كلمة من القلب: هذا وقت للجد

عندما قامت الثورة التونسية طرح التساؤل، وماذا عن مصر؟ هل يمكن أن تتعرض مصر لشيء مماثل؟ وهنا وجدنا العديد من الصحف، خاصةً القومية، تؤكد أن مصر غير تونس، وبالتالي، فإن المقارنة غير واردة. ولم تمض أيام حتى وجدنا شوارع العديد من المدن المصرية وقد عرفت تجمعات شبابية هامة مع وجود مكثف من رجال الأمن، واستخدام خراطيم المياه والرصاص المطاط فضلاً عن وقوع وفيات وإصابات متعددة. وفي اليوم الثاني تكرر المشهد، وإن بدرجة أقل، ولم يقتصر على مدينة واحدة بل عم العديد من المدن المصرية.

 ومن هنا فإن الأمر لا يتحمل أية مواربة أو هروب من الحقائق. إننا أمام مشكلة، بل ومشكلة كبيرة، ومن السخف أو خداع النفس القول بأن هناك عناصر مدسوسة أو أنها أفعال مخربين أو غير ذلك من الأوصاف الهلامية التي تحول دون الرؤية الواقعية لما يحدث في الشارع المصري. يُقال عادةً أن الشعب المصري شعب صبور ومسالم، وهذه حقيقة. ولكنها لا تعني أن الصبر بلاحدود أو أن اللامبالاة عامة أو شاملة. وعلى العكس، فنظراً لأن الشعب المصري هو حقاً صبور ومسالم، فإن دلالة هذا الخروج الجماعي في العديد من المدن المصرية تعني أن الأمر جد خطير، ولا يمكن علاجه أمنياً عن طريق رجال الشرطة والقنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه. القضية تتطلب مواجهة سياسية بالإعلان فوراً عن استيعاب الموقف مع الرغبة في الاستجابة للمطالب الجماهيرية والاعتراف بوجود أخطاء وتجاوزات وأن هناك ضرورة إلى إعادة النظر والتغيير.

 

عندما يخرج الناس ـ وخاصةً الشباب ـ بالآلاف وربما بعشرات الآلاف، إلى الشوارع فلا يجوز القول بأن كل شيء على ما يرام. فالحقيقة أن كل شيء على غير ما يرام. والاعتراف بهذه الحقيقة هو البداية الوحيدة للإصلاح. أما التغني بأننا حققنا منجزات هائلة في الاقتصاد، أو أننا نتمتع ـ دون غيرنا ـ بالأمن والاستقرار، فهذا ليس عملاً عقلانياً وإنما هو خديعة للنفس وهروب من مواجهة الحقائق.

 ليس معنى ذلك أن كل ما تعلنه الهتافات هو الحقيقة الوحيدة المطلقة، كما أنه ليس بالضرورة أن كل سياساتنا الماضية كانت خاطئة. ولكن الصحيح هو أن هناك خللاً كبيراً وانفصاماً ضاراً بين الحكام والمحكومين، وبالتالي الحاجة إلى إعادة النظر في العديد من الأوضاع بالحوار الهادئ والصريح مع الاعتراف بأن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه.

 

أنا أكتب هذه السطور في اليوم الثاني للأحداث، ولا أحد يعرف ماذا ستكون عليه الأحوال في الأيام التالية. فقد تزداد الأمور اضطراباً كما قد يعود الهدوء. وحتى إذا عاد الهدوء بعد يوم أو أيام فليس معنى ذلك أننا كنا بصدد مشكلة صغيرة وانتهت، لكي نعود من جديد إلى مسيرتنا السابقة.

 كلا، هناك شرخ كبير لابد من علاجه، ليس بالمسكنات، وإنما بالنية الخالصة في الإصلاح. أعرف أن الكثيرين ممن يعتقدون أنهم يخدمون النظام القائم يحاولون التهوين من شأن هذه الأحداث، بالقول بأنها ليست سوى أحداث عابرة. كلا وألف كلا، هذه سياسة قصيرة النظر، لن يكون لها من أثر إلا التهيئة لموجة تالية أشد شراسة وأعمق خطراً على مستقبل البلاد. هؤلاء وأمثالهم، لايخدمون النظام بل يوقعونه في مزيد من الخطأ. إننا كمن يواجه ـ لأول مرة ـ أزمة قلبية ثم يمر منها بسلام. ولكنها تظل تنبيهاً له بأنه ما لم يعد النظر في أسلوب حياته ونظامه الغذائي، فإنه سوف يعرض نفسه لمشاكل صحية أشد خطورة وقد تودي بحياته في المستقبل. إذا كان نظام بن علي قد انهار خلال بضعة أيام، فهو ليس النموذج الوحيد فقد سبقه سوهارتو الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لأكثر من ثلاثة عقود.

 

ليس المهم ما سوف تنتهي إليه هذه المظاهرات. المهم هو أنها تمثل تحذيراً لما هو أخطر والذي قد يحدث في مستقبل قريب أو بعيد. أنا أكتب هذه الكلمات كنصيحة مخلصة للمسئولين، للتقدم ـ وبكل حسن النية ـ لبداية التغيير، وفتح المجال لحوار جاد وصادق مع كافة الاتجاهات السياسية لإجراء الإصلاحات السياسية، وفي مقدمتها إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب، وتعديل نصوص الدستور المعيبة والإعداد لانتخابات رئاسية جديدة نظيفة، والحزم في مواجهة الفساد. ودون البدء في اتخاذ إجراءات جادة للتغيير في النظام السياسي مع إعادة النظر في الوجوه الحالية، فإننا نعرض البلاد لمصير مجهول إن لم يكن غداً فقد لا يتأخر كثيراً. وهذه كلمة من القلب أرجو أن يتقبلها المسئولون قبل فوات الأوان. والله أعلم.

 الشروق 29 يناير 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *