لا عدل دون حرية

الدكتور سمير تناغو صديق قديم ورفيق درب لما يقرب من نصف قرن. تزاملنا في البعثة إلى فرنسا، وعملنا سوياً في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، وأمضينا معاً سنوات في الكويت. وفوق كل هذا وذاك هناك تقدير واحترام متبادل وعلاقات ود مستمرة خلال هذه الفترة الطويلة.

نشر الدكتور سمير تناغو مقالاً في الأهرام بتاريخ 23 فبراير 2006 بعنوان “العدل أسمى من الحرية”. وكان قد أرسل لي نسخة من المقال قبل نشره. وقد وجدت من المناسب أن أطرح حوله بعض الملاحظات للمناقشة العامة، خاصة وأن النشر جاء في وقت تتفاعل فيه الحياة العامة في مصر للمطالبة بالحريات السياسية. فعنوان المقال قد يبدو، في هذا الظرف بالذات، وكأن الحرية، ورغم أهميتها، لا تسمو إلى مقام “العدل”. والعنوان المختار للمقال لابد وأن يستحضر في الذهن الدعوة الشائعة والتي سادت – للأسف – عند عدد من المفكرين العرب بحثاً عن “المستبد العادل”. وكانت النتيجة أن عاشت معظم دول المنطقة العربية في ظل الاستبداد دون أن تعرف العدل.

والدعوة إلى سمو العدل وأسبقته على الحرية ليست جديدة ولها أنصار متعددون. قامت حركة التنوير في أوروبا منذ القرن الثامن عشر على دعائم من الحرية والفردية والعقلانية. وكان نجاح الثورة الفرنسية وشعارها عن “الحرية والمساواة والإخاء” تعبيراً عن انتصار دعوة الحرية. وإذا كان شعار الثورة قد تضمن “المساواة” أيضاً، فقد فهمت المساواة حينذاك بأنها المساواة أمام القانون أو المساواة في الفرص، وليس المساواة في الواقع أو في الظروف الاقتصادية. ومن هنا جاءت الأفكار الاشتراكية وخاصة الماركسية تعيب على هذه الثورة البورجوازية نظرتها الفردية ومفهومها عن المساواة النظرية أو القانونية. فهاجمت الاشتراكية هذا المفهوم مطالبة بضرورة تغيير المجتمع وإقامة مجتمع المساواة والعدل. “فالخبز قبل الحرية”. والحرية وحدها لا تكفي ولابد من العدل قبلها، فالعدل يسمو على الحرية. وهنا نجد أن “للعدل” مضموناً محدداً، وهو تحقيق المساواة بين الأفراد، والمقصود هنا المساواة الاقتصادية الفعلية وليس مجرد المساواة النظرية أمام القانون.

وكنت قد أصدرت في منتصف الثمانينات كتاباً بعنوان “في الحرية والمساواة” استناداً إلى مقال بنفس العنوان نشر لي في الأهرام في 26 يونيو 1973 وجاء فيه “الرأي عندي هو أن الحرية والمساواة هما معاً أعمدة أي نظام سياسي ناجح، إلا أن الحرية هي الأساس وينبغي أن يكون لها دائماً الأسبقية. وليس المقصود بالحرية هنا فقط أشكال الحكم الديمقراطي وسيادة القانون بل أيضاً الاعتراف بحقوق أساسية للفرد لا يمكن المساس بها ولو بموافقة الأغلبية”. هذا ما نشرته منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وكانت حجتي الأساسية – بعيداً عن أي جدل فلسفي – مستمدة من التجربة التاريخية المعاصرة. فالدول الديمقراطية والتي أعلنت اعتناقها لمبادئ الحرية نجحت – إلى حد بعيد – في تحقيق الحريات العامة فضلاً عن أنها قطعت أشواطاً بعيدة على طريق العدالة الاجتماعية. وعلى العكس فالدول التي تبنت المذاهب الاشتراكية، فإنها – وبلا استثناء – قضيت على الحريات في نفس الوقت الذي لم تحقق فيه العدالة أو المساواة. فأعضاء الحزب والطبقة الحاكمة يرفلون في رغد العيش في حين يعاني جمهور الناس من شظف الحياة. ولذلك فإنني أردت في تلك الكتابات أن أؤكد على أهمية الحرية وأسبقيتها على المساواة. ليس لأن الحرية كقيمة إنسانية أعلى أو أفضل من المساواة، وإنما لأن التجربة التاريخية قد أوضحت أن نظم الحرية تحقق عادة الحرية وتتقدم كثيراً على طريق العدالة الاجتماعية، في حين أن النظم التي ادعت العمل من أجل المساواة فإنها – في الواقع – قضت على الحريات ولم تحقق المساواة.

ولذلك فعندما أرسل لي الدكتور تناغو مقالة عن “العدل أسمى من الحرية”، فقد كنت أتوقع أن أجد من ناحية تعريفاً للعدل، ومن ناحية أخرى مبررات لسمو العدل على الحرية. ولكن عند قراءتي للمقال لم أجد كلمة واحدة عن المقصود “بالعدل”. فهل هو المساواة؟ وهل هو المساواة أمام القانون فقط أم المساواة في الظروف الاقتصادية أيضاً؟ وإذا كان العدل هو الخضوع للقانون، فأي قانون نقصد؟ هل هو القانون الوضعي أم القانون الطبيعي؟ ومن يحدد هذا القانون الأخير؟ وهل القانون الطبيعي هو أيضاً القانون الإلهي، وبالتالي فربما يكون “الإسلام هو الحل؟” ولكن هناك إشارة إلى أن القانون الطبيعي هو القانون العقلي، فعن أي عقل نتكلم؟ عقل الحاكم؟ وهل هو أي حاكم، يستوي في ذلك الحاكم المنتخب ديمقراطياً مع الحاكم غير الديمقراطي؟ وهناك إشارة في المقال إلى العقل المجرد؟ فأين نجده؟ هل عند العلماء؟ هل عند الفقهاء؟ أم في المحكمة الدستورية؟ هذه أسئلة لم أجد لها جواباً. وإذا كان العدل أسمى فعلاً من الحرية، فلا أقل من أن نعرف ما هو العدل، وأين نجده؟

وعندما تأملت المقال بإمعان أكثر وجدت أن الدكتور سمير تناغو قد ناقش قضية أخرى تماماً رأى أنها تمثّل أهم مشكلة فلسفية، وهي العلاقة بين إرادة الإنسان والقانون، أو هي “العلاقة بين حرية الإنسان والقانون”، وبالفعل جاء المقال بأكمله عن هذا الموضوع دون مناقشة لقضية العدل.

أما علاقة الحرية بالقانون، والتي تناولها الدكتور تناغو في مقاله، فإنها في الحقيقة هي جوهر قضية الحرية ذاتها. وذلك بصرف النظر عن موضوع العدل أو العدالة. فالحرية دائماً مقيدة، وليس هناك حرية مطلقة، ولا أحد يتكلم عن الحرية المطلقة دون قيود من القانون ربما باستثناء بعض الأفكار الفوضوية غير المسئولة. فالجميع يرى أن الحرية مقيدة دائماً بالقانون. ولكن السؤال أي قانون؟

والحقيقة أن مفهوم الحرية لم يكن واحداً، مما دعا المفكر الفرنسي بنيامين كونستانت Constant إلى التمييز في كتابة عن “الحريات القديمة والحديثة” 1819 بين المفهوم القديم والحديث. فوفقاً “للمفهوم القديم”  للحرية، والذي يجد جذوره في الفكر والممارسات الديمقراطية في المدن اليونانية، فإن الحرية تعني المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية. فقد كان مفكرو الإغريق – ومن بينهم أرسطو – يفرقون بين الأحرار والعبيد. وللأحرار وحدهم – وكانوا أقلية – حق المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية في شكل من أشكال الديمقراطية المباشرة والتصويت عليها بالأغلبية. أما الحرية في “المفهوم الحديث” فهي – كما يذكر كونستانت – وليدة الفكر الليبرالي كما استقر مع جون لوك، وهي تجاوز الحق في المشاركة في القرارات السياسية لتصبح دعوة إلى الفردية بالاعتراف بمجال خاص يتمتع فيه الفرد بحرية واستقلال دون تدخل أو إزعاج. وبذلك يقوم هذا المفهوم على الاعتراف بحقوق أساسية “للإنسان” لا يجوز المساس بها ولو بقوة القانون أو بموافقة الأغلبية. وجاء الفيلسوف إيزيا برلين Isiah Berlin وميز بين “الحريات السلبية” والتي تقترب جداً من المفهوم الليبرالي حيث تتطلب عدم التدخل وحماية الحقوق الأساسية للفرد. أما “الحريات الإيجابية” فهي تتطلب تدخل الدولة والمجتمع لتمكين الفرد من ممارسة حقوقه وذلك بتوفير حد أدنى له من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا يتضح أننا عندما نتحدث عن الحرية فإننا قد نعني أشياء مختلفة، ويمكن في هذا الصدد أن نميز – على الأقل – بين ثلاثة مفاهيم للحرية. هناك المفهوم “الجمهوري” Republican وهو يشير إلى مشاركة الأفراد في الحياة السياسية باختيار الحكام ومساءلتهم. وهناك المفهوم “الليبرالي” Liberal والمقصود به الاعتراف بحقوق أساسية أو طبيعية للفرد لا يجوز المساس بها. وهناك أخيراً المفهوم “المثالي” Idealist أو الاقتصادي للحرية، والمقصود به تحقيق الشروط اللازمة لتمكين الفرد من ممارسة اختياراته وذلك بتوفير حدود دنيا من المزايا الاقتصادية والاجتماعية.

بقي أن نشير أن علاقة الحرية بالقانون قد تناولها فلاسفة العقد الاجتماعي وخاصة هوبز ولوك وروسو. وكان أقدمهم هو هوبز الذي رأى أن فكرة المجتمع السياسي قد ظهرت لحماية حقوق الأفراد وأمنهم واستخلاصهم من حالة الفوضى والوحشية، وجاء “العقد الاجتماعي” ليؤسس لهذه العلاقة فيما  بين الحاكم والمحكومين لضمان أمن الجماعة وحقوق الأفراد. وقد انتهى هوبز إلى تأييد “الملكية المطلقة” لأن غير ذلك سوف يؤدي إلى الفوضى والعودة من جديد إلى حالة الوحشية. وقريب من ذلك ما رآه بعض فقهاء السنة من ضرورة طاعة ولي الأمر ولو كان مستبداً، لأن “حاكماً جائراً خير من الفتنة”، أو “حاكم غشوم خير من فتنة تدوم”. وليس ذلك قبولاً للاستبداد بقدر ما هو خوف من الفتنة أو الفوضى، فهو قبول بالسيئ بدلاً من الأسوأ. ومن هنا فقد جاءت أفكار لوك أكثر تقدماً، فهو لا يرى أن “العقد الاجتماعي” هو رخصة مطلقة للحاكم، بل هو أساس “للملكية الدستورية”، فالحاكم مقيد باحترام حقوق الأفراد. ولا يعقد “العقد الاجتماعي” عند روسو بين أفراد الشعب وبين الملك أو الحاكم، وإنما هو عقد بين أفراد الشعب فيما بينهم، وعن طريقه تتحقق “الإرادة العامة” للأمة وعنها تصدر القوانين. ويأتي بعد ذلك الفيلسوف كانط Kant الذي يؤكد الدكتور تناغو أنه صاحب مبدأ “سلطان الإرادة” باعتباره أساساً للقانون الأخلاقي وبالتالي القانون. ولكن أليس مبدأ “سلطان الإرادة” تعبيراً آخراً عن حرية الفرد؟ فالحرية، تبدو أيضاً عند كانط، أنها أساس القانون. وباستناد القانون إلى الحرية يتحقق العدل.

وفي كل هذا لم يتصور أحد أن تتعارض الحرية مع القانون أو أن تخرج عليه. فالحرية لا تقوم إلا في دولة القانون The Rule of Law حيث يخضع فيه الجميع للقواعد وليس للأهواء الشخصية لشخص الحاكم. ولكن تقييد الحرية بالقانون، لا يعني أن القانون نفسه لا يتقيد باعتبارات الحرية. فالقانون قيد على الحرية ولكنه ضمان لها أيضاً.

وإذا كانت الحرية وفقاً لما تقدم من مفاهيم تعني مشاركة الأفراد في القرار السياسي ومساءلة الحاكم (المفهوم الجمهوري)، وتضمن احترام الحقوق الأساسية لهم (المفهوم الليبرالي)، وتعمل على توفير حدود دنيا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد (المفهوم المثالي)، فإن الحرية بهذه المفاهيم المتكاملة هي أساس القانون، وهي بذلك لابد وأن تحقق العدل أيضاً أياً كان تعريف العدل. وبهذا فقط يمكن القول بأن “العدل أساس الملك”. والعدل والاستبداد نقيضان لا يلتقيان، و”المستبد العادل” وهم وخديعة. ومع غياب الحرية فإننا لا نفقدها وحدها وإنما نفقد العدل معها.   والله أعلم

 الاهرام: 5.3.2006                                                                            

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *