كعب أخيل في الاقتصاد المصرى

في الأسطورة اليونانية عن حرب طروادة، أن البطل أخيل، الذي يتمتع بشجاعة وقوة خارقة، كان يعاني من نقطة ضعف، وهي أن كعب قدمه كان هشاً وضعيفاً. ولذلك فرغم انتصارات أخيل في كل معركة دخلها، فقد استطاع عدوه باريس أن يصيبه في مقتل عندما صوب سهمه إلى قدمه فأرداه قتيلاً. وقد تذكرت هذه القصة في أحد الحوارات التليفزيونية، حين فاجأني المحاور بالسؤال عن رأيي عن أخطر المؤشرات الاقتصادية دلالة عن أوضاع الاقتصاد المصري. وبعد تردد للحظات قلت له أنني أعتقد أن ضعف الميزان التجاري الخارجي لمصر هو كعب أخيل الاقتصاد المصري.

وقبل أن أشرح أسبابي لهذا الاختيار، فقد يكون مناسباً أن أؤكد أنني لا أعتقد أن الاقتصاد المصري خارق القوة، وذلك على عكس الحال مع البطل الإغريقي أخيل، بل أن هذا الاقتصاد يعاني من مشاكل متعددة في أكثر من جانب. فجوهر المشكلة في مصر هو الفقر وضعف إنتاجية العامل المصري، وما عدا ذلك فهو مظاهر لهذه المشكلة حيث تظهر في جوانب متعددة من الحياة الاقتصادية. فهناك طبعاً ارتفاع الأسعار واستمرار التضخم والذي تعاني منه الأغلبية نظراً إلى انخفاض الدخول. ويزداد الأمر سوءاً نتيجة لاتساع الفروق في توزيع الثروة ومعدلات الدخول، وبما يجعل المعاناة على الطبقات الفقيرة بالغة القسوة. كذلك هناك عجز الموازنة المستمر نتيجة لتدني إيرادات الدولة. ومع استمرار هذا العجز يزداد عبء الدين العام والذي يضاعف بدوره من حجم العجوزات المتوقعة في السنوات التالية نتيجة لارتفاع عبء خدمة هذا الدين. وهناك أخيراً ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب من خريجي معاهد التعليم المتوسط والجامعات.

ورغم كثرة هذه المواطن للضعف في الاقتصاد المصري، فيظل ـ في نظري ـ أن الاختلال في التوازن الخارجي هو أشد هذه المخاطر شراسة لأنه يقيد، إلى حد كبير، من مدى الحرية التي نتمتع بها في إدارة شؤوننا الاقتصادية المحلية.

وقد يكون من المفيد، قبل أن نتناول هذا بالتحليل والشرح، أن نتذكر بعض الحقائق الأساسية للاقتصاد المعاصر. فلا توجد دولة في العالم الحديث قادرة على الاستغناء عن العالم الخارجي، يستوي في ذلك أكثر الدول تمتعاً في الموارد الطبيعية ( مثل الولايات المتحدة أو كندا أو البرازيل أو جنوب أفريقيا) أو أدناها تمتعاً بهذه الموارد (مثل اليابان أو كوريا). “فالتخصص وتقسيم العمل” الذي أشار إليه آدم سميث منذ أكثر من قرنين، قد أصبح أهم خصائص الاقتصاد العالمي المعاصر. فلا تستطيع دولة في العالم المعاصر أن تعيش داخل حدودها دون علاقات اقتصادية مع بقية دول العالم إلا بتكلفة اقتصادية عالية وتضحيات غير قليلة. وإذا كان قيام هذه العلاقات الاقتصادية الدولية أمراً لا مناص منه، فينبغي ـ على الأقل ـ أن تكون هذه العلاقات مستقرة وقابلة للاستمرار. وأسهل الطرق وأوضحها لتحقيق هذا الاستقرار والقابلية للاستمرار، هو أن تكون هذه العلاقات متوازنة إلى حد ما، بمعني أن تستورد الدولة بشكل عام في حدود ما تصدره. ولا يلزم أن يكون هذا التوازن كاملاً أو دائماً، فقد تعرف بعض الدول عجزاً لسنة أو سنوات إذا كانت قادرة على مواجهته بفائض في سنوات لاحقة. وبطبيعة الأحوال، فإن التعايش مع الفائض (كما هو حال الدول العربية النفطية أو الصين أو اليابان) أسهل من التعايش مع العجز. ومع ذلك فإن بعض الدول (خصوصاً الولايات المتحدة) استطاعت التعايش مع العجز المستمر لفترات طويلة لأنها تتمتع بسوق مالية ضخمة ومتنوعة وعميقة، وهي سوق تستند إلى أكبر جهاز إنتاجي في العالم. ولذلك فإن دول الفائض تجاهها ترحب بالاحتفاظ بالأوراق المالية الأمريكية مقابل عجز الميزان التجاري الأمريكي. فأهم صادرات الولايات المتحدة للعالم الخارجي هي ،في الواقع، أوراقها المالية من أسهم وسندات وغيرها من الأصول المالية. فأمريكا تصدر ،بشكل ما، أصولاً مالية مقابل واردات السلع والخدمات. ومع ذلك فإن العديد من الاقتصاديين يرون أن هذا وضع شاذ غير قابل للدوام، وإن كان يساعد على استمراره القوة الاقتصادية والعسكرية الهائلة للولايات المتحدة فضلاً عن طبيعة النظام النقدي العالمي الذي يتحيز للدولار الأمريكي مع عدم وجود بديل له في الوقت الحاضر. وهكذا تظل ضرورة تحقيق نوع من التوازن المعقول بين صادرات وواردات كل دولة ـ في الظروف العادية ـ هو الضمان الحقيقي للاستقرار والاستمرار في الأوضاع الاقتصادية لأية دولة.

والآن ماذا عن وضع الميزان التجاري (صادرات وواردات) في مصر؟
من الطبيعي أن تختلف أرقام كل سنة عن الأُخرى نتيجة للظروف الخاصة بكل منها. ولكن إذا نظرنا ـ مثلاً ـ إلى متوسط الأرقام المتعلقة بميزان التجارة الخارجية في مصر خلال السنوات الخمس الماضية وباستخدام أرقام تقريبية نجد أن وضع الصادرات والواردات المصرية يبدو مختلاًً. فيتراوح حجم الواردات المصرية بين 48 ـ 52 مليار دولار، في حين يدور حجم الصادرات بين 23 ـ 25 مليار دولار. وهكذا يمكن القول بشكل عام بأن واردات مصر من الخارج هي في حدود ضعف الصادرات المصرية، 50 مليار للواردات مقابل 25 مليار دولار تقريباً للصادرات. ولكن لا يكفي الاقتصار على هذه الأرقام الإجمالية وعلينا أن نتعرض لبعض التفاصيل. حقاً أن مصر تصدر تقريباً نصف ما تستورده من الخارج، ولكن علينا أن نتذكر أن حوالي عشرة مليارات من الصادرات المصرية هي من البترول والغاز. وبذلك فإن صادرات مصر غير البترولية تقل عن 15 مليار دولار. ونعرف، أن ما تتمتع به مصر من موارد للغاز والبترول إنما هي موارد قليلة وعمرها الزمني محدود نسبياً لا يتجاوز عدة عقود (ثلاثة أو أربعة عقود). كذلك فإننا، ومنذ سنة 2006، نقيد في جانب الصادرات المصرية للبترول والغاز كل ما يصدر من الأراضي المصرية بما فيها حصة الشريك الأجنبي. وعلى ذلك فإن صادراتنا من البترول والغاز والمملوكة للدولة تغطي بالكاد وارداتنا من المواد البترولية وحدها.

وإذا كانت صادرتنا، بهذا الشكل، لا تغطي إلا نصف قيمة الواردات، فكيف نسوي بقية العجز من قيمة الواردات. يسوي هذا العجز عادة عن طريق بنود أخرى في ميزان المدفوعات، هي على التوالي: السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين. فالسياحة توفر ـ في الظروف العادية ـ حوالي 10 مليار دولار، وقناة السويس حوالي 5 مليار دولار، وتحويلات العاملين حوالي 9 – 10 مليار دولار. وتكفي هذه البنود ـ بشكل عام ـ لتغطية العجز في الميزان التجاري. وهكذا يبدو أن الوضع مقبول بهذا الشكل، وأن لدينا من المصادر ما يكفي لسداد هذا العجز التجاري.

ولكن هل هذا صحيح وهل هو وضع مستقر؟ ليس تماماً. فهذه الموارد تتوقف ـ في كثير من الأحوال ـ على ظروف خارجية ليست تحت سيطرتنا. أما السياحة فهي تتوقف على الاستقرار الداخلي من ناحية، وعلى علاقاتنا مع دول العالم الخارجي من ناحية أُخرى. وقد رأينا خلال الشهور الأخيرة كيف توقفت السياحة أو تراجعت نظراً للأوضاع الأمنية غير المستقرة في إثر الثورة. كذلك فإن تحويلات العاملين تتوقف على أوضاع دول الخليج ورؤية العاملين بها إلى مستقبل الأوضاع الاقتصادية المحلية. وحتى إيرادات قناة السويس فإنها تتوقف على حالة التجارة العالمية وظروف السلامة والاستقرار في الشرق الأوسط. وقد رأينا خلال التاريخ الحديث أن القناة قد أغلقت خلال القرن الماضي مرتين. وهكذا، يظهر الوهن الشديد لأوضاع الميزان التجاري المصري. فالجزء الأكبر من صادراتنا (البترول والغاز) هي موارد مؤقتة سوف تتجه للتآكل خلال العقود الثلاثة أو الأربعة القادمة، وما نستكمله لتسديد فاتورة الواردات من مصادر أخرى غير الصادرات (السياحة، تحويلات العاملين، قناة السويس) تتوقف على أوضاع خارجية لا نسيطر عليها وقد تختل لأي سبب خارج عن إرادتنا.

ويأتي التساؤل، وماذا عن الواردات؟ ألا نستطيع تخفيضها، وبذلك نحتفظ باستقلالنا وحرية حركتنا؟ للأسف، لا نستطيع، وما نملكه من حرية حركة محدود للغاية. كيف؟

ذكرت أننا نستورد سلعاً من الخارج بحوالي 50 مليار دولار سنوياً، فكيف توزع هذه الواردات؟ نحن نستورد مواد أولية وطاقة بحوالي 10 مليار دولار (نصفها مواد بترولية)، وحوالي 15 مليار دولار سلع وسيطة، وحوالي 10 مليار دولار سلع رأسمالية. ومعنى ذلك أننا نستورد بحوالي 35 مليار مستلزمات للإنتاج (بين مواد أولية وسلع وسيطة وسلع رأسمالية)، أي أن 70% من حجم وارداتنا لازم لاستمرار القطاع الإنتاجي في مصر. فمصر دولة فقيرة في الموارد الطبيعية، ومن ثم فإن القطاع الإنتاجي (خاصة الصناعة) يعتمد بشكل رئيسي على استيراد المواد الأولية والسلع الوسيطة والرأسمالية، وأي اختلال في هذه الواردات يؤدي بالضرورة إلى اختلال القطاع الإنتاجي (خاصة الصناعي). وقد بلغ حجم الواردات من السلع الوسيطة اللازمة للصناعة ما يزيد على 15 مليار دولار في السنوات الأخيرة، وهو ما يجاوز مجموع الصادرات غير البترولية. فالصناعة المصرية غير قادرة ـ وحدها ـ على دفع فاتورة وارداتها من المواد الأولية ونصف المصنعة. وبقية الواردات هي من السلع الاستهلاكية وهي تراوح بين 10 ـ 12 مليار دولار حوالي ربعها من الأدوية. أما السلع الاستهلاكية المعمرة مثل السيارات والأجهزة الكهربائية وغيرها فإنها تتراوح بين 1 ـ 3 مليار دولار.

ويتضح من هذا الاستعراض أن وضع الميزان التجاري المصري بالغ الهشاشة، وكثير من عناصره مؤقت أو يتوقف على عناصر خارجية غير مضمونة ، كما أن معظم عناصر الواردات لا يمكن تخفيضها دون تأثير على القطاع الإنتاجي (أساساً الصناعة)، وجزء كبير منه ضروري للاستهلاك العام. ومن هنا فإنه ليس من المبالغة القول بأن هذا الوضع الهش للميزان التجاري الخارجي الناجم عن ضعف الصناعة وعجزها عن التصدير بدرجة كافية يمثل كعب أخيل للاقتصاد المصري.

وقد أدركت مصر هذا الوضع منذ فترة غير قصيرة، ولكنها ـ فيما يبدو ـ لم تقم بواجبها على النحو الأكمل. إننا نريد سياسة جادة لتشجيع الصادرات، وبوجه خاص الصادرات الصناعية. وهو أمر يرتبط بإحداث ثورة تكنولوجية واستثمارات صناعية هائلة وسياسية تصديرية واعية. ولعل الحديث عن مشروع زويل يمثل عنصراً لازماً لإستراتيجية تصنيعية فعالة في الأجل البعيد. فمصر بلد فقير في موارده الطبيعية، ولا مخرج له إلا بزيادة إنتاجية العامل المصري الأمر الذي لن يتحقق إلا عن طريق التقدم التكنولوجي وهو ما لا يجد تطبيقاته خارج الصناعات التحويلية ذات التوجه التصديري. فمصر أقرب إلى اليابان في حاجتها إلى التكنولوجيا والتصدير معاً. إننا في حاجة إلى إستراتيجية طويلة الأجل للتصدير الصناعي والتطوير التكنولوجي. والله أعلم

الشروق 11 يونيو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *