قانون الاستثمار..هل هناك حاجة إليه؟

صدر منذ ثلاثين عاماً القانون رقم 43 لسنة 1974 للاستثمار والمناطق الحرة. وقد كان صدور هذا القانون خطوة هامة في بدء تحرير الاقتصاد والانتقال إلى نوع من اقتصاد السوق، فيما عُرف آنذاك بالانفتاح الاقتصادي. وتدور هذه الأيام مناقشات حول تعديل أحكام قانون الاستثمار، بعدما لحقته تعديلات متعددة. والسؤال المطروح الذي تتناوله هذه المناقشات هو فيما إذا كانت التعديلات المقترحة كافية، أم أن هناك حاجة إلى مزيد من التعديلات.

ونود أن نطرح هنا تساؤلاً سابقاً، وهو هل ما زلنا في حاجة إلى قانون للاستثمار، أم أن وجوده يضر أكثر مما يفيد؟ فبقدر ما كان صدور قانون الاستثمار ضرورياً ولازماً منذ ثلاثين عاماً، بقدر ما أصبح وجوده، الآن، عائقاً ومعرقلاً. فقد تنجح طريقة أو أسلوب في معاملة طفل ذي خمس سنوات وتثبت فائدتها وفاعليتها، ولكن نفس الطريقة أو الأسلوب تصبح مثالاً للسخرية إذا تمسكنا بها في معاملته وهو في سن الثلاثين مثلاً فما بالك فيما لو أصبح في سن الشيخوخة.

فكيف كان ذلك؟ كيف يصبح ما كان نافعاً منذ ثلاثين عاماً غير مفيد، وربما ضار، الآن؟

ونبدأ بالتذكير ببعض المبادئ الأولية للقانون. المفهوم الأساسي لمعنى “القانون” هو أنه “قواعد عامة مجردة” تسري على الجميع دون تمييز، وأن تعدد الاستثناءات وكثرة الحالات الخاصة هو خروج عن جوهر مفهوم “القانون” وإخلال بفكرة “دولة القانون”. وبشكل عام لا يزدهر اقتصاد السوق إلا في ظلال دولة القانون، في حين أن الاقتصاد الموجه يدار غالباً في إطار من الأوامر والقرارات الفوقية.

ويميّز الاقتصاديون بين اقتصاد السـوق Market economyمن ناحـية، واقـتـصاد الأوامر Command economyمن ناحية أخرى. ففي ظل اقتصاد السوق هناك قواعد عامة للعبة تسري على الجميع في منافسة حرة، ومن هنا يفتح المجال أمام جميع الوحدات الاقتصادية (مستهلكين ومنتجين)لاتخاذ قراراتهم المستقلة، ولكنهم جميعاً عند اتخاذ قراراتهم، يخضعون لنفس القواعد العامة، أي يخضعون لنفس القانون. ولذلك فإن اقتصاد السوق لا يعمل بكفاءة إلا في ظل دولة القانون التي تضع القواعد العامة للسلوك. أما في اقتصاد الأوامر (أو ما يطلق عليه كثيراً الاقتصاد المركزي أو الموجه) فإن القرارات الاقتصادية تصدر بصدد كل حالة من سلطة عليا، ولكل قرار ظروفه وأوضاعه. ومن هنا فإن هذا الاقتصاد لا يعرف تماماً مفهوم “القانون” كقواعد عامة مجردة، وإنما يعيش في ظل مفهوم آخر وهو “الأوامر”. والفارق بين الأمرين هو عمومية القانون وخصوصية الأمر.

فإذا كان “القانون” هو قاعدة عامة تسري على جميع الحالات دون تمييز، فإن “الأمر”، على العكس، هو قرار صادر من سلطة عليا في صدد حالة خاصة محددة سواء أكانت مشروعاً أو فرداً وهو يتضمن حكماً خاصاً لهذه الحالة. وهكذا “فالقانون” شيء عام ومجرد، في حين أن “الأمر” شيء خاص ومحدد.

وقد أدى الاختلاف بين “عمومية” القانون و”خصوصية” الأمر، أن أصبحت القوانين بمعناها الفني الدقيق قليلة ومحدودة العدد بطبيعتها، في حين أن “الأوامر”، ونظراً لخصوصية وتعدد الحالات التي تتناولها، فإنها تكون كثيرة ومتعددة. فانظر مثلاً إلى لعبة الشطرنج، فقواعد اللعبة عن تحركات مختلف القطع هي قواعد قليلة ومحدودة ومعروفة للجميع. وهي لا تتغير بين لاعب وآخر، وهذا هو قانون اللعبة. ولكن انظر إلى اللاعبين فكل منهم يحرك القطع وفقاً لنظرته الخاصة. وتصبح هذه الحركات الفردية متعددة ومتنوعة بتعدد اللاعبين. وبالمثل فإنه في صدد القانون المدني مثلاً، فإن القواعد العامة التي تحكم العقد لابد وأن تكون قليلة ومحدودة، وهذا لا يمنع من تعدد العقود الخاصة وتنوعها إلى ما لا نهاية بحسب تعدد الأشخاص والتصرفات. فهنا ننتقل من القاعدة العامة إلى الحالات الخاصة.

ولا يحول ما تقدم أن كلاً من القانون والأمر هو قرار “ملزم”، وأن مخالفة أيهما يترتب عليها جزاء وربما عقوبته جنائية. واشتراك “القانون” و”الأمر” في صفة الإلزام تحت طائلة الجزاء قد أدت إلى الخلط بينهما في كثير من الأحوال. وهذا الخلط ليس شيئاً غير مقصود دائماً، بل جرت العادة، خاصة في الدول غير الديمقراطية، على الخلط المقصود بين الأمرين. فكثيراً ما تصدر قوانين بصدد حالات خاصة ومحددة ويطلق عليها – شكلاً – اسم القانون، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون”أوامر”. كأن يصدر قانون بتنظيم مؤسسة أو شركة بعينها أو بالتصريح بالتصرف في حالات خاصة. فنحن هنا بصدد حالة خاصة وبالتالي فإن ما يصدر بصددها هو أمر، ولسنا بصدد قواعد عامة وبالتالي قانون بالمعنى الدقيق. وهذا الخلط المقصود بين القانون والأوامر، يرجع إلى ما يحمله معنى القانون من شرعية وبالتالي من قوة إلزام أدبي وأخلاقي. فالإنسان جبل على الخضوع لقوانين الطبيعة وقوانين المجتمع، والخروج عن هذه الأحكام الأخيرة هو نوع من الهمجية والبدائية. كذلك فإن هناك ارتباطاً وثيقاً في الأذهان بين معنى “القانون” ومعنى “العدالة”، فالخضوع للقانون هو إعمال للعدالة في نفس الوقت. ولذلك كثيراً ما تقوم النظم غير الديمقراطية بإلباس “الأوامر” ثوب “القانون”، فهو أكثر مهابة وأكثر احتراماً.

ولكل ما تقدم، فإنه لم يكن غريباً أن تعرف “دولة القانون” في اقتصاد السوق أعداداً محدودة نسبياً من القوانين التي تضع القواعد العامة، في حين يتميّز اقتصاد الأوامر بإسهال غير منقطع من القوانين التي هي في حقيقتها “أوامر” لحالات خاصة وأحياناً فردية وذلك تحت مسمى القانون. فهذه الغابة من القوانين هي في حقيقتها غابة من “الأوامر” التي تصدر في صدد حالات خاصة وإن أخذت شكل قوانين.

وبعد هذه المقدمة عن مفهوم “القانون” و”الأوامر”، نعود إلى أوضاع الاقتصاد المصري في بداية السبعينات وعند بداية الانفتاح الاقتصادي. كان هذا الاقتصاد فعلياً – وبنص الدستور – اقتصاداً اشتراكياً تملك فيه الدولة معظم أدوات الإنتاج وتسيطر سيطرة شبه كاملة على الإنتاج الصناعي والبنوك وشركات التأمين والنقل والتجارة الخارجية وتتمتع بدور هائل بالنسبة للزراعة حيث أنها المشتري الوحيد أو الأهم لمعظم المحاصيل والمورد الأساسي للبذور والمخصبات. ومع سيطرة الدولة والقطاع العام على الإنتاج كانت الدولة أيضاً هي المصدر الأساسي للعمالة والتوظيف. وفي ظل هذه الأوضاع، لم يكن النظام القانوني السائد ملائماً أو مناسباً لنمو النشاط الفردي أو القطاع الخاص. ولذلك، ورغبة في الإسراع في تهيئة الأوضاع لجذب الأموال الخاصة للاستثمار في مصر وخاصة بعد حرب 1973 وبزوغ الثروة النفطية، فقد كان من اللازم اتخاذ إجراء سريع لتهيئة المناخ القانوني لجذب الاستثمارات الخاصة وطنية وعربية وأجنبية. ولم يكن من السهل خلق مناخ قانوني كامل لاقتصاد السوق بإعادة النظر في كل القوانين القائمة. ومع ذلك فقد كان من الضروري التصرف السريع وعدم  الوقوف مكتوفي الأيدي.

فماذا فعلت الحكومة في ذلك الوقت؟ قامت بما هو ممكن ومتاح لمواجهة الظرف القائم وذلك بإحداث نوع من “الثغرة القانونية” لتوفير الظروف المناسبة لاستعادة دور القطاع الخاص. فصدر قانون الاستثمار والمناطق الحرة كاستثناء من النظام القانوني السائد والمعتمد على الاقتصاد الموجه. وفي إطار هذا الاستثناء – أو الثغرة القانونية –حاول قانون الاستثمار فتح نافذة لإقامة “جزيرة” من القطاع الخاص وسط بحر من القطاع العام بأن وفر لها عدداً من الاستثناءات والإعفاءات والحوافز الخاصة لجذب الاستثمارات الخاصة. فقانون الاستثمار بدأ كنوع من الاستثناء ضمن اقتصاد اشتراكي مركزي – وباعتباره مرحلة انتقالية – والغرض من صدوره هو دعوة للقطاع الخاص للعودة واستعادة مكانته في جو كان بطبيعته عدائياً لفكرة السوق ورافضاً لمفهوم الربح. ولم يقتصر الأمر على الطبيعة الاستثنائية لقانون الاستثمار الموجه إلى القطاع الخاص في بحر من الاشتراكية بل هو قانون غلب عليه معنى التشجيع والتحفيز. فالعادة أن تصدر القوانين للمنع والتحذير والتقييد، ولكن قانون الاستثمار صدر للتحبيذ والتحفيز إن لم يكن الرجاء. ولذلك فقد كان الاهتمام الأكبر للقانون ليس الضبط والتنظيم للعلاقات الجديدة بقدر ما غلب عليه الإعفاءات الضريبية والاستثناء من القواعد المطبقة في باقي قطاعات الاقتصاد من قيود على التوظيف من غير المصريين أو التعامل في العملات الأجنبية أو التحرر من قيود الاستيراد أو من شروط تملك الأجانب. وهكذا، بدأ قانون الاستثمار باعتباره قانوناً استثنائياً لتشجيع اقتصاد السوق في وسط نظام قانوني من الاقتصاد السلطوي الاشتراكي، وهو أيضاً قانون للترغيب والتحفيز على الاستثمار أكثر منه قانوناً للمنع والتقييد. وبذلك ركز على الإعفاءات بأكثر من اهتمامه بالتنظيم أو الرقابة. وكان كل ذلك أمراً طبيعياً ومنطقياً في ذلك الوقت. فهو قانون مرحلي صدر في مرحلة انتقالية، وفي ظل بيئة غير مواتية. ولذلك جاءت أهم أحكامه خروجاً واستثناء على قانون الشركات القائم، كما أنها خروج واستثناء على قانون العمل المعمول به، وذلك فضلاً عن الخروج والاستثناء على قانون الضرائب السائد، وهكذا. وكل هذا كان مفهوماً ومقبولاً لفترة الانتقال. ولكن ما هو غير مفهوم أو غير مقبول هو أن تستمر فترة الانتقال لأكثر من ثلاثين عاماً.

لقد تغير شكل التنظيم الاقتصادي لمصر خلال الثلاثين عاماً المنقضية. لم يعد القطاع العام هو المنتج الوحيد أو الأساسي. لقد زادت مساهمة القطاع الخاص سواء في حجم الإنتاج أو في حجم الاستثمار، وتعددت المشروعات الخاصة وانتهى احتكار الدولة لقطاع البنوك أو لقطاع التأمين، وأنشئت سوق المال وفتحت البورصة، وأزيل الكثير من القيود على التجارة، وتحرر التعامل بالعملات الأجنبية. وهكذا لم تعد البيئة هي بيئة الاقتصاد المركزي الموجه التي تحتاج إلى جزر محمية للقطاع الخاص وسط أنواء من التدخل الاشتراكي والبيروقراطي. وعلى العكس فقد أصبح المطلوب الآن هو استكمال النظام القانوني لاقتصاد السوق، وذلك بالعمل على إرساء نظام قانوني واضح وبسيط يحكم العلاقات الاقتصادية دون تمييز. “فالشركة” هي الشركة سواء أنشئت في ظل قانون الاستثمار أو ظل قانون الشركات أو ظل قانون سوق المال، وسواء أقيمت في المدن الصناعية أو في المناطق السياحية أو في المجمعات العمرانية. والمطلوب هو تحديد المركز القانوني لمفهوم الشركة وأحكامها على نحو واضح لا لبس فيه، ولم تعد المسألة هي الحوافز. لقد تجاوزنا المرحلة الانتقالية وأصبحت القضية هي التنظيم القانوني الواضح وليس مجرد الترغيب والتحفيز. فلم يعد هناك محلٌ للإفراط في منح الإعفاءات الضريبية لأن تكلفة ذلك على بقية الممولين مرتفعة. فالدولة في حاجة إلى موارد الضرائب، وبالتالي فإن إعفاء طبقة أو فئة من الممولين معناه زيادة الأعباء على طائفة أو فئة أخرى. وما قد نكسبه من إرضاء فئة من المستثمرين فإننا نخسره بإضافة الأعباء على فئة أخرى. وقد أثبتت التجربة أن دور الإعفاءات الضريبية في جذب الاستثمارات أقل بكثير مما كان متصوراً. وعلى العكس من ذلك فإن مزيداً من الوضوح والاستقرار للمراكز والمفاهيم القانونية يمكن أن يخدم قضية الاستثمار بشكل أكبر.

إن أحد أهم دعائم اقتصاد السوق وأحد أهم مقومات الاستثمار هو وجود نظام قانوني واضح وفعّال وبسيط. وتعدد النظم القانونية يؤدي ليس فقط إلى الغموض وإنما أحياناً إلى الفساد وغالباً إلى ارتفاع التكلفة. ومن هنا فنحن في حاجة إلى قانون واحد للضرائب يتضمن بين دفتيه كل الأحكام العامة للضرائب والإعفاءات الواردة عليها بدلاً من تشتتها عبر العديد من القوانين المتفرقة. وبالمثل فإننا في حاجة إلى قانون واحد للشركات يحكم كل الشركات. فوحدة قانون الشركات أهم بكثير من أية إعفاءات أو امتيازات. ونجاح المستثمر لا يتوقف على ما يتمتع به من امتيازات وإعفاءات بقدر ما يتوقف على مناخ النشاط الاقتصادي بشكل عام. فلا قيمة لهذه الإعفاءات أو الامتيازات بالنسبة للمستثمر الفرد إذا كان موردوه من المشروعات الأخرى يعانون من تسلط البيروقراطية أو من ظلم الضرائب. فالمزايا يجب أن تكون عامة بالنسبة للجميع حتى تحقق فائدتها، والمنتج لا يتأثر بما يحدث في مصنعه بل أيضاً بما يدور في الاقتصاد ككل وخاصة بالنسبة لعملائه ومورديه. وأخيراً فإن “الاستثمار” ليس مجرد ضخ أموال جديدة لإنشاء مصنع جديد وإنما الاستثمار هو عملية مستمرة تشمل المصانع الجديدة والقديمة في أنشطتها الجارية والاستثمارية. ورعاية الاستثمار لا تتحقق بامتيازات وإعفاءات يتمتع بها مشروع أو مشروعات معنية بذاتها، وإنما بخلق جو عام من الاستقرار والوضوح وتخفيض تكلفة المعاملات على الجميع دون تفرقة.

لقد كان قانون الاستثمار والمناطق الحرة عملاً جيداً عند وضعه في السبعينات من القرن الماضي في بيئة اقتصادية مختلفة تماماً. والآن وبعد ثلاثين عاماً، فإننا لا نحتاج إلى تعديلات جديدة في قانون الاستثمار، وإنما نحتاج إلى جيل جديد من الإصلاح القانوني يقوم على ترسيخ معنى دولة القانون، وذلك بتوحيد المعاملة وتبسيطها وإزالة الحالات الخاصة والاستثنائية. وفي صدد مفهوم “الشركة”، فإن المطلوب هو العمل على توحيد وتبسيط كل قوانين الشركات في قانون واحد واضح وبسيط. ولقد انتهى العمر الافتراضي لقانون الاستثمار وأمثاله ونحن في حاجة إلى الانتقال إلى الجيل الثاني من الإصلاح القانوني. ولكن كم من الأشياء انتهى عمرها الافتراضي في بلدنا العزيز وتقاوم للبقاء، وليس آخرها قانون الاستثمار.   والله أعلم.

الأهرام: 11.4.2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *