فتح ملف الموازنة

حسنناً فعلت الحكومة بفتحها ملف الموازنة العامة، وبدء النظر في موارد الميزانية. وقد بدأت الحكومة الجديدة بإعادة النظر في الرسوم الجمركية، وهي خطوة موفقة. فتبسيط وتخفيض عدد بنود الرسوم الجمركية يسهل الأمر على المتعاملين مع الجمارك ويقلّل احتمالات التحكم إن لم يكن الفساد. كذلك جاء تخفيض الرسوم بشكل عام مناسباً للمساهمة في تخفيض تكاليف الحياة وتكاليف الإنتاج عندما يتناول تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج.

والمفهوم أن الحكومة هي الآن بصدد إعادة النظر في نُظم الضرائب المعمول بها. ولذلك فإنه من الطبيعي وقد فتح ملف إيرادات الدولة أن يفتح ملف الموازنة بأكمله. فالموازنة العامة للدولة هي أهم وثيقة اقتصادية تصدرها الدولة، وعن طريقها تتبين موارد الدولة ونفقاتها، وبالتالي سياستها الاقتصادية.

ولكن الموازنة كأداة للسياسة الاقتصادية لا تكون أداة صالحة إذا لم تكن الميزانية شاملة لكل موارد الدولة ونفقاتها. ولذلك فقد اتفق علماء المالية منذ وقت طويل على عدد من المبادئ في إدارة المالية العامة، أهمها مبادئ عمومية الموازنة ووحدتها. والمقصود بذلك أن تتضمن الموازنة جميع موارد الدولة بلا استثناء، وكذا جميع النفقات بلا حذف، وذلك في وثيقة واحدة شاملة جامعة مانعة. ولا يحول ذلك دون الأخذ بتقسيمات داخلية لهذه الموازنة أو بإصدار موازنات مكمّلة أو مستقلة لأسباب اقتصادية أو إدارية. المهم أن توجد مجموعة كاملة من الوثائق المتكاملة لجميع إيرادات ونفقات الدولة في مجموعها. وتحقق هذه المبادئ إمكان الرشادة في استخدام الموارد فضلاً عن تحقيق المساءلة السياسية الضرورية للنظام الديمقراطي. فإذا كانت الحكومة مسؤولة أمام البرلمان عن أعمالها، فإن مباشرة هذه الأعمال إنما تتم من خلال ما تحصله الدولة من موارد وما تصرفه من نفقات. ولذلك وجب أن تكون الموازنة شاملة لكل عناصر الإيرادات والنفقات.

ولكن الحكومة دأبت منذ فترة ليست قصيرة ليس فقط إلى إصدار موازنات متعددة للهيئات الاقتصادية أو المحلية بل وإلى تكوين شيء جديد اسمه الصناديق الخاصة. فنحن هنا إزاء كيان مالي جديد ليس له وضع قانوني واضح داخل الوزارات له موارد خاصة من رسوم خاصة أو معونات من دول ومنظمات أجنبية أو ما يقدم مقابل أداء خدمات وأنشطة متنوعة، والصرف منها يتم أيضاً خارج حدود الموازنات المعلنة. وهذه الصناديق تكون بالتالي بعيدة عن إجراءات الموازنة العامة ورقابتها، ويتم الصرف منها لأغراض متعددة منها منح مكافآت للعاملين أو القيام بمشروعات متنوعة لهم – مصايف أو رحلات – أو لتقرير معاشات خاصة. وهذا كله معقول ومطلوب، ولكن لماذا في وثائق خاصة وبعيداً عن الموازنة المعلنة. حقاً أنه في كثير من الأحوال لم يتغير جدول المرتبات لكبار رجال الدولة، مما جعل هذه المرتبات رمزية إن لم تكن مضحكة. ولذلك جرت العادة على صرف مقابل لهم في شكل مظاريف نقدية تُمنح لهم بين الحين والآخر. وهو أمر غريب بقدر ما هو مهين.

ولكل ذلك فإننا في حاجة إلى مواجهة الحقائق وعدم الالتجاء إلى الأساليب الملتوية. هناك حاجة إلى تعديل العديد من جداول مرتبات كبار الموظفين وتعويضهم تعويضاً عادلاً. ولكن هناك ضرورة أكبر في أن تكون كافة موارد الدولة ونفقاتها في وثيقة واحدة، هي الموازنة، وأن تعرض هذه الموازنة بكافة عناصرها في وضوح وشفافية أمام البرلمان. هذه هي الشفافية المالية. وهذا هو أيضاً أول طريق الإصلاح. فالإصلاح لا يتم في الظلام، وفقط من خلال الشفافية يمكن الحديث عن الإصلاح الحقيقي. والله أعلم،،

 الاهرام: 26.9.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *