحت قضية مستقبل الشرق الأوسط. وكان يتجاذب السياسة الأمريكية إتجاهان. الإتجاه الأول يرى ان إلحاق الهزيمة بجيش صدام حسين قد يكون فرصة مناسبة للقضاء عليه وإقامة نظام ديمقراطي في العراق ومنه إلى مختلف الدول العربية. ولكن هذا الإتجاه لم يلبث أن تراجع تحت ضغط عدد من الدول العربية الصديقة التي رأت أن القضية الأولى بالمعالجة بعد حرب الخليج هي إيجاد حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي. وبذلك كان التساؤل حول المرحلة التالية لنهاية حرب الخليج، وهل هي مرحلة التمهيد للتوسع الديمقراطي في المنطقة أم هي مرحلة ايجاد حل نهائي لأزمة الشرق الأوسط؟ وكانت النتيجة أن تغلب الإتجاه الثاني. وبذلك عُقد مؤتمر مدريد في اكتوبر 1991 وبدأت مسيرة السلام تعاود خطواتها. ورغم أن حكومة الديمقراطيين مع كلينتون كانت تفضل التركيز على التطوير الديمقراطي، فإنها ورثت مسيرة قائمة بالفعل للسلام. وبالتالي فقد كان من المنطقي الإستمرار فيها. وكان الإعتقاد أنه ليس هناك تعارض كبير بين الإتجاهين، ذلك أن النجاح في تحقيق السلام سوف يساعد على دعم المسيرة الديمقراطية. ويرى أنديك أن اعتبارات ترجيح العمل على جبهة تحقيق السلام على حساب جبهة تدعيم الديمقراطية جاءت بناء على ضغوط أصدقاء أمريكا من الدول العربية وخاصة من السعودية ومصر. ويحاول انديك أن يبين في هذا المقال أن استجابة الإدارة الأمريكية لهذه الضغوط العربية كانت خطأ، وأن على الإدارة الإمريكية الآن أن تغير الأولويات في هذه الجولة الجديدة لسياستها بعد أحداث سبتمبر. بل أنه يذهب إلى أن السياسة السابقة قد أدت – بشكل غير مباشر – إلى دفع موجة الإرهاب إلى العالم الخارجي، فإجراءات القمع الشديد التي مورست ضد الإرهاب في الدول العربية قد وجهت نشاطها إلى الخارج، فضلاً عن أن الأموال قد تدفقت في ذلك الوقت إلى دعم الأنشطة الإسلامية الراديكالية. وهكذا يرى انديك أن تجاهل توسيع قاعدة الديمقراطية لحساب حل مشكلة الشرق الأوسط أولاً بعد حرب الخليج، لم يترتب عليه فقط تعطيل الهدف الأمريكي في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط بل أنه كان عاملاً في زيادة الإرهاب الدولي.

ولذلك فإن نصيحته للسياسة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر هي العودة من جديد للموقف القائم عند نهاية حرب الخليج فيما يتعلق ببحث اولويات السياسة الأمريكية، سواء في نشر الديمقراطية وتوسيع مجالاتها في دول الشرق الأوسط أو في إيجاد حل دائم لمشكلة الشرق الأوسط، وأن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في ترتيب هذه الأولويات، وأن هدف الديمقراطية لا بد وأن يعود من جديد كأولوية أولى للسياسة الأمريكية. ويدرك انديك في نفس الوقت مخاطر إحداث تغييرات سياسية غير محسوبة، مما قد يؤدي إلى مزيد من الإضطراب وعدم الإستقرار، بحيث يبدو أن الخيار في الواقع هو بين قبول ” الفوضى أو الفساد “. وإذا كان القرار في الماضي ضد الفوضى وبالتالي بالقبول الضمني بالفساد، فإن الأمر لا ينبغي أن يكون كذلك في المستقبل. وهو يرى أن على السياسة الأمريكية أن تتعاون مع الدول الصديقة، في مصر والسعودية للعمل نحو مزيد من الإنفتاح السياسي. ويعترف انديك أن مثل هذه السياسة الأمريكية سوف تجد مقاومة، وأنه من الطبيعي أن تكون هناك مطالبات بمزيد من الإهتمام بقضية السلام في الشرق الأوسط، ولكنه يرى أنه ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تكون أشد صلابة في التأكيد على ضرورة التقدم في قضايا الإصلاح السياسي والإقتصادي الآن، الأمر الذي سيحقق الأهداف الأمريكية بعيدة المدى.

ولعل أهم ما في هذا التفكير الأمريكي – الغربي وبوجه عام – هو الإعتقاد بأن التغيرات المؤسسية للنهضة في العالم العربي إنما تتم بنوع من التدخل الخارجي وليس استناداً إلى ضرورات التطور الداخلي. فالتطور إلى الديمقراطية ليس مجرد استجابة لحاجات داخلية ملحة بقدر ماهي انعكاس لإستراتيجية خارجية. ولا يقتصر الأمر على هذه الحالة بالذات في صدد دفع التطور الديمقراطي، بل أننا نجد أنفسنا أمام نمط متكامل للتفكير الغربي في هذا الخصوص. ففي كتاب حديث أصدره المستشرق برنارد لويس بعنون ” أين الخطأ ” ” What Went Wrong”  لمناقشة أسباب تخلف الحضارة الإسلامية منذ القرن السابع عشر عن الحضارة الغربية رغم ازدهارها لقرون سابقة، فنجد أنه يشير – ضمن أمور أخرى – إلى دور الغرب في تحقيق العديد من التغيرات المؤسسية في الأوضاع السياسية والإجتماعية لمعظم الدول الإسلامية منذ القرن الثامن عشر. ويعطي على ذلك مثالاً لدور الغرب في تحقيق مزيد من المساواة في الأوضاع للفئات المهمشة في المجتمع الإسلامي. فرغم أن لويس يعترف بأن الإسلام قد جاء – بوجه عام – ديناً محققاً للعدالة والمساواة بين البشر وبشكل لم يكن معروفاً من قبل، فقد ظلت هناك في المجتمع الإسلامي فئات محرومة من حقوقهم الكاملة وهم بشكل عام ثلاث فئات، العبيد، النساء، الأقليات غير الإسلامية. فمع إعتراف الإسلام أن المسلمين متساوون كأسنان المشط، فإن وضع هذه الفئات كان دائماً مهضوماً. وهو يرى أنه قد جدت محاولات منذ القرن الثامن عشر لإلغاء أو تخفيف هذه الأعباء على تلك الفئات وبالتالي تحقيق المساواة بين البشر، وقد تحقق الكثير منها، مثل إلغاء العبودية، والإعتراف بحق المواطن بصرف النظر عن الدين وتحسين أوضاع المرأة. ولكن لويس يؤكد أيضاً أن الكثير من هذا التطور إنما قد تم تحت تأثير الغرب أو حتى بضغط منه. فجهود التحرير وتحقيق المساواة في المجتمعات الإسلامية لإلغاء العبودية وتحرير المرأة وتحقيق المواطنة الكاملة للجميع بغير تمييز في الدين، كل ذلك تحقق – وفقاً لمقولة لويس – بضغوط من الغرب أكثر منها إستجابة لحاجات محلية. وما نراه من أفكار مارتن انديك الآن لا يختلف كثيراً عن هذا النمط من التفكير. فالدعوة إلى مزيد من الديمقراطية في دول الشرق الأوسط تأتي من الخارج وبضغط من الغرب.

ولا يخفى أن هذا الدور في نشر القيم الأمريكية هو استمرار لنمط التفكير الأبوي الذي يفرض وصايته على العالم، منذ أن سادت فكرة ” رسالة الرجل الأبيض ” في القرن التاسع عشر. وقد كانت هذه الرسالة – وهي موجهة لشعوب المستعمرات -هي تمدين هذه الشعوب ونقلهم إلى الحضارة، ويبدو أن الرسالة أصبحت الآن دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالحضارة العالمية المعاصرة – في هذا المنظور – ليست إنسانية بقدر ما هي غربية، وبالتالي فإن الديمقراطية هي في الأساس مفهوم غربي. فأهم منظري الفكر الليبرالي في الولايات المتحدة الأمريكية يتجهون إلى إعتبار فكرة الحرية فكرة غربية أكثر مما هي مفهوم إنساني. فالمفكر الأمريكي جون رولز ” John Rawls ” وهو يعتبر من أهم الفلاسفة الأمريكيين المعاصرين، وقد وضع مؤلفة عن نظرية العدالة ” The Theory of Justice ” في عام 1971 – قد أحدث صدى واسعاً في الأوساط العلمية والفلسفية – وهو يعتبر الأساس الفلسفي المعاصر للمجتمعات الليبرالية. ولكننا نلمح عنده إشارات تفيد أن هذا المفهوم غربي في الأساس، وعندما حاول أن يطبق هذه الأفكار على المجتمع الدولي، فإنه عمد في مؤلفة قانون الشعوب ” The Law of Peoples ” عام 1993 إلى التأكيد بأن الليبرالية ليست عالمية ولكنها تقتصر غالباً على الدول الغربية. وميّز في تقسيمه للمجتمع الدولي بين الدول الليبرالية (الغربية) من ناحية، والدول المنضبطة ” Well Ordered ” وإن لم تكن ليبرالية بالمعنى الغربي من ناحية أخرى. وفي نظره، فإن نظاماً عالمياً دولياً قائماً على مبدأ العدالة يمكن أن يجمع بين هذين النوعين. ولكن هناك إلى جانب أولئك وهؤلاء دولاً ليست فقط غير ليبرالية بالمفهوم الغربي ولكنها تفتقد كلياً معنى القانون واحترام الغير، وهي دول خارجه على القانون ” Out Laws “، ينبغي لجمها والتدخل ضدها. ولا يخفى أن تعبير ” الدول الخارجة على القانون ” لا يختلف كثيراً عن مفهوم ” الدول المارقة” ” Rogue Countries ” الذي تستخدمه الإدارة الأمريكية الحالية والذي يبرر – في نظرها – التدخل ضدها.

هذه بعض الإتجاهات الفكرية السائدة في بعض الأوساط العلمية الأمريكية، وهي ليست منقطعة الصلة بما يدور في مطبخ السياسة الأمريكية. وإذا كانت هذه الأفكار لا تعبر بالضرورة عن الرأي النهائي للإدارة الأمريكية، فإنها لا تخلو من تأثير قد يكون كبيراً، ومن الضروري أن نكون على بينة بها.

والله أعلم.

 الاهرام: 2.6.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *