لماذا أُفضل النظام البرلمانى

ليس هذا المقال الأول الذي أدعو فيه إلى الأخذ بالنظام البرلماني. ولأن القضية هامة، فلم أجد بأساً من إعادة الكتابة في الموضوع. ونقطة البدء هي أنه لا يوجد نظام مثالي، فلكل نظام مزاياه وعيوبه، والاختيار ليس اختياراً بين نظام حسن ونظام سيء، ولكنه ترجيح لاعتبارات يعتقد البعض أنها مبررة، وربما يجد آخرون أنها ليست كذلك.

وسواء اخترنا النظام البرلماني أو النظام الرئاسي، فإن الأمر ليس قاطعاً وحاسماً. فالحقيقة هي أن معظم النظم الدستورية تضم خليطاً من عناصر مختلفة، فلا يوجد نظام برلماني خالص، أو نظام رئاسي كامل، فالكثير من النظم الدستورية تغلب أحد النظامين مع تطعيمها بعناصر من النظام الآخر.

وربما تكون البداية الفلسفية لكل من النظامين هي أفكار مونتسكيو في ضرورة الفصل بين السلطات، لأن آفة الاستبداد هي في تركيز السلطة في يد حاكم أو هيئة، “فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.” ومن هنا فالفصل بين السلطات يمنع أو يحد من احتمال الاستبداد حيث توقف السلطة السلطات الأُخرى. ومع ذلك فقد جاء “النظام البرلماني” وليد تجربة تاريخية طويلة، كان الحكم الملكي المطلق فيها هو الأساس. وقد بدأ الإصلاح ـ خاصة في إنجلترا ـ على مراحل، تنازل فيها الملك تدريجياً عن سلطاته للشعب ممثلاً في البرلمان (خصوصاً مجلس العموم). وانتهى الأمر بالأخذ بالملكية الدستورية، وحيث يباشر الملك سلطاته من خلال الأجهزة الشعبية الممثلة في حكومة الأغلبية والبرلمان. وبذلك أصبح الملك رمزاً أو حكماً بين السلطات دون أن يباشر السلطة فعلياً. “فالملك يملك ولا يحكم”، والحكم هو للشعب من خلال ممثليه في البرلمان الذي يختار الحكومة من بين الأغلبية حيث تقوم بأداء وظائفها تحت رقابة البرلمان. وعند أي خلاف بين الحكومة والبرلمان، فإن الحكومة تستقيل إذا سحب البرلمان الثقة عنها، أو تقوم الحكومة بحل البرلمان والالتجاء إلى إجراء انتخابات جديدة. ويقوم رئيس الدولة في النظام البرلماني بدور حاسم في مثل هذه اللحظة، إما بقبول استقالة الحكومة لفقدها ثقة البرلمان، أو بدعم رغبة الحكومة في إجراء انتخابات جديدة والعودة إلى صندوق الانتخاب للفصل في هذا الخلاف. فرئيس الدولة يصبح في مثل هذه اللحظة بمثابة الحكم بين الطرفين، وهو حكم مؤقت في النهاية، إذ يظل الحكم النهائي هو لرغبة ممثلي الشعب في البرلمان القائم أو مع برلمان جديد. هذا هو جوهر النظام البرلماني. فليس صحيحاً أن رئيس الدولة يقتصر دوره على أداء وظيفة شرفية. فالرئيس في النظام البرلماني، ورغم أنه بعيد عن الممارسة ليومية للسياسية، فإن تدخله يصبح مؤثراً وحاسماً في لحظات الأزمة، والمفروض أنه يعلو على السياسة الحزبية ويمثل المصلحة العليا للبلاد باعتباره رمزاً للدولة وحامياً للدستور، وبذلك تظهر أهمية تدخله في مثل هذه اللحظات الدقيقة سواء بأخذ جانب الحكومة وحل البرلمان، أو بترجيح وجهة نظر البرلمان وإقالة الحكومة وإجراء انتخابات جديدة. وقد كانت التجربة البريطانية هي مصدر إلهام مونتسكيو.

ويتضح مما تقدم أن ظهور النظام البرلماني في انجلترا قد مهد السبيل الأفكار مونتسكيو في أهمية الفصل بين السلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية. ولكن هذا الفصل ليس كاملاً أو مطلقاً،والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون كذلك. فالحكومة تحتاج إلى القوانين، والقوانين يسنها البرلمان. ولذلك فإن التعاون بين السلطتين يصبح أمراً لازماً. كذلك هناك الميزانية وهي أهم عنصر لأداء الوظيفة الحكومية. والبرلمان هو الذي يوافق على الميزانية ـ بناء على اقتراح الحكومة ـ وبها يتحدد حجم نشاط الحكومة ومداه. كذلك يراقب البرلمان الحكومة في تنفيذها للميزانية. والميزانية بهذا الشكل هي شريان الحياة بالنسبة للحكومة، وبدون ميزانية فإن الحكومة تصبح عاجزة تماماً. ولذلك فإنه رغم الفصل نظرياً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإن دولاب العمل لا يمكن أن يستمر دون تعاون كامل بين المؤسستين. ولذلك أصبحت الحكومات البرلمانية هي حكومات الأغلبية في البرلمان. كذلك فإن هذا المبدأ للفصل بين السلطات قد تم تهذيبه بتوفير نوع من التوازن بين السلطتين. فالبرلمان يملك حق سحب الثقة من الحكومة (أو من أحد الوزراء) إذا أخلت بالقيام بوظائفها على النحو المطلوب. وبالمقابل فإن الحكومة تملك حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، إذا رأت أن موقف البرلمان متعسفٌ ولا يتفق مع الرغبات الشعبية. وهنا يكون الحكم النهائي في هذه الحالة هو لصندوق الانتخاب. ويقوم رئيس الدولة في هذه الحالة بدور حاسم ـ باعتباره رمزاً للبلاد ـ لترجيح كفة أحد الاتجاهين على الآخر. وهكذا، فالفصل بين السلطات في النظام البرلماني لم يعد مطلقاً بل هو يتطلب أيضاً التعاون بين السلطتين مع تحقيق التوازن لكليهما حيث يملك كل منهما سلاح في مواجهة الآخر، فالبرلمان يتمتع بحق سحب الثقة من الحكومة ودعوتها إلى الاستقالة، كما تملك الحكومة حق حل البرلمان والعودة إلى الشعب. ولذلك فأهم ما يميز النظام البرلماني في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية هو أنه مع الاعتراف بضرورة الفصل بينهما، فإنه لا يتجاهل، في نفس الوقت، أهمية التعاون والتوازن بينهما.

وعندما قامت الثورة الأمريكية رفضت فكرة الملكية واختارت النظام الجمهوري، وحاولت تطبيق أفكار منتسكيو حرفياً في الفصل الكامل وشبه المطلق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فرئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية، وهو منتخب مباشرة من الشعب، ولذلك لا يجوز للبرلمان سحب الثقة منه أو عزله ـ إلا في حالات الخيانة أو الجرائم. والبرلمان وهو مكون في الولايات المتحدة من مجلسين،ينتخب هو الآخر من الشعب مباشرة، ولا يجوز لرئيس الجمهورية حله والعودة إلى صندوق الانتخاب. ومع ذلك يملك البرلمان ـ وحده ـ سلطة الموافقة على الميزانية، وإذا لم يوافق عليها تتعطل الأعمال، ونصل إلى طريق مسدود. فلا الحكومة تستطيع حل البرلمان والعودة إلى صناديق الانتخاب، ولا البرلمان قادر على سحب الثقة من الحكومة ودعوتها إلى الاستقالة. فأهم ما يميز “النظام الرئاسي” هو الاستقلال شبه الكامل لكل من السلطتين التنفيذية والتشريعية تجاه الأُخرى، فلا يمكن لأحدهما أن يزيل الآخر، بسحب الثقة من الحكومة أو بحل البرلمان والعودة للانتخاب. وعندما تصل الأمور إلى مثل هذا الوضع ، فإننا نكون إزاء مأزق شديد قد ينتهي بتعطيل الأعمال، كما حدث مع كلينتون عندما رفض الكونجرس ميزانيته، أو حتى مع أوباما في عرقلة برنامجه للتأمين الصحي. وكثيراً ما أدى هذا التعنت إلى أوضاع متناقضة في السياسة الأمريكية. فالرئيس الأمريكي ولسن والذي دعا قبل نهاية الحرب الأُولى إلى السلام العالمي وإنشاء منظمة عالمية للسلام (أصبحت فيما بعد عصبة الأمم) لم يستطع الحصول على موافقة البرلمان على اتفاقيتها، فلم تدخل أمريكا هذه المنظمة الدولية التي جاءت فكرتها من الرئيس الأمريكي نفسه. كذلك حدث نفس الشيء مع المنظمة العالمية للتجارة في 1947، حين رفضت الولايات المتحدة التصديق على اتفاق إنشائها إلى حين أمكن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة بعد نصف قرن في 1994. ويكون الحل عادة في مثل هذه الأحوال من التعارض بين مواقف السلطتين التنفيذية والتشريعية، هو تعطيل الأعمال والالتجاء إلى نوع من أنصاف الحلول للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة. وغالباً ما تكون أنصاف الحلول هي أسوأ الحلول. وهكذا تظهر هذه المشاكل عندما يواجه “النظام الرئاسي” الأمريكي مشكلة عند اختلاف الحزب الذي يسيطر على انتخابات الرئاسة عن الحزب الذي يسيطر على البرلمان. فهنا تصبح السياسة أشبه بعربة يجرها حصانان يجريان في اتجاهات متعارضة. وهو نفس الوضع الذي واجهه النظام الفرنسي في ظل رئاسة ميتران عندما اضطر إلى اختيار خصمه السياسي شيراك رئيساً للوزارة بعد أن فاز بالانتخابات التشريعية،.وتكرر الأمر مع شيراك نفسه عند اضطراره لاختيار الاشتراكي جوسبان. وهكذا فإن الفصل المطلق بين السلطات يؤدي في “النظام الرئاسي” إلى مخاطر عدم الانسجام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويمثل هذا أهم مظاهر الاختلاف بين النظامين البرلماني والرئاسي.

ويضيف البعض إلى مزايا النظام الرئاسي، مقولة أن هذا النظام، وحيث يتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية، فإنه يقوي هذه السلطة، وهو الأمر الذي لا يتحقق بنفس الدرجة في النظام البرلماني. وهي مقولة غير صحيحة، فالتاريخ يخبرنا بأن تشرشل كان رئيساً قوياً في إنجلترا وكذا كان اديناور في ألمانيا ونهرو في الهند واردوغان في تركيا والقائمة طويلة. فقوة رئيس الوزراء في النظم البرلمانية كثيراً ما تجاوز سلطات ونفوذ رئيس الجمهورية في الدول الرئاسية. وهناك ملاحظة أُخرى لا تقل خطورة، وهي أنه رغم أن رئيس الوزراء في النظام البرلماني يتمتع، في الواقع بنفوذ وقوة هائلة، فإنه يصعب ـ في نفس الوقت ـ أن يصبح محلا “لعبادة الفرد”، كما يحدث كثيراً في الدول الرئاسية. فأخطر ما تتعرض له النظم الرئاسية هي أن تتحول إلى “نظم شخصية” تعمل بشكل حسيس على تقديس شخص الرئيس و”عبادة الفرد”،ويساعد على ذلك وجود رئيس جمهورية مسيطراً تماماً على السلطة التنفيذية بدون منازع ومتمتعاً بنفوذ كبير وطاغ.وقد عانت مصر كثيراً من هذا الخطر في ظل رؤسائها الثلاثة السابقين. أما في “النظام البرلماني”، فمع وجود رئيس للدولة غير تنفيذي، فإنه يصعب اتجاه “النظام البرلماني” إلى تعبئة الناس لعبادة الفرد سواء كان رئيساً للجمهورية أو رئيساً للوزراء. “فالنظام البرلماني” محصن ضد عبادة الفرد، فالرئيس الأعلى للبلاد (الملك أو رئيس الجمهورية) لا يتمتع بدور تنفيذي واضح، ويكون دوره محدوداً في الأوضاع العادية، رغم أن هذا التدخل قد يكون حاسماً في اللحظات الحرجة. ومثل هذا الرئيس لا يمكن أن يصبح “موضوعاً لعبادة الفرد”، وفي نفس الوقت فإن رئيس الوزراء وهو يعمل من الناحية النظرية والبروتوكولية تحت رئيس الدولة، فإنه لا يصبح بدوره مركزاً للقدسية. وينبئنا التاريخ إن هتلر حين دعي لرئاسة الوزارة في ألمانيا في جمهورية فيمار البرلمانية، فإنه لم يتحول إلى ديكتاتور إلا بعد وفاة رئيس الجمهورية هيدنبرج، حيث أصر هتلر على إبقاء المنصب شاغراً بحيث يظل هو الوحيد في الصورة، مما ساعده على خلق المناخ المناسب “لعبادة الفرد”،وهو أمر ما كان يمكن أن يتحقق مع وجود رئيس غير تنفيذي للدولة.

بقي أن أعيد تكرار ما سبق أن أشرت إليه من أن نجاح النظام الرئاسي خارج الولايات المتحدة هو أمر نادر، وأن نجاح الديمقراطية في الولايات المتحدة لا يرجع فقط إلى خصائص النظام الرئاسي في ذاته وإنما بالدرجة الأولى إلى أنها دولة فدرالية، لا يتمتع الرئيس أو السلطة التنفيذية فيها إلا بسلطات محدودة في مواجهة سلطات الولايات والتي تمثل القيد الرئيسي على السلطة المركزية. وقد توسعت دول أمريكا اللاتينية في اقتباس “النظام الرئاسي”، وكان تاريخها في معظم القرن العشرين هو تاريخ الدكتاتوريات.

ولذلك، فإنني أفضل الأخذ بالنظام البرلماني، وحيث يقوم الرئيس بدور حاسم في لحظات الأزمة، باتخاذ قرار إقالة الحكومة أو حل البرلمان عند الخلاف بين السلطتين. وإذا كان الرئيس يتدخل في تلك اللحظات الحرجة، فإنه ينأى بنفسه عن أعمال السياسة الجارية في الظروف العادية، ويظل بذلك رمزاً للأمة وتوحدها وأميناً على الدستور وحقوق المواطنين وأمن الوطن وذلك دون تحيز حزبي. ومن هنا فإنني أرى ألا يكون انتخابه عن طريق البرلمان وحده وإنما بناء على انتخاب شعبي، وبذلك بترشيح البرلمان لاثنين أو ثلاث من الحاصلين على أعلى الأصوات في انتخابات تمهيدية في البرلمان، ثم يعرض أمرهم للانتخاب من الشعب مما يعطى رئيس الجمهورية المنتخب تفويضاً شعبياً، يمكنه من القيام بدوره في حماية الدستور ومصالح الوطن العليا.

وفي ضوء ما يثور من جدل حول هذه القضية الرئيسية، فقد يكون من المناسب، وقبل البدء في صياغة الدستور أن يطرح للاستفتاء الخيارات الأساسية للدستور، وبوجه خاص الأمران الآتيان:

• الاختيار بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي.
• إبقاء أو إلغاء نسبة الخمسين في المائة لفئة العمال والفلاحين.

هذه محاور رئيسية لا بد وأن يتحقق حولها الاتفاق الشعبي العام بعد الاستفتاء على هذين الأمرين. وبعدها تصبح صياغة الدستور أمراً سهلاً نسبياً. والله أعلم

الاهرام 23 يوليو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *