في إفريقيا……بعيداً عن الشرق العربي

كما هو حال معظم الشعوب، فإننا نحب أن نعتقد أننا في مركز أحداث العالم. وهو إعتقاد، ورغم ما فيه من مبالغة، لا يخلو من بعض المنطق. فإذا كانت أهم بواعث السلوك الفردي والجماعي ترجع إلى الاقتصاد والدين، أو بعبارة أخرى إلى المصالح والعقائد، فإن لمنطقتنا إدعاء مقبول للقيام بدور مركزي في كلا المجالين. حقاً إن الإقتصاد العربي بالغ الضعف والهزال وتأثيره في الإقتصاد العالمي إن لم يكن منعدماً فهو بالغ الضآلة. ولكن هذا الإقتصاد يجلس، أو لعلّه ينام، فوق أكبر مخزون للطاقة من البترول والغاز الطبيعي. والطاقة – وخاصة البترول والغاز – مازالت المحرك الأساسي للنشاط الإقتصادي العالمي. ومن هنا أهمية المنطقة للإقتصاد العالمي بما تملكه من مصادر للطاقة. هذا عن الإقتصاد، فماذا عن الدين والعقائد؟ لقد لعبت الأديان دائماً دوراً كبيراً في تطور الأمم. وقد ولدت الأديان السماوية الكبرى – اليهودية والمسيحية والإسلام – في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذه المنطقة تقع أهم الأماكن المقدسة، مكة، والقدس، وبيت لحم، والتي يتطلع إليها ملايين الأفراد من مختلف البلدان والأماكن. وهكذا تلعب المنطقة دوراً روحانياً كبيراً في أذهان العالم، وفيها أيضاً تُستغل العواطف الدينية والعقائدية إزاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية فيا يعرف بالصراع العربي/الإسرائيلي، وقد أضيف إليه بعد أحداث 11 سبتمبر ما أطلق عليه إسم “الإرهاب”، وبرز على السطح محاربة مظاهر “التطرف الإسلامي” للجماعات الإسلامية المرتبطة بإبن لادن ومن إلتف حوله. وفي كل ذلك يبدو مبرراً تماماً الإعتقاد في مركزية مشاكلنا.

أود في حديث اليوم أن أبتعد بعض الشيء عن الشرق العربي والإنتقال إلى مكان بعيد لكي ندرك أن هناك في العالم قضايا وهموم أخرى وبعضها هام وأغلبها مفيد. فقد حملتني ظروف العمل إلى القيام برحلة لحضور مؤتمر دولي في كيب تاون في جنوب إفريقيا. ولم تتجاوز فترة المؤتمر خمسة أيام، أمضيت أغلبها بين الفندق وقاعات الإجتماعات، ولكن الإنتقال إلى هذا لمكان البعيد أتاح لي الفرصة للخروج – مؤقتاً – من ثقل الأحداث المحيطة بنا في شرقنا العربي، وإلقاء النظر على أمور أخرى. وبطبيعة الأحوال، فإن الإنطباعات العابرة لرحلة لم تتجاوز عدة أيام في كيب تاون، لا تعطي لصاحبها الحق في الحديث عن قضايا إفريقيا أو جنوب إفريقيا، فهذا تخصص يتطلب علماً ومعرفة أعترف بأنها لا تتوافر لدى الكاتب بأية درجة. ولكني رأيت أن أشارك القراء في بعض هذه الإنطباعات، وهي إنطباعات مشاهد عابر، لا أكثر ولا أقل.

قد تكون إفريقيا هي أفقر قارات العالم وأكثرها تخلفاً ولكن ذلك لا يمنع الأفارقة من التقرير بأن إفريقيا هي “أصل العالم”. فإذا كنا – نحن أبناء الشرق الأوسط – نتباهى بأننا مهد الحضارات والأديان، فإن للأفارقة الحق في التأكيد بأن إفريقيا هي نقطة البداية في هذا العالم فضلاً عن أنها أصل الحياة. فعلى أرضها ظهرت أول مظاهر حياة مختلف الكائنات، نباتية أو حيوانية، ومـن إفريقيـا خـرج الإنسـان الأول، فـي الشكـل الـذي نعرفـه حالياً بـإسم الإنسـان المفكـر “Homo Sapiens Sapiens”. فأم البشرية هي “حواء الإفريقية”، بل وأطلق عليها البعض إسـم “لـوسي” “Lucy” والتي وجدت أجزاء من هيكلها العظمي في اثيوبيا.

أما أن إفريقيا هي أم القارات وأقدمها، فإن العلماء يرون – بشكل عام – أن تاريخ الأرض يبلغ حوالي خمسة آلاف مليون سنة (5 بليون سنة)، بالمقابل إلى تاريخ الكون الذي يبلغ حوالي 15 بليون سنة وأن شكل الأرض، الذي بدأ في شكل غازات، لم يتبلور في شكل كتل من القارات إلا منذ 3.6 بليون سنة، وكان أقدم هذه القارات هي إفريقيا. وليس معنى ذلك أن إفريقيا بقيت على شكلها هذا دون تغيير، فالحقيقة أنها عرفت الكثير من التغيير، ولكن ذلك لا يمنع من أنها تمثل أقدم التكوينات الأرضية وأكثرها إستمراراً. فالقارات الأخرى ليست فقط أحدث في الوجود بل أن بعضها قد إنفصل عن إفريقيا مثل أمريكا الجنوبية واستراليا (نظرية Continentaldrift).

هذا عن الوجود المادي للقارة الإفريقية، أما عن مظاهر الحياة في الأرض، فإن العديد من العلماء يرون أن البداية كانت أيضاً في إفريقيا. فلا توجد أية آثار لبداية الحياة – نباتية أو حيوانية – أو تطورها خارج إفريقيا. وفي مواقع متعددة في شرق ووسط وجنوب إفريقيا وجدت آثار على وجود سلالات متعددة لمراحل تطور الإنسان البدائي. والمتفق عليه بين معظم العلماء أن الإنسان المفكر في صورته المعاصرة قد ولد وعاش في إفريقيا وخرج منها إلى آسيا واوروبا ربما منذ حوالي مائة ألف عام عبر برزخ السويس. ومنها تعمرت المعمورة بهذا الإنسان ذي الأصل الإفريقي. وقد جاءت اكتشافات علوم الجينات “Genetics” لتؤكد الأصل الإفريقي للإنسان المعاصر. فوفقاً لهذه الدراسات تكونت الخصائص الجينية للإنسان المعاصر في الفترة منذ 140 ألف إلى 290 ألف سنة في إفريقيا، ومنها خرج منذ مائة ألف عام إلى بقية المعمورة. فالإنسان المعاصر في أوروبا أو آسيا أو أمريكا أو استراليا هو إبن إفريقيا.

وإذا كانت إفريقيا هي أقدم القارات، وهي أصل الحياة، ومنها خرج الإنسان المعاصر، فإنها بالنظر إلى قدمها وخضوعها إلى أخطر التطورات الجيولوجية عبر العصور، تملك في باطنها أهم وأكثر المعادن وأكثرها قيمة من الذهب، واليورانيوم، والماس، والحديد، والكوبالت، والمنجنيز، والنحاس، والبترول. والقائمة طويلة جداً. فإفريقيا، وخاصة وسط وجنوب إفريقيا هي أيضاً أغنى القارات بالموارد الطبيعية.

ورغم هذا التاريخ الطبيعي الطويل والقديم. فتظل إفريقيا هي أفقر القارات وأكثرها تخلفاً في مواجهة العالم المعاصر. وربما لا تظهر هذه المفارقة قدر ظهورها في جنوب إفريقيا حيث تمثل نقطة إلتقاء وصراع بين إبن إفريقيا الطبيعي والأصيل والذي لم يغادر أرضه منذ بدء الخليقة، وبين الأوروبي الذي ترك إفريقيا منذ أكثر من مائة ألف سنة وعاد غازياً مزوداً بالعلم والسلاح فاستعبد أبناء أجداده من السكان الأصليين. ولعلّه من المناسب أن نتذكر هنا، أن إتصال إفريقيا بغير الإفريقيين قد بدأ، قبل وصول الأوروبيين، مع العرب والإسلام منذ القرن الثامن، وكانت بضاعتهم التجارة، ثم جاء الأوروبيون منذ القرن السادس عشر وكانت بضاعتهم البارود. إذا كان التاريخ المعاصر لجنوب إفريقيا هو تاريخ الصراع بين إفريقيا وأوروبا، فإن الإستعمار الأوروبي في جنوب إفريقيا قد أخذ أكثر الصور تطرفاً حيث حاولت الأقلية الأوروبية البيضاء الإستيطان في هذه البقعة من إفريقيا وإقامة وطن لها مع إستعباد أهل البلاد وحصارهم في مناطق معزولة في واحدة من أقصى التجارب الإنسانية مرارة وقسوة، حتى تحررت جنوب إفريقيا بفضل كفاح أبنائها، ونجاحها في التخلص من النظام السابق وإقامة دولة المساواة، حيث لكل مواطن، إفريقي أو أوروبي أو آسيوي، نفس الحقوق. وعاد حكم البلاد إلى الأغلبية السوداء.

وإذا كانت تجربة جنوب إفريقيا مع الإستعمار الأوروبي بالغة القسوة خلال العصر الحديث، فإنها لم تكن أول لقاء بين القارتين، فقد أرادت الصدفة التاريخية أن يعاصر أول لقاء بين أوروبا وجنوب إفريقيا بزوغ النهضة الأوروبية عندما نجح الأوروبيون (البرتغال) في إكتشاف رأس الرجاء الصالح قبل خمسمائة عام (1498).

فعندما وصلت إلى كيب تاون منذ اسبوعين، كانت المدينة تحتفل بمرور ثلاثمائة وخمسين سنة على إنشائها عام 1652 على يد الهولندي جان فان ريبيك “Jan Van Riebeeck”، وذلك بعد إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح قبل ذلك بأكثر من خمسين عاماً. وقد كان إكتشاف فاسكوديجاما لطريق رأس الرجاء الصالح في العقد الأخير من القرن الخامس عشر – مع إكتشاف أمريكا في نفس الوقت – هو بداية إنطلاق التفوق الأوروبي عبر الأطلنطي بعيداً عن الشرق الأوسط والبحر المتوسط. فحتى ذلك الوقت كانت التجارة العالمية، وخاصة بين الشرق والغرب، كانت حكراً على التجار حول موانىء البحر المتوسط، في البندقية وجنوا في إيطاليا والمماليك في مصر والشام. وجاء إكتشاف طريق التجارة حول إفريقيا ومساعدة بن ماجد للبرتغاليين على عبور بحر العرب والمحيط الهندي ضربة قاسمة لتجارة البندقية والمماليك في مصر والشام. وهكذا كان إكتشاف جنوب إفريقيا سبباً – دون قصد – في قيام القوة الإقتصادية الأوروبية.

بعد هذه المقدمات الطويلة، أعود إلى إنطباعاتي الشخصية عن هذه الزيارة السريعة لكيب تاون في جنوب إفريقيا. الإنطباع الأول – وهو فقط إنطباع أول لأنه سوف يتغير بعد ذلك – هو أن جنوب إفريقيا دولة أوروبية متقدمة. فالمطار في جوهانسبرغ لا يختلف عن أي مطار في أوروبا أو أمريكا، ربما باستثناء كثرة الأفارقة. الطرق، والفندق الذي نزلت فيه ليلة واحدة بالقرب من المطار، كل هذا يجعلك تشعر بأنك في أوروبا أو أمريكا. ولكن هذا الإنطباع الأول ما يلبث أن يتغير بعض الشيء. أطلب تاكسي ليوصلني إلى وسط المدينة، وخاصة وأن لدي ليلة واحدة في جوهانسبرغ قبل توجهي إلى كيب تاون، فإذا بالسائق ينصحني بعدم الذهاب إلى وسط المدينة وحدي مساء لأن السلامة والأمن داخل المدينة غير مضمونين وخاصة في المساء. وأعود من جديد للفندق، وقد إكتشفت أنه رغم كل المظاهر الخارجية للبناء والطرق والسيارات والكباري، فإن المظهر الأول للمجتمعات المستقرة وهو النظام والقانون، ليس متوفراً بدرجة كافية. وإلى جانب الجريمة المنتشرة بشكل واسع وخاصة في المدن الصناعية مثل جوهانسبرغ، فيبدو أيضاً أن إنتشار مرض الإيدز لا يقل خطورة. وهكذا فإن هذه الدولة الفتية وهي تبدأ رحلتها إلى الإستقلال الوطني وبعد إزالة القيود المفروضة على الأغلبية السوداء، فإنها تواجه أمراض المجتمع الحديث قبل أن تتمتع بمزاياه. الفقر الشديد الذي عاشته هذه الأغلبية لقرون طويلة وجد في المدن الصناعية الكبرى التي فتحت لهم مرتعاً للجريمة وذلك قبل أن تتاح لهم الفرصة الكافية للتعليم وخلق فرص العمل. فالإنطباع الأول عن دولة حديثة متقدمة ليس إلا وجهاً من وجه الصورة، أما الوجه الآخر فهو مشاكل العالم الثالث. فكما قال لي صاحب مكتبة دخلتها في كيب تاون بعد تركي جوهانسبرغ. “إننا هنا في جنوب إفريقيا دولة من العالم الأول، ومن العالم الثالث في نفس الوقت”. وهو أمر يبدو صحيحاً، فجنوب إفريقيا ليست دولة واحدة متجانسة، بل هي دولتان، دولة أوروبية، غالباً بيضاء، وهي دولة صناعية لا تكاد تختلف عن إنجلترا أو ألمانيا، ومعها أو إلى جانبها دولة أخرى إفريقية من العالم الثالث. فمشكلة توزيع الثروة والإختلاف في مستويات المعيشة هو إختلاف نوعي يفصل بينها قرون. وفي اليوم التالي لوصولي إلى جوهانسبرغ سافرت إلى كيب تاون، وفي الطريق من المطار إلى المدينة، رأيت على جانبي الطريق قرى – وهي في الحقيقة عشش من الصفيح – حيث يعيش المواطنون الأفارقة. والسير على الطريق السريع من المطار إلى قلب المدينة يُظهر هذا التناقض الصارخ بين مجتمعين، طريق سريع ممهد لا يختلف عن أحسن الطرق الأوروبية، أو الأمريكية، تجري عليه سيارات من أحدث طراز بسرعة هائلة وانتظام كبير، وعلى الأطراف ترى بين الحين والحين أسواراً لتجمعات عشوائية لأكواخ من الصفيح يعيش فيها الأفارقة. وهكذا يتعدل الإنطباع الأول، من دولة أوروبية متقدمة، إلى مجتمعين متراصين لا تداخل بينهما، ولا وسط، دولة من العالم الأول “داخلها دولة من العالم الثالث” أو العكس دول من “العالم الثالث” بها جزر من “العالم الأول”.

وفي اليوم الأول من إجتماعات المؤتمر – وهو مؤتمر للرقابة على البنوك في العالم – يتحدث محافظ بنك الإحتياط – البنك المركزي – في جنوب إفريقيا، وهو إفريقي، وفي المساء يتحدث وزير المالية وهو أوروبي، وبين الأمرين تتحدث نائبة المحافظ وهي أيضاً أوروبية، ولكن الجميع يتحدث بلغة واحدة، لغة الأمل في المستقبل الواحد لهذه الدولة ذات الأجناس المختلفة والتاريخ الإستعماري الطويل. وجنوب إفريقيا، ربما تكون البلد الوحيد الذي توجد فيه إلى جانب الأغلبية الإفريقية أقلية أوروبية متوطنة منذ قرون تعتبر هذه الدولة وطنها الأول والأخير فضلاً عن أقلية أخرى – ليست قليلة – من الآسيويين من الهند وأندونيسيا، وهم أيضاً يعتبرون أنفسهم من أصحاب البلد. فجنوب إفريقيا تجمع بين مواطنيها أبناء العالم القديم من إفريقيا وآسيا وأوروبا، والجميع يرى فيها موطنه الأصيل والوحيد. وهناك إحدى عشر لغة، الإنجليزية والأفريكان، بالإضافة إلى تسعة لغات إفريقية. والإنجليزية هي الأوسع شيوعاً.

وإذا كان الأمن يمثل مشكلة بالنسبة للغريب في جوهانسبرغ، فإنني لم ألحظ شيئاً من ذلك في كيب تاون. فهي مدينة أنيقة ونظيفة وأوروبية تماماً. وهي على عكس جوهانسبرغ، ليست مدينة صناعية، بل تحيطها مناطق زراعية، وتمثل ثاني أهم موانىء جنوب إفريقيا. وتبدو فيها مظاهر “العالم الأول” أكثر بكثير من مظاهر “العالم الثالث”. ومع ذلك، فقد عرفت أن أعلى معدّل لجرائم القتل يحدث في مدينة كيب تاون “الهادئة”.

على أن أهم مظاهر “العالم الأول” في جنوب إفريقيا، في نظري، ليس في الطرق أو المباني أو الموانىء أو السيارات، وإنما في محاولة النظام السياسي إقامة ديمقراطية سياسية رغم صعوبة الظروف التي تواجهها نتيجة للإستعمار الطويل والتنوع الإثني والثقافي لأبناء هذه الدولة الوليدة. فأنت لا تقابل في المطار أو في الطرق صور الرئيس أو الزعيم أو في صفحات الجرائد أو نشرات الأخبار. والرئيس نيلسون منديلا – هذه الشخصية التاريخية – ليس رئيساً لمدى الحياة، وقد تخلى عن الحكم طواعية، وهو محل إحترام وتقدير كبيرين، يبدي آرائه بين الحين والحين دون وصاية من جانبه على النظام، ودون محاولة من النظام لتجاهل دوره. وتعالج القضايا الكبرى بقدر كبير من الحرية والحوار والتدرج وإحترام القانون . وأحد أهم المشاكل الموروثة من فترة الإستعمار الطويل هي قضية توزيع الثروة، وخاصة الأراضي الزراعية التي حرمت منها الأغلبية الإفريقية قهراً خلال قرون من الإستعمار. وهي مشكلة لا تواجه جنوب إفريقيا وحدها وإنما عدد آخر من الدول الإفريقية التي عرفت إستعماراً إستيطانياً مثل جارتها زمبابوي. وهنا نلاحظ إختلافاً كبيراً في المعالجة. في البلدين هناك إتفاق عام حول عدم عدالة الوضع القائم وضرورة إعادة توزيع الثروة الزراعية ورفع الغبن الواقع على الأغلبية السوداء. ولكن الوسائل لتحقيق ذلك تختلف. فتلجأ حكومة موجابي – في زمبابوي – إلى إجراءات قمعية بمصادرة ملكية البيض للأراضي في حين تتناول حكومة جنوب إفريقيا الأمر في إطار من الحوار والأخذ بالحلول التدريجية مع الإتفاق مع الأقلية البيضاء. وقد أدى أسلوب زمبابوي – رغم عدالة قضيته – إلى معارضة شديدة من دول الكومنولث وهروب الإستثمارات الأجنبية، وبالتالي فإن الأضرار الإقتصادية التي قد تقع عليها ربما تجاوز المكاسب التي قد تتحقق من ورائها. وهكذا فربما لا يكفي أن تكون القضية عادلة، بل لا بد وأن تعالج بأساليب تراعي كافة الظروف الدولية والمحلية المحيطة. وهو أمر يبدو أن حكومة جنوب إفريقيا حريصة عليه.

إن تجربة جنوب إفريقيا تجربة هامة وفريدة. أغلبية متخلفة إقتصادياً وتكنولوجياً تفرض إرادتها على أقلية متقدمة إقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، ومع ذلك فلا تأخذها نشوة النصر فتندفع في محاصرة هذه الأقلية، وإنما تقدر دورها الإقتصادي والإجتماعي وتعمل على حماية حقوق الأقلية مع دستور ديمقراطي. وهو بلد لا يجمع فقط بين أغلبية إفريقية وأقلية أوروبية، ولكن هناك أقليات أخرى آسيوية لها دور ملموس. والهدف هو أن تنجح هذه الدولة الديمقراطية الوليدة في حماية هذا المجتمع متعدد الهوايات مع إزالة الغبن التاريخي عن الأغلبية السوداء دون أحقاد أو رغبة في الثأر والإنتقام.

إنها تجربة فريدة، وإذا نجحت فقد تقدم نموذجاً لمستقبل العلاقات لمجتمعات تتعدد فيها الهوايات والثقافات. وقد بدأت هذه التجربة بدايات مشرقة بفضل إثنين من رجالات الدولة قدر أن يكونا على رأس الحركات السياسية – لكل من الأغلبية الإفريقية والأقلية الأوروبية – عند الإتفاق على إقامة النظام الجديد. نلسون منديلا الذي عرف نضالاً وطنياً رائعاً – ورغم قضائه 27 عاماً في سجون الأقلية البيضاء – فقد عرف قد يهذب إنتصاره بالإعتدال والتواضع، فأقام نظاماً جديداً تستعيد فيه الأغلبية السوداء حقوقها الضائعة مع العمل على ضمان حقوق ومستقبل الأقلية البيضاء والتي تمثل دعامة هامة لنمو الإقتصاد. وقد لا يقل أهمية أو عظمة في تاريخ الشعوب نظيرة – دي كليرك – رئيس حكومة الأقلية البيضاء الذي عرف فضيلة الإعتراف بالحق والتنازل في الوقت المناسب وذلك حماية للمصالح بعيدة المدى لهذه الأقلية. وقد بلغ كليهما قمة العظمة، ليس فقط عندما قررا إجراء المصالحة التاريخية والإعتراف المتبادل بسيادة الأغلبية وحقوق الأقلية، ولكن هذه العظمة كشفت عن نفسها أيضاً، عندما قررا – كل على طريقته – ترك ساحة الحكم إختياراً – وفضلا، بدلاً من الحكم “الزائل” مدى الحياة، إحتلال مكانهما في التاريخ، وهو أبقـى. والله أعلم.

 الاهرام: 13.10.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *