كوبنهاجن وعودة مالتس

قبل نهاية عام 2009، انعقدت قمة كوبنهاجن (7-18ديسمبر) لمناقشة مشكلة تغيرات المناخ وآثار التقدم الصناعي عليها وخاصة فيما يتعلق بالانبعاث الحراري وتأثيراتها على مستقبل البشرية. وإذ لم تحقق هذه القمة (اتفاق كوبنهاجن 2009) النتائج المأمولة في وضع حد للممارسات غير المسئولة بتجاهل التأثيرات المناخية للإنتاج الصناعي في الدول الصناعية المتقدمة وبعض الدول النامية (الصين والهند)، فقد أبرزت ـ من ناحية أخرى ـ زيادة الوعي العالمي بهذه المشكلة، وظهور رأي عام عالمي ـ في معظم الدول ـ للضغط على الحكومات ودوائر التأثير في النشاط الاقتصادي حفاظاً على مستقبل الكوكب الذي نعيش عليه. وقد وضح أمام الجميع أن السعي المحموم لدى العديد من الدول لزيادة “النمو الاقتصادي” أو لتعظيم “الأرباح” لدى معظم الشركات الكبرى، قد تكون له عواقب بالغة الخطورة على مستقبل البشرية. وبذلك أعادت هذه القمة طرح موضوع “النمو الاقتصادي” كهدف وحيد لتقدم البشرية، وأظهرت ما يرد عليه من تكلفة، والتي قد تكون فادحة بل وقد تهدد استمرار الحياة نفسها. وإذا كان “علم الاقتصاد”، هو بشكل عام علم حسابات المنفعة والتكلفة، فيبدو أننا في اندفاعنا لزيادة الإنتاج بأي ثمن قد نسينا ـ أو تناسينا ـ التكاليف المدمرة لذلك على الطبيعة، ومن ثم على مستقبل الحياة. وبذلك لم يعد “النمو” هدفاً مطلقاً أو بلا حدود، وإنما هناك مقايضة بين منافع “النمو” وتكاليفه.

 

ويعيد هذا الحديث عن “حدود النمو” إلى الذاكرة كتابات الاقتصادي الانجليزي مالتس في بداية القرن التاسع عشر. وكان كتاب مالتس عن “السكان” وكذا كتاب زميله ريكاردو عن “الاقتصاد السياسي”، صدمة لروح التفاؤل التي غلبت على العصر والتي أشار إليها آدم سميث في “ثروة الأمم”، عندما بين هذا الأخير أن “الثورة الصناعية” ـ ولم يكن هذا الاصطلاح قد ظهر بعد ـ تبشر بالرخاء نتيجة الحرية الاقتصادية والتوافق بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة. قد جاء اكتشاف ريكاردو لظاهرة “تناقص الغلة”، كدش بارد على هذه النظرة التفاؤلية، وازدادت الصورة قتامة بمقولة مالتس بأنه لافائدة من النمو لأن كل زيادة في الإنتاج سوف تؤدي إلى زيادة السكان، وبالتالي تلتهمها زيادة الأفواه الجائعة. ولذلك فلا مفر ـ عند مالتس ـ من بؤس الفقراء. فالتقدم الاقتصادي وإن كان يغني الأثرياء الذين تتحسن أحوالهم بزيادة الأرباح، فإنه يبقى مصير العمال والفقراء محتوماً. فكل زيادة في الأجور سوف تصحبها زيادة مقابلة في إعداد أولادهم، وتظل الأجور عند مستوى الكفاف. وهكذا اصطبغ الفكر الاقتصادي بهذه النظرة التشاؤمية حتى قيل عن الاقتصاد بأنه “العلم الكئيب“.

 

ولحسن الحظ، جاء نجاح “الثورة الصناعية” خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مكذباً نظريات ريكاردو ومالتس في تفسير الواقع. فإذا كانت الزراعة تعرف “تناقص الغلة”، فقد جاء من يقول بأن الصناعة ـ على العكس ـ تعرف “تزايد الغلة” مع الإنتاج الكبير والفورات الاقتصادية

economies of scale. وعلى أي حال فإن مفهوم “تناقص الغلة” ليس عيباً في الاقتصاد بقدر ما هو “ميزة” حيث أبرز أهمية تحقيق التوازن في استخدام مختلف عناصر الإنتاج، ومن ثم زيادة الكفاءة. وهكذا تحولت مقولة ريكاردو المتشائمة إلى “نعمة” ساعدت على تقدم علم الاقتصاد بظهور ما عرف “بالتحليل الحدي”، الذي هو أساس التفكير الاقتصادي المعاصر. وهكذا استعاد ريكاردو مكانته.

 

أما مالتس فقد ظل وحده نذير شؤم بين الاقتصاديين. وأمام هذه التنبؤات المتشائمة، جاء الازدهار الاقتصادي للدول الأوربية ثم للولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم في القرن العشرين كاشفاً عن قصور أفكار مالتس. فالثورة الصناعية ـ في هذه الدول ـ لم تؤد فقط إلى زيادة الإنتاجية بما يفوق الزيادة السكانية، بل أنها قد أدت ـ عملاً ـ إلى تناقص معدلات المواليد في معظم الدول الصناعية. فالثورة الصناعية أحدثت تغيرات مقابلة في سلوك الأفراد وخاصة فيما يتعلق بإعداد المواليد داخل كل أسرة، حيث أصبحت العائلة تقتصر على طفلين أو ثلاثة. وهكذا لم ينحصر تأثير الصناعة في المجتمعات الغربية على النواحي التكنولوجية بل أن آثارها الاجتماعية لم تكن أقل أهمية. فالصناعة ليست مجرد الآلات والمصانع ولكنها وبالدرجة الأولى تغيير في السلوك البشري، وتغيير للبواعث البشرية بتفضيل الرفاهة على الإنجاب. وبذلك ارتبطت الصناعة بزيادة الرفاهية ومستوى الدخول. وهكذا بدا وكأن مالتس قد فشل كلياً في تحليل مشاكل العصر الحديث. وكان من المتوقع أن يختفي مالتس من الساحة تماماً.

 

ومع ذلك لم يختف مالتس، بل كان يختبئ ـ هذه المرة ـ في دول العالم الثالث في مصر والهند وبنجلادش وأمثالها، وليس في معقل الصناعة في إنجلترا أو غيرها في أوربا والولايات المتحدة. لقد أخذ التصنيع شكلاً مختلفاً في دول العالم الثالث. حقاً، لقد أفادت هذه الدول من التصنيع ومن التقدم العلمي بصفة عامة، ولكن النتيجة المباشرة للاندماج في العالم الصناعي لمعظم هذه الدول كانت نقصاً معدلات الوفيات بشكل كبير مع استمرار معدلات الولادة على ما هي، وبالتالي عرفت دول العالم الثالث ـ مع الثورة الصناعية ـ طفرة في السكان. فرغم الثورة الصناعية ـ أو ربما بسببها ـ أصبح العالم الثالث يمثل أكثر من ثلثي سكان العالم، وأهم من هذا أصبح المسئول الرئيسي عن الزيادة السكانية في العالم، في الوقت الذي تعرف بعض الدول الصناعية ـ خاصة في أوربا ـ تناقصاً مستمراً في أعداد سكانها. وإذا صدق علماء التاريخ البشري، بأن الإنسان بشكله المعاصر homo sapiens  قد ظهر منذ ما يزيد على نصف مليون سنة، فقد بلغ عدد سكان الأرض رقم المليار لأول مرة في بداية القرن التاسع عشر ـ حوالي سنة 1820 ـ وهم الآن يجاوزون 6.5 مليار نسمة. لقد احتاجت البشرية إلى مئات الآلاف من السنين حتى تبلغ المليار نسمة، وفي خلال القرن العشرين وحده تم إضافة أكثر من أربعة مليارات من البشر، كان العالم الثالث مسئولاً عن أغلبها. وهكذا عاد مالتس من جديد ليصف أحوال العالم الثالث دون الدول الصناعية.

 

ولكن نظرية مالتس لم تكن فقط نظرية للتزايد السكاني، بل أن الجزء المكتمل لها هو أن الموارد الطبيعية لاتستطيع مجاراة الزيادة السكانية. وكانت نظريته تقوم على أن الزيادة السكانية تزيد بمتوالية هندسية في حين أن المواد الغذائية (الموارد الطبيعية) لاتزيد إلا بمتوالية حسابية. وبذلك فإن جوهر نظرية مالتس هو أنها نظرية لحدود النمو حيث لاتلاحق الموارد الطبيعية النمو السكاني. وفي عام 1972 أصدر “نادي روما” ـ أحد منظمات المجتمع المدني ـ تقريراً هاماً بعنوان “حدود النمو” ، معيداً أفكار مالتس إلى الساحة بشكل مختلف، ومقرراً أن للنمو حدوداً ليس فقط نتيجة لزيادة البشر، وإنما أيضاً من حيث مدى توافر الموارد الطبيعية. ولذلك لم يقتصر هذا التقرير على بيان آثار الزيادة السكانية على الأداء الاقتصادي، وإنما أشار إلى أهم ما يرد عليه من قيود، وخاصة فيما يتعلق بمدى توافر الموارد الطبيعية. ومن هنا بدأت تظهر قضية البيئة ومدى قدرتها على استيعاب آثار النمو الاقتصادي.

 

النمو الاقتصادي ليس منحة بلا ثمن ولاهو يتم بدون تكلفة في عالم غير محدود. فنحن نعيش في عالم محدود، والبيئة ليست وعاء بلا قرار لاستيعاب مخلفات الإنتاج وعوادمه، كما أن الموارد الطبيعية لاتوجد بكميات غير محدودة. البيئة أمانة في أعناقنا ولابد وأن نعاملها برفق ومسئولية عند الإنتاج والاستهلاك. فهناك تكلفة اجتماعية تتمثل في إفساد البيئة بما يلقى فيها من عوادم في البحار والأنهار، أو ما يتسرب إليها في الهواء من غازات ومواد سامة، أو ما يترتب على إهدار الغابات واستنفاد المواد الأولية وإفناء العديد من الكائنات الحية. النمو الاقتصادي لم يعد هدية مجانية من الطبيعة، ولكنه يتم بثمن تتحمله البيئة، وقد يكون ثمناً مرتفعاً رغم أنه مؤجل. إهدار البيئة أقرب إلى قنبلة زمنية قد نلهو بها الآن، ولكنها تعرض حياة الأجيال القادمة لغير قليل من المشاكل، بل إنها قد تهدد أصل الحياة نفسها.

 

لقد تصورنا أننا طردنا مالتس من حياتنا مع ظهور نتائج الثورة الصناعية في الوفرة والرخاء، وظنت الدول الصناعية ـ في مرحلة تالية ـ أنها تجاوزت تماماً تحذيرات مالتس عن خطورة الزيادة السكانية، التي لم تعد سوى مشكلة للدول الفقيرة والنامية. ولكن يبدو أن مالتس قد عاد ليطل علينا من جديد ليحذر ـ الدول الصناعية بالدرجة الأولى ـ من مخاطر الصناعة نفسها بإهدار البيئة وتهديد مستقبل الأجيال القادمة، كما سبق أن حذر البشرية من قبل من مخاطر الازدحام السكاني.

 

رسالة مالتس رسالة مزدوجة لكل من العالم الصناعي ودول العالم الثالث. الصناعة في حاجة إلى التهذيب والمسئولية، كما أن السكان في حاجة إلى الانضباط والاعتدال. هذه رسالة ما لتس. ويبدو أن مالتس أخطر بكثير مما تصورنا أول الأمر… والله أعلم.

الأهرام: 7 مارس 2010


Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *