كلنا اقتصاديون … دون أن ندري

وصلتني رسالة إلكترونية من قارئة تسأل، “ماذا أدرس لكي أصبح خبيرة اقتصادية”. وأجبتها بالقول “المفروض أن دراسة الاقتصاد تكون مفيدة في هذا المجال. والله اعلم.” ولا يخفى أن الإجابة تنطوي قدر من التردد والشك. فاعتقادي الشخصي هو أن الحياة هي أعظم مدرسة لتعليم الاقتصاد، بل لعل الأمر لايتطلب أصلاً أية دراسة وإنما هي فطرة بشرية، فنحن بشكل أو بأخر اقتصاديون دون أن ندري.

يقوم الاقتصاد – كعلم – على عدد قليل من المبادئ أو البدهيات وكذلك بعض الفروض القليلة حول سلوك البشر. أما ما قدمه الفكر الأقتصادي من نظريات فلا يزيد عن عدد محدود من الأفكار الرئيسية الكبرى ، وماعدا ذلك فهو تفصيلات جزئية هنا وهناك.

أما المبادئ أو البدهيات التي يقوم عليها علم الاقتصاد فهي تدور حول فكرة ” الندرة “. والمقصود بذلك هو أن حاجات الإنسان كثيرة ومتنوعة ولا نهاية لها في حين أن الموارد المتاحة لأشباع هذه الحاجات محدودة، فضلا عن أن زيادة هذه الموارد أو زيادة كفاءتها يتطلب جهداً. فالسلع والخدمات اللازمة لاتوجد جاهزة في الطبيعة وانما تتطلب استخدام الموارد المتاحة من أجل توفيرها. ونظراً لأن  الموارد محدودة، فان المشكلة الرئيسية التي تواجه الإنسان هي كيفية “اختيار” الحاجات الأولى بالإشباع. والحديث عن “الاختيار” يعني ” التضحية” ببعض الرغبات الأخرى لحساب رغبات نعتقد أنها أولى بالرعاية. وهكذا نجد أن الاقتصاد يقوم في أساسه على  مفهوم ” التضحية”، وهو ما جرى الاقتصاديون على وصفه ” بالتكلفة”. فالاقتصاد في جوهره هو مقارنة بين ” التكلفة” وبين المنفعة أو ” العائد”. فلا شئ في الحياة مجاناً. والقرار الاقتصادي هو في النهاية اختيار الأفضل ” عائد” وأقل ” تكلفة”، وذلك في حدود الموارد المتاحة، أي في حدود ” الموازنة” المتاحة لكل فرد أو منشأة أو دولة.

ويفترض علم الاقتصاد أن الإنسان بطبيعة رشيد في سلوكه، بمعنى أنه يسعى بإمكانياته المحدودة إلى الحصول على أكبر أشباع لحاجاته. وبطبيعة الأحوال فان الأفراد يختلفون فيما يتعلق بتحديد أهمية احتياجاتهم، وبعض هذه الحاجات قد تبدو غير مقنعة للبعض.

أما ما قدمه الاقتصاديون من نظريات أو أفكار رئيسية فهي قليلة. ويمكن أن نعدد أهم هذه الأفكار الرئيسية بدءاً بما أشار أليه آدم وسميث حول أهمية ” تقسيم العمل والمبادلة”، كذلك هناك ما عرضه ريكارديو عن ظاهرة” تناقص الغلة “، ومايرتبط بها من ظهور “للريع”. وكان له كذلك فضل اكتشاف مفهوم ” المزايا النسبية” في تفسير المعاملات وخاصة الدولية. وبعد ذلك أبرزت المدرسة النمساوية مفهوم ” تناقص المنفعة الحدية”، ونجح مارشال – الاقتصادي الانجليزي –  في الربط بين “تناقص الغلة” مع “تناقص المنفعة” مؤكداً أن الثمن يتحدد في السوق من خلال الطلب والعرض عند أدنى منفعة حدية للمستهلكين وأعلى تكلفة حدية بين المنتجين. ويمكن أن نشير أيضاً إلى ما أبرزه الاقتصادي الإنجليزي الآخر – كينز- عن “الخداع النقدي” بمعنى أن العمال كثيراً ماينخدعون بالأجور النقدية بصرف النظر عن مستويات الأسعار، كما وجه كينز النظر إلى أهمية “التوقعات”، فالفرد لايتخذ قرارته على أساس مايراه من أسعار حالية، بل يتصرف أيضاً في ضوء توقعاته للاسعار المستقبلية. وهناك أيضاً الإضافة الهامة التي قدمها الاقتصادي / الرياضي فون نيومان الذي أوضح أن الكثير من المعاملات الاقتصادية لاتعدو أن تكون نوعاً من المباريات أو استراتيجيات الحرب حيث يحدد كل طرف استراتيجيته في ضوء مايعتقده عن استراتيجيات الطرف الآخر. وقد نضيف إلى ما تقدم فكرة “السلع العامة” والتي عمقها الامريكي سامويلسون، وهي السلع التي تهم الجماعة في مجموعها ولكن أحداً لايرغب في تحمل تكاليفها رغم أهميتها، ويرتبط بها فكرة “الانتفاع المجاني”. وربما باستثناء هذه الأفكار ، فكل ماكتب في الاقتصاد لا يعدو أن يكون تفصيلاً أو تعميقاً أو تطبيقاً لهذه الأفكار الأساسية.

لم يكن الغرض من هذا المقال عندما بدأته مناقشة علم الاقتصاد في ذاته، وأنما أردت أن أركز على فكرة محددة، وهي أن ملاحظة معظم الأفراد في تصرفاتهم اليومية وفي مختلف المجالات توضح أنهم يتصرفون بمنطق اقتصادي سليم دون حاجة إلى دراسة في علم الاقتصاد أو قراءة مؤلفات الاقتصاديين. وسوف اقدم بعض المشاهد من الحياة العامة.

وابدأ بما رأيته من حفيدي، وكيف وأنه – وعمره سنة – يتصرف تلقائياً تصرفات اقتصادية رشيدة، فهو يعرف أن لاشئ في الحياة دون تضحية أو تكلفة، وبالتالي يوازن بميزان دقيق بين التكلفة والعائد. فهو يريد أن تحمله أمه ( ابنتي)، ولكنها مشغولة، وليس لديه وسائل للضغط عليها سوى “الصراخ”، ورغم أن الصراخ مؤلم بالنسبة له، فان العائد يبرر هذه التكلفة، وبعد فترة من الصراخ تضطر الأم المسكينة أن تترك عملها وتحمله. وهو بذلك يكون قد عقد صفقة اقتصادية ناجحة، قليل من الصراخ مقابل منفعة هائلة من الاسترخاء على صدر أمه. وعندما قررت الأم انتهاج بعض الصرامة لتعويده على مزيد من الاعتماد على النفس بتركه يصرخ دون نتيجة، فانه اكتشف أن جدته ( زوجتي) أكثر ضعفاً، فما يكاد يصرخ حتى تسرع الجدة إليه لتحمله رغم اعتراض الأم. وأدرك هذا الشيطان الصغير الفرق بين الوضعين، فهو يصرخ عندما يرى جدته، ولا يفعل نفس الشئ مع امه. فهو قد اكتشف أن هناك سوقاً جديدة ( مع الجدة) تقدم أسعاراً للخدمة أفضل ( صراخ أقل) مما هو معروض في سوق الأم. هذا الرضيع اقتصادي بالطبع، ولكن الأمثلة تعدد.

اعرف عدداً من السيدات العاملات، طبيبات ومهندسات وأساتذة جامعات وخبيرات ماليين، وعدد غير قليل منهم يجيد الطبخ وأعمال المنزل بشكل أفضل عشرات المرات ممن لديهن من شغالات. فهن من هذه الناحية، افضل في أداء الخدمات المنزلية من الشغالات وبالتالي يتمتعن إزاءهن بميزة “مطلقة”، ولكنهن وعلى وجه القطع أفضل من الشغالات مئات المرات أن لم يكن أكثر في أمور الطب أو الهندسة أو الإدارة المالية. والنتيجة انهن اخترن القيام بالعمل المهني لأنهن يتمتعن فيها “بميزة نسبية”، تماماً كما قال ريكاردو. بل أن توزيع الأدوار بين الأزواج يستند إلى حد كبير إلى نفس المنطق. فالزوجة –  نتيجة لتاريخ طويل موروث وربما صفات جينية – افضل في أمور تربية الأطفال وإدارة شئون المنزل من الزوج الذي يكون قيامه بهذه الأعمال  – عادة – كارثياً. لذلك نجد الغالب أن يوزع العمل بين الزوجين بحيث يلتزم الزوج باكتساب الدخل من العمل خارج المنزل في حين تقوم الزوجة بتربية الأطفال وإدارة شئون المنزل. وانظر أيضاً إلى زوجة غير متعلمة وغالباً بلا موارد مالية خاصة، فأن زوجها يعتبر”رأس مالها” الوحيد، وعليها بالتالي تحافظ على هذا “الرأسمال” ولاتعرضه للغواية أو الضياع، ومن ثم فهي تقتنع بالمثال الشعبي، ” قصص طيرك، أحسن يطير لغيرك”، منتهى الحكمة. وفيما يتعلق بما يسمى “بالسلع العامة”، فأنت تدخل معظم العمارات فتجد المدخل وكذا الدرج وكل ما هو مرافق مشتركة في حالة مزرية من القذارة والأهمال، في حين أنك بمجرد دخول الشقق السكنية في نفس العمارة، تجد النظافة والترتيب وربما الأناقة. السبب هو أن كل تكلفة تبذل لنظافة الشقة في الداخل تعود على الساكن وأسرته، أما نظافة الأماكن المشتركة للعمارة خارج الشقة فسوف تعود على الجميع، ولا أحد يريد أن يتحمل هذه التكلفة لحساب الآخرين. فالسلع العامة تحتاج غالباً إلى تدخل السلطات العامة.

وعندما أضطر الاقتصادي الأمريكي جاري بيكر إلى مخالفة قواعد المرور بترك سيارته في “الممنوع”، لكي يصل لامتحان طالب في الدكتوراه في الموعد المحدد ، فانه اكتشف أنه أقترف جريمة – مخالفة بسيطة – لان لديه مصلحة أكبر في الوصول في الموعد المحدد. فدفعه ذلك إلى  دراسة سلوك المجرمين، وكذلك حالات التمييز العنصري، واكتشف أن معظم هذه الحالات تفسر في النهاية بأن هناك مصلحة للمجرم أو لمن يمارس التميز العنصري أكبر مما يلحق بهما من عقاب أو جزاء. وكان أن حصل بيكر على جائزة نوبل في الاقتصاد لأنه استخدم أدوات التحليل الاقتصادي في تفسير ظاهرة الجريمة والتميز العنصري. وعندما أراد جيمس بوكنان تفسير تفشي ظاهرة الإسراف وعدم الكفاءة وأحياناً الفساد في الإدارات الحكومية، وجد أن المسئول يحقق لنفسه منفعةً مباشرة من هذه الانحرافات في حين أن التكلفة تتحملها الموازنة العامة وتوزع اعبائها على المواطنين دافعي الضرائب، وبالتالي فان ما يلحقه من زيادة في الأعباء كمواطن قليل لأنه فرد من عدة ملايين، أما النفع نتيجة الإسراف أو التبديد فيعود عليه مباشرة بالكامل في شكل مرتبات أكبر وسفريات ومغريات أخرى. فالإسراف والتبديد في أموال الدولة  قرار رشيد بالنسبة للموظف العام عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين التكلفة والعائد. وكان أن حصل هو أيضاً على جائزة نوبل عن نظريته ” الاختيار العام”، لمعالجته أمور السياسة بأدوات الاقتصاد. والقائمة طويلة لمثل هذه الأمثلة.

 هل نستخلص من ذلك أن الطبيعة البشرية للأفراد خطر دائم على المجتمع، وأننا سوف نكون دائماً ضحية لهذا السلوك الأناني للأفراد؟ الحقيقة أن الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم بأقل التكاليف، ولكنهم أيضاً ونتيجة لهذه الرشادة في السلوك يستجيبون للحوافز أو الجزاءات التي يفرضها المجتمع على أفراده لمنع هذه الانحرافات أو تشجيعهم على تحقيق الصالح العام.

فالرأسمالي سوف يستمر في جشعه إذا لم يردعه أحد، ولكنه سوف يعدل سلوكه إذا كانت هناك ضرائب عادلة وربما تصاعدية، وإذا كانت هناك قوانين صارمة لمراقبة الاحتكار، ومعاقبة الكسب غير المشروع. وبالمثل فأن الحاكم سوف يطلق العنان لتطلعاته السلطوية ولنزعاته الاستبدادية، إلا إذا وجد قيوداً دستورية تحد سلطاته، وقواعد لتداول السلطة. وبالمثل فان المجرم سوف يعيد النظر في سلوكه إذا كانت هناك عقوبات رادعة، وبشرط أن تتوافر أيضاً فرص مناسبة للكسب المشروع، وهكذا.

وكما يرتدع الفرد نتيجة للقيود والجزاءات التي تحول دون جنوحة إلى الأضرار بالغير تحقيقاً لمصالحة الذاتية على حساب المجتمع، فأنه قد يندفع إلى أعمال البر والخير اذا وجد مايكفي من محفزات. فالإعفاءات الضريبية على التبرعات في أمريكا كانت أحد أسباب التوسع في العمل الخيري هناك، ووجود نظام الوقف الخيري في مصر كان دافعاً – في الماضي – للقيام بأعمال البر.

السلوك الرشيد أو الاقتصادي والمصالح الذاتية قد تكون خيراً أو وبالاً على المجتمع، وفقاً لمايضعه المجتمع من قواعد للمكافأة والعقاب ولنظم الحوافز والقيود السائدة في المجتمع. وهذه مسئولية المجتمع والنظام السياسي والاجتماعي.

الأهرام 16 مارس 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *