في قراءة البيانات الإحصائية

نشرت في هذه الجريدة منذ أكثر من عام مقالاً بعنوان “الإحصاءات تكذب.. أحياناً”. ولم يكن غرضي من ذلك المقال التهوين من أهمية البيانات الإحصائية أو من ضرورتها للحياة المعاصرة، وإنما أردت فقط الإشارة إلى أن بعض ما ينشر من إحصاءات، وخاصة فيما يتعلق بالاستبيانات الإحصائية، كثيراً ما يكون مضللاً. كذلك فقد تكون التعريفات المستخدمة أو الأساليب الإحصائية في تجميع البيانات مما قد يعطي انطباعات خاطئة أو في الأقل غير سليمة تماماً. وقد حرصت في ذلك المقال على التأكيد على أنه “من الضروري عدم الوقوع في خطأ فاحش آخر، وهو التقليل من أهمية علم الإحصاء أو البيانات الإحصائية بشكل عام. فالإحصاء ـ كعلم ـ هو أحد أهم المنجزات العلمية للعقل البشري. “لكن كل ذلك لا يمنع من أن تكون استخدامات الإحصاء في كثير من الأحيان متجاوزة لشروط الانضباط في اختيار العينة المناسبة أو الدقة في تجميع البيانات الأولية أو في الغموض في التعريفات المستخدمة أو في الاتساق في السلاسل الزمنية، بحيث أن ما يقدم من بيانات إحصائية قد يصبح كالكذب إن لم يكن صريحاً”.

ومن خلال قراءتي للأهرام في الأيام الماضية وجدت مقالين لاثنين من كتاب الأهرام اللامعين الدكتور عبد المنعم سعيد والأستاذ عبد الفتاح الجبالي يطرحان بشكل غير مقصود مشكلة قراءة البيانات الإحصائية وما يمكن أن تعطيه من دلالات غير دقيقة عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية.

أما المقال الأول للدكتور عبد المنعم سعيد فقد كان عن “مصر و أمريكا.. العلاقات الثنائية” والذي نشر في الأهرام يوم الاثنين 18 مايو. وليس غرضي التعرض لما تناوله المقال من تحليل لأهمية هذه العلاقات، ولكنني أود الإشارة إلى ما أكده الكاتب من أن الولايات المتحدة “تمثل الدولة الأولى من حيث حجم تحويلات العاملين في الخارج خلال الأعوام الماضية”.

والدكتور سعيد محق تماماً فيما ذكره. فالنشرة الاقتصادية للبنك المركزي المصري، وهي من أهم وأدق مصادر البيانات الإحصائية المالية في مصر، تبين أن الولايات المتحدة هي بالفعل أكبر دولة تورد لمصر تحويلات للعاملين، فقد بلغ حجم هذه التحويلات منها في عام 2008 أكثر من 2.7 مليار دولار في حين أن ما ورد من السعودية كان في حدود 950 مليون دولار والإمارات 1.4 مليار دولار والكويت حوالي 1.8 مليار دولار. هذه هي البيانات المنشورة في بيانات البنك المركزي المصري عن تحويلات العاملين في الخارج.

ولكن هل هذا ممكن؟ هل صحيح أن العاملين من المصريين في الولايات المتحدة يحولون إلى مصر أكثر مما يحوله العاملون المصريون في السعودية مثلاً رغم الأعداد الكبيرة للعاملين المصريين بها، فضلاً عن الطبيعة المختلفة لنوعية العاملين في كل من البلدين. فالمصريون المهاجرون إلى أمريكا ذهبوا بقصد الهجرة والاستقرار، فهم ليسوا عمالة مؤقتة بقدر ما هم هجرة دائمة ومستقرة، وذلك بعكس العاملين في السعودية أو دول الخليج الذين يذهبون عادةً للإقامة المؤقتة وكثير منهم يذهب بمفرده تاركاً وراءه عائلته في مصر.

فكيف يمكن التوفيق بين ما هو منشور في الإحصاءات الرسمية وبين ما يمليه العقل والمنطق؟ وأذكر أن نفس الملاحظة قد أبداها الدكتور مصطفى السعيد عندما كان في زيارة لصندوق النقد العربي في أبوظبي منذ شهور قليلة. فأين الحقيقة؟ وهل هناك من تفسير؟

لفهم هذه المفارقة علينا أن نعرف كيف يقيد البنك المركزي بياناته عن تحويلات العاملين في الخارج؟

البنك المركزي هو المصدر الأساسي للبيانات عن العلاقات الاقتصادية بين مصر والعالم الخارجي، ولكنه ليس المصدر الوحيد لكل هذه البيانات، فالجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء مصدر آخر لجزء من هذه البيانات فيما يتعلق بالتجارة الخارجية. وكثيراً ما تختلف التقديرات الواردة في هذين المصدرين (بالنسبة للصادرات والواردات) لأنهما يعتمدان على أسلوبين مختلفين في تجميع هذه البيانات. فالبنك المركزي يعتمد على ما يتوافر له من بيانات عن “المدفوعات”، أو “المتحصلات” التي تتم غالباً عبر البنوك والمؤسسات المالية، أما الجهاز المركزي فإنه يعتمد (بالنسبة للتجارة الخارجية) على البيانات الواردة من “حركة السلع” (صادرات وواردات) من الجمارك أو من مركز تنمية الصادرات. فبيانات البنك المركزي أساسها حركة المدفوعات وخاصةً عبر المؤسسات المالية ونوع العملة التي يتم بها الدفع.

وهناك حقيقة أخرى لاتقل أهمية، وإن لم تكن معروفة دائماً عند الكثيرين، في صدد تسوية المدفوعات الدولية. فالتعامل بالدولار بين الدول ، وكذا باليورو، يتم من خلال مركز تسوية المدفوعات في نيويورك بالنسبة للدولار، أو في فرانكفورت بالنسبة لليورو. وهكذا فإن أي تحويل للدولار من أي بلد إلى مصر لابد وأن يمر بالبنوك الأمريكية وسواء كان المصدر الأولي لهذه التحويلات من أمريكا أو من غير أمريكا. فالمصري المقيم في السعودية أو في غيرها من دول الخليج إذا أراد تحويل مدخراته بالدولار إلى مصر، فإن ذلك لابد وأن يتم عبر أحد بنوك المراسلة الأمريكية في نيويورك. ولذلك فليس غريباً أن كثيراً من تحويلات المصريين في الخليج إلى ذويهم في مصر تتم بالدولار وبالتالي لابد وأن تمر عبر نيويورك، وبذلك تظهر في البيانات التي يجمعها البنك المركزي المصري باعتبارها تحويلات من الولايات المتحدة.

ونظراً لأن البنك المركزي المصري يعتمد في توزيعه لمصادر التحويلات من العاملين على ما يتوافر له من بيانات من البنوك أو على أساس العملة المستخدمة، فليس من الغريب أن تظهر هذه التحويلات باعتبار أنها جاءت من الولايات المتحدة، رغم أن الحقيقة أنها بدأت في دول الخليج بالدولار، ومرت عبر البنوك الأمريكية إلى أن وصلت إلى مصر.

ولكن ليس من الضروري أن تتم كل التحويلات من دول الخليج عبر البنوك الأمريكية. ففي بعض الأحوال توجد بنوك خليجية لها فروع في مصر، وبحيث يتم التحويل من البنك الخليجي إلى فرعه في مصر دون أن تسوى كل عملية في نيويورك. فبنك أبوظبي الوطني مثلاً له فروع في مصر، ومن ثم فكثير من التحويلات من الإمارات تتم مباشرة بين المركز الرئيسي للبنك في الإمارات وفروعه في مصر. دون مرور على البنوك الأمريكية في نيويورك. وربما لهذا السبب يبدو أن حجم التحويلات من الإمارات أكبر بكثير من التحويلات من السعودية، رغم أن عدد المصريين العاملين في السعودية أكبر. كذلك تعقد بعض المؤسسات المالية الخليجية اتفاقات مع البنوك المصرية، فهناك مؤسسات مالية في دول الخليج، مثل الراجحي في السعودية لهم تسهيلات واسعة مع البنوك المصرية بما يسمح بإجراء التحويلات عبر هذه التسهيلات، وذلك فضلاً عن التحويلات التي تتم من خلال شركات تحويل الأموال.

وفي ضوء ما تقدم فإنه يبدو لي، والله أعلم، أن الرقم الكبير لحجم تحويلات العاملين المصريين من أمريكا في بيانات البنك المركزي، إنما يرجع تجميع البيانات عن تحويلات العاملين على أساس تسوية المدفوعات عبر بنوك المراسلة الأمريكية ونوع العملة المستخدمة، بأكثر مما يعطي صورة عن المصدر الأولي لهذه المدفوعات. فالبنوك السعودية، حسب معلوماتي، ليست لها فروع في مصر، ولذلك فإن كثيراً من التحويلات من السعودية إلى مصر تتم بالدولار عبر البنوك الأمريكية، وبذلك تساعد على تضخيم حجم التحويلات المنسوبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا يتضح أنه في كثير من الأحيان تكون البيانات الإحصائية، وإن لم تكن كاذبة، إلا أنها قد تعطي دلالات وانطباعات غير صحيحة إذا لم يؤخذ في الاعتبار التعريفات التي تأخذ بها أو أساليب تجميع هذه البيانات. ولست أشك في أن الدكتور عبد المنعم سعيد عندما طرح هذه المعلومة قد استند إلى مصدر موثوق به، وهو البنك المركزي المصري والذي يعد أهم مصدر للبيانات المالية في مصر. ومع ذلك فإن معرفة التعريفات المستخدمة وأساليب تجميع البيانات يساعد كثيراً على فهم حقيقة وحدود دلالة البيانات المعلنة. ولذلك فإنه من الضروري عدم الاقتصار على ظاهر الأمور كما تبدو في الإحصاءات المنشورة بل لابد من التمعن فيما ورائها.

هذا عن المقال الأول، أما المقال الثاني للأستاذ عبد الفتاح الجبالي عن “العلاوة الخاصة وأولويات الإنفاق العام” وقد نشر في نفس الجريدة بعد أيام من مقال الدكتور سعيد حيث أشار إلى نقطة أخرى وهي مبالغة المسئولين في استخدام الأرقام الكبيرة. فهذا يعلن تخصيص عدة مليارات من الجنيهات لذلك المشروع، وذاك يؤكد أن وزارته بصدد وضع برنامج آخر وعدة مليارات أخرى من الجنيهات، وهكذا. وقد أدى كل ذلك إلى أن فقدت الأرقام دلالتها، ولم يعد القارئ يفرق بين المليون والمليار إزاء سيل التصريحات من المسئولين عن مئات أو حتى آلاف الملايين المخصصة لمختلف المشروعات. ومن هنا أشار الأستاذ الجبالي إلى ما أعلنته الحكومة من تقرير علاوة خاصة بنسبة 5% من المرتب الأساسي وأن هذه العلاوة سوف تترتب عليها تكلفة الخزانة العامة تقدر بنحو 3.7 مليار جنيه. وقد أوضح الأستاذ الجبالي أن الرقم الحقيقي لهذه التكلفة في ضوء ما ورد في مشروع الموازنة لايمكن أن يتجاوز بأي حال 900 مليون جنيه أو حتى المليار وهو رقم يمثل ربع ما أعلنته الوزارة عن تكلفته. ولست هنا بصدد مناقشة سلامة حسابات الأستاذ الجبالي ولكنه أشار إلى ظاهرة كادت أن تصبح عامة وهي مبالغة المسئولين في الحديث عن المليارات في كل مناسبة وأحياناً بدون مناسبة، حتى كاد المواطن يفقد الثقة في كل ما يعلن من بيانات.

وهكذا يتضح أن التعامل مع البيانات الإحصائية يحتاج إلى مزيد من الروية والتمحيص، فالبيانات الإحصائية ليست دائماً حقائق مقدسة لا يأتيها الباطل فكثيراً ما تحتاج إلى تفسير أو توضيح كما يرد عليها بعض الحدود والقيود. والله أعلم.

الأهرام: 07/06/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *