لن تكون نزهة

لن تكون نزهة
د‏.‏حازم الببلاوي
 أكتب هذا المقال بعد خروج جماهير الشعب علي اتساع القطر المصري في واحدة من أخطر مظاهر التحرك الشعبى والتى اكدت ان الشعب قادر على ابهار العالم بحيويتة

وعندما بدأت في تسطير هذه الكلمات, كان قد صدر بيان القوات المسلحة, والذي استقبل بحفاوة بالغة من الجماهير المرابطة في مختلف الميادين والشوارع مع نوع من التحفظات والقلق من الحشود الموجودة في ميدان رابعة العدوية وغيرها من عناصر حزب الحرية والعدالة والمناصرين له.

ولا أدري ماذا سيكون الموقف بعد يوم أو يومين, وإن كنت أميل إلي الاعتقاد بأن صفحة من تاريخ الثورة المصرية قد طويت وفتحت صفحة جديدة تنبئ بتغير بوصلة الحياة السياسية في مصر, وأود في هذا الحديث التنبيه ببعض المحاذير:

لا جدال في أن مصر مع هذا التوجه الجديد سوف تفتح الآفاق لمستقبل مشرق وزاهر من الحرية السياسية والازدهار الاقتصادي, ولكن ـ وهذا تحذير هام ـ لن يكون الأمر ميسرا وسهلا, فلسنا أمام نزهة مريحة, بل ينتظرنا عمل شاق وجهد كبير وربما تضحيات غير قليلة, وقبل أن أتحدث عن الاقتصاد الذي أعرف فيه أكثر من غيره من القضايا المطروحة, فلابد من التأكيد علي أنه لن تنجح أية سياسة اقتصادية مهما كانت واعية وعملية إذا لم يعد الأمن والاستقرار إلي ربوع البلاد, ولا يكفي أن يعود الأمن ماديا إلي الشارع, بل الأكثر أهمية هو عودة الشعور بالأمن والأمان, ويتطلب هذا تحقيق توافق وطني دون إقصاء لأي طرف من الأطراف, والتأكيد علي عدم ظهور أية دعوات انتقامية أو تصفية لحسابات سابقة, ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بعودة دولة القانون, واحترام القضاء فعلا وليس قولا, وبدون عودة الأمن والاستقرار السياسي ووضع خارطة طريق واضحة وسليمة للمرحلة الانتقالية, فلن تنجح أية حكومة في البدء في ترميم الاقتصاد الذي عاني خلال الفترة الماضية من اختلالات شديدة تهدد المستقبل.

يملك الاقتصاد المصري إمكانات جيدة تنبئ بنجاحات في المستقبل, ولكن الإمكانات لا تعني أن صحة الاقتصاد سليمة, علي العكس يعاني الاقتصاد من أمراض زادت حدتها خلال الفترة الأخيرة, ويحتاج العلاج إلي دواء, وككل دواء, فهو دواء مر يتطلب قدرا من الصبر والوعي, فرحلة إنقاذ الاقتصاد ليست مجرد نزهة بقدر ما هي معركة شرسة تتطلب تحمل الكثير من التضحيات, ولكنها ليست تضحيات تدفع هباء, وإنما هي ثمن لمستقبل زاهر, إن مصر تواجه ما يشبه المعادل الأخلاقي للحرب, والحروب لا تكسب بالتمنيات والدعوات, وإنما يتحقق النصر بالدم والعرق والدموع كما قال تشرشل في مستهل الحرب العالمية الثانية, المرحلة المقبلة ليست مرحلة قطف الثمار أو تحقيق المكاسب, بل ستكون فترة البناء والعمل والمسئولية, والصبر أيضا, ولكن هذه التضحيات لن تذهب هباء, وإنما لوضع الأسس السليمة لانطلاق الاقتصاد إلي مستقبل زاهر.

وأجد نفسي مضطرا لإعادة ترديد ما ذكرته سابقا في أكثر من موقع كعلامات لطريق المستقبل, فكما ذكرت أنه لابد من التذكير بأن هناك مسائل هامة لابد من العمل من أجلها, ولكن هناك ـ أيضا ـ قضايا عاجلة لا تقبل الانتظار, فنحن مثل مريض يحتاج إلي علاج طويل, ولكنه أصيب بنزيف حاد يحتاج إلي نقل دم عاجل, ومن هنا فإن العلاج السريع والعاجل لا يمكن أن يتم بعيدا عن رؤية للمستقبل, والتي تمثل طموحنا للأجيال القادمة, والأمران يسيران معا, فالإجراءات العاجلة سوف تكون عقيمة ما لم تستند إلي رؤية اقتصادية لمستقبل الاقتصاد المصري في الإطار العالمي, وبالمثل, فإنه دون علاج سريع للأمور العاجلة لن تتاح الفرصة لتنفيذ الرؤية طويلة الأجل.

فأما عن الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل, فيمكن تلخيصها في عدة نقاط:( سياسة سكانية واعية ـ واستراتيجية صناعية ـ وثورة تعليمية وقفزة في ميدان التدريب ـ وعدالة اجتماعية ـ وإطار إقليمي للتعاون العربي).

وفيما يتعلق بشكل النظام الاقتصادي, فيجب التركيز علي أهمية الانفتاح علي العالم, وعدم الانكفاء علي الذات, كما أن الأخذ باقتصاد السوق لن تقوم له قائمة ما لم توجد دولة قوية, قادرة علي ضبط السوق ومنع انحرافاته, وإرساء قيم العدالة الاجتماعية.

أما القضايا العاجلة وهي لا تتحمل الانتظار, فهي ترجع أساسا للاختلال المالي والنقدي, والمتمثل في عجز الميزانية, وتراكم الدين العام, واختلال ميزان المدفوعات, وتوسع البطالة, وفي هذه الأمور, فإن عجز الموازنة وتضخم الدين العام قد بلغ حدا يمكن أن يهدد الوضع الاقتصادي برمته, ويكفي أن نتذكر أن ثلاثة بنود في الموازنة( الأجور والمرتبات ـ الدعم ـ خدمة الدين) تستغرق أكثر من ثلاثة أرباع الموازنة تاركة أقل من الربع للاستثمارات والصيانة.

ولا يمكن أن تتقدم الخدمات الحكومية دون استثمارات وصيانة, وبطبيعة الأحوال, فإنه لا يمكن المساس ببند الأجور والمرتبات, وإذا كان هناك مجال لإعادة النظر في توزيعها لتحقيق مزيد من العدالة, وهو ما بدأ بربط الحدين الأدني والأقصي للأجور, وبالنسبة للبندين الآخرين وهما الدعم وخدمة الدين, فإن الدعم هو المرض, وخدمة الدين هي أحد أعراض هذا المرض, فمع زيادة الدعم ـ وهو يعادل تقريبا حجم العجز ـ يزيد الدين العام, وبالتالي بند خدمة الدين, وهكذا يتضح أن مواجهة مشكلة الدعم وترشيده هي علي جدول أعمال الإجراءات العاجلة.

وفيما يتعلق بالدعم, فهو يوجه لدعم الغذاء( رغيف العيش), ولكن الجزء الأكبر منه هو دعم الطاقة, والتي تحتاج إلي إعادة نظر, وبما قد يترتب عليها من بعض التضحيات.. وهنا لابد من التأكيد علي عدد من الأمور المهمة:

> لا يكفي القول بأن ترشيد الدعم ينطوي علي نوع من التضحيات, ولكن لابد من الأخذ في الاعتبار عدم المساواة في فرض الأعباء الجديدة والعمل ـ دائما ـ علي عدم تحميل الطبقات الأقل قدرة.

> لا يمكن علاج مشكلة الدعم في سنة أو سنوات قليلة, ولابد من وضع برنامج زمني مقبول يمكن بعده الوصول إلي مستوي معقول من الدعم, فلا يمكن إلغاء الدعم تماما, ويكفي أن يكون في الحدود المعقولة.

> نجاح سياسة ترشيد الدعم يتوقف إلي حد بعيد علي نجاح المرحلة الأولي في العلاج, فلابد وأن يكون تنفيذ هذا البرنامج المرحلي محققا لقصة نجاح في أول مراحلها, وبما يشجع الأفراد والمجتمع الدولي علي الثقة بكفاءة السياسة الاقتصادية.

> وبطبيعة الأحوال, فإن الأمور العاجلة لا تقتصر فقط علي ترشيد الدعم, فهناك حاجة إلي إجراءات عديدة في الإدارة المالية في مختلف الجهات الحكومية, مثل محاولة فك التشابكات المالية بين الموازنة ومختلف الصناديق والموازنة العامة, فضلا عن ضرورة محاربة الفساد بكل أنواعه, ولكني رأيت التركيز في هذا المقال علي موضوع الدعم لأنه يمثل العقبة الكأداء في إدارة مالية الدولة, كذلك هناك قضية الشفافية الكاملة عن نفقات الحكومة, خاصة مرتبات ومخصصات كبار المسئولين في الحكومة والمجالس النيابية.

> والخلاصة أننا نعيش لحظة مبهرة من صناعة التاريخ المصري, ومن حقنا أن نأمل في مستقبل زاهر اقتصاديا, ولكننا في حاجة إلي إدراك حجم المسئولية الملقاة علي عاتقها, وأن تحقيق الأماني لن يكون بالشعارات أو العبارات المعسولة, وإنما فقط بالعمل الجاد, وتحمل المشاق, وهي جهود لن تكون ضائعة, لأنها سوف تفتح أمامنا ما نستحقه من مستقبل, النجاح

                           يتحقق بالعمل الجاد والمسئول..

الاهرام 4 يوليو 2013

.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *