قليل من الإقتصاد لا يضر

الله أعلم:

قليل من الإقتصاد لا يضر

دكتور حازم الببلاوى

خلال إحدى الدورات التدريبية لمنتدى البحوث الإقتصادية، تساءلت إحدى المشاركات فى الدورة، قائلة: إنها طبيبة وحاصلة على الماجستير فى الإدارة، وكان سؤالها ما أهمية علم الإقتصاد لمثل من هو فى مجالها، الذى هو الطب والصحة؟ وكان السؤال واضحاً، لماذا يتضمن البرنامج التدريبى وجود إقتصادى، مثلى، بين المحاضرين، وهل يفيد التكوين العلمى فى الإقتصاد، للتأهيل لمن لن يعملوا فى الحقل الإقتصادى والمالى؟

فالإنطباع السائد عن الإقتصاد، هو أنه حرفة للتعامل مع الأسواق، وكيفية تحديد الأثمان، ودور المنافسة والإحتكار، ولم يقتصر ذلك على مظاهر التجارة الداخلية بل إمتد إلى التجارة الدولية. وكذا هناك أشكال التمويل ودور النقود فى الحياة الإقتصادية ومن ورائها البنوك والمؤسسات المالية. كذلك تضمنت النظريات الإقتصادية مسألة تمويل الخزانة العامة وأساليب فرض الضرائب وأشكال الموازنات والإنفاق العام. فمجال الإقتصاد وهو التعامل مع الثروة والأموال.

ولعله لهذه الأسباب جاء عنوان كتاب آدم سميث عن “ثروة الأمم”. وقد ظل هذا الإرتباط بين مفهوم “الثروة” أو “التجارة” من ناحية، وبين علم الإقتصاد من ناحية أخرى، مستمراً حتى جاء الإقتصادى البريطانى ليونل روبنز الأستاذ فى جامعة لندن، ليعرف الإقتصاد بأنه “العلم الذى يدرس السلوك الإنسانى فى العلاقة بين أهداف معينة ووسائل محدودة لها إستخدامات متعددة”. وبطبيعة الأحوال، فإن المجال الطبيعى والأكثر وضوحاً هو مجال الإنتاج والإستهلاك. فالمنتج يحتاج إلى أسواق، ومن هنا ضرورة الأسواق وفهمها. وهو كذلك يواجه إختيارات متعددة، فهو يبدأ عادة برأسمال أو فكرة ويود إستغلالها فى السوق. وهنا يبحث عن نوع النشاط الذى يبغيه آخذاً فى الإعتبار قدراته الفنية والمالية. وعندما يقرر البدء بنشاطه الإنتاجى فلابد وأن تكون لديه فكرة عن تكاليف الإنتاج ومدى حاجة السوق إلى منتجه. وبالمثل فإن المستهلك يواجه مشكلة قريبة وهى أن لديه حاجات متعددة ويستطيع إشباعها عن طريق السوق، ولكنه لا يملك إلا موارد مالية محدودة، فكيف يوزع موارده المالية المحدودة بين الحاضر والمستقبل وتوزيعها للحصول على ما يعتقد أنه يوفر له أكبر إشباع ممكن. وهكذا نجد أن مشكلة كل من المنتج والمستهلك هى مشكلة إختيار.

ولكن المشكلة بهذا الشكل لا تواجه المنتج أو المستهلك فقط وإنما تكاد تواجه كل متخذ للقرار. ولذلك جاء الإقتصادى الأمريكى جارى بيكر بالقول بأن المنهج الإقتصادى لا يقتصر على “الإستخدام الأمثل للموارد”، كما هو شائع، بل ان المنطق الإقتصادى يتعلق بتعظيم المنافع الممكنة من أى نشاط يواجه الإنسان. وكان بيكر قد إستخدم هذا المنطق الإقتصادى فى تفسير ظاهرة التمييز العنصرى، وربما حصل على جائزة نوبل للإقتصاد بسبب نظرته الواسعة إلى الإقتصاد بإعتباره منطقاً للسلوك البشرى لتحقيق الرشادة فى إستخدام الموارد المتاحة. كذلك، الإقتصاد هو أيضاً علم الحوافز لإتخاذ القرارات السليمة.

وكان وضع الإقتصاديين للمشكلة الإقتصادية، بإعتبارها مواءمة بين الحاجات المتعددة للإنسان والموارد المحدودة، وبالتالى ضرورة تحقيق التوازن بينهما فاتحة لإختراقات علمية رائدة. فقد حاول الإقتصادى الإنجليزى مالتس البحث عن كيفية تحقيق التوازن بين الزيادة السكانية والموارد الغذائية، وقد ساعدت أفكاره على توجيه العالم البريطانى شالز داروين إلى فكرة “الصراع من أجل البقاء” وبالتالى ظهور “نظرية التطور”. ولذلك لم يكن غريباً أن تمنح جائزة نوبل فى الإقتصاد لغير الإقتصاديين. فكان أول من حصل على هذه الجائزة هو النرويجى راجنر فريش وهو رياضى فى الأساس، ومعه عالم الفلك الهولندى تنبرجن. كذلك فقد حصل على هذه الجائزة الهولندى كوبمان فى 1975 مع الروسى كانتوروفيتش لدورهما فى وضع أساليب بحوث العمليات وتحليل الأنشطة الرياضية لعرض المشكلة الإقتصادية. وبعد ذلك بثلاث سنوات منحت نفس الجائزة لهربرت سايمون لأفكاره فى إتخاذ القرار بإستخدام نظريات المعلومات والذكاء الصناعى. وأخيراً حصل العالم النفسى دانيال كهنمان على نفس الجائزة فى 2002 لتأكيده على التناقض بين النظريات الإحصائية للإحتمالات وبين السلوك البشرى الشائع فى إتخاذ القرارات الإقتصادية. فالإنسان بتكوينه الغريزى الموروث غير قادر على التعامل السليم مع تعدد الإحتمالات المستقبلية.

ولكن الإختيار فى الإقتصاد لا يقتصر على المقارنة بين البدائل المتعاصرة، بل قد يكون إختياراً فى الزمان. فالنشاط الإقتصادى هو بطبيعته نشاط ممتد فى الزمن، ومن ثم فإن الإختيار قد يكون بين بدائل تتحقق على فترات زمنية مختلفة. فكيف نقارن الحصول على عائد يتحقق بعد ثلاث سنوات مثلاً ويمتد لعشر سنوات، وبين عائد آخر أكبر ولكنه يتحقق بعد خمس سنوات ويمتد لخمس عشرة سنة، وهل يتغير الأمر لو كان الفرض الثانى يتحقق بعد عشرين سنة مثلاً؟ كل هذا يتطلب مقياساً للتفضيل الزمنى، وهو ما يعرف بإسم “سعر الفائدة” أو “سعر الخصم”، وعن طريقه نستطيع أن نحدد ما يعرف “بالقيمة الحالية” للتدفقات “المستقبلية”.

وأخيراً، فإن الإختيار بين البدائل لا يكون دائماً بين أمور يقينية، بل قد تكون هناك درجات للإحتمال لكل منهما. ولذلك فإن القرار يتطلب التعامل مع الإحتمالات المختلفة، ومن هنا أهمية الدراسات الإحصائية للاحتمالات.

كذلك فإن النظرية الإقتصادية لم تتوقف على طرح قضية إتخاذ القرار أمام خيارات متعددة لتحقيق مصلحة متخذ القرار، ولكنها تطرح قضية فى غاية الأهمية وهى قضية ما يعرف “بالسلع العامة”. فليس كل ما يعود على الشخص من منافع أو تكاليف هو كل ما فى الصورة، فهناك ما يعرف “بالعناصر الخارجية” والتى تؤثر على الغير، وهو ما يعرف “بالعناصر الخارجية”. فالعملية الإقتصادية قد تصيب المجتمع فى مجموعه بأضرار أو منافع، رغم ان أصحاب العلاقة المباشرة لا يتأثرون بها بشكل مباشر. فالإقتصاد لا يقتصر على دراسة المكاسب والخسائر المباشرة للمتعاملين، بل أنه وجه النظر إلى أن العديد من القرارات التى يتخذها الأفراد فى معاملاتهم الفردية، كثيراً ما يكون لها آثاراً نافعة أو ضارة على المجتمع فى مجموعه. ويحدث هذا إزاء الإخلال بالبيئة مثلاً عند قيام الصناعة دون مراعاة القيود المفروضة، وحيث يتحمل المجتمع أعباء هذه التكلفة. أو على العكس فقد تكون هناك منافع أخرى للنشاط يفيد منها المجتمع وتجاوز المستفيد المباشر، كما فى التعليم مثلاً، فالمستفيد من التعليم ليس وحده طالب العلم، ولكنه المجتمع فى مجموعه. ففكرة “السلع العامة” والمزايا أو الخسائر “الخارجية” تجعل من علم الإقتصاد علماً للمصلحة العامة بقدر هو علم للمصالح والتكاليف الفردية.

وهكذا يتضح أن التدريب الإقتصادى يسعى لتأكيد بعض الحقائق الأولية، وفى مقدمتها أنه لا شىء يمكن الحصول عليه بلا تضحية، وأن الإنتاج يتطلب تحمل التكلفة، فلا وجبات مجانية أو سريعة فى الحياة، وهناك دائماً مقارنة بين العائد والتكلفة. وعندما نتحدث عن “الانتاج” فإننا نعني تحقيق “قيمة مضافة” تزيد على تكلفة هذا الإنتاج، وبما يغطي أجر العمالة الكافي لاستمرارهم في الحياة المقبولة (الحد الأدنى للأجور). والقول بغير ذلك هو انحياز لمصالح أرباب العمل بتعظيم “فائض القيمة” لهم على حساب العمال. ومع زيادة البطالة تزداد الحاجة إلى هذا “الحد الأدنى” حتى لا يعاني من يعمل ومن لا يعمل. وكذلك فإن الخيار المطروح للقرار لا يكون دائماً بين الحسن والأحسن، بل كثيراً ما يكون بين المر والأمر. وبالمثل فإن التعامل مع الزمن يتطلب مقياساً للتفضيل الزمنى فضلاً عن أن درجات الإحتمال قد تتطلب معالجات خاصة. وأخيراً فإن المنفعة والتكلفة المباشرة للمتعاملين ليست هى الآثار الوحيدة للقرارات، فهناك منافع وتكاليف وأعباء إجتماعية خارجية تتعلق بالمجتمع فى مجموعه ولا يمكن تجاهلها.

ولذلك فإنه لا بأس إطلاقاً، من أن تتلقى طبيبة مثقفة، محاضرة من “إقتصادى” فى كيفية إتخاذ القرار المناسب، وذلك من منطلق علم الإقتصاد. والله أعلم.

 الاهرام 25 يونيو 2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *