ليست المشكلة تحديد من المُذنِب، وإنما ما هو الحل؟

تعاني مصر منذ عدة سنوات – من نهاية حكومة الجنزوري وطوال فترة حكومة عاطف عبيد – من أزمة اقتصادية شديدة، بدأت منذ أحداث الأقصر مروراً بانخفاض أسعار النفط واختلال ميزان المدفوعات وبداية الركود الاقتصادي مع تدهور الجنيه وظهور العجز في الميزانية وتفاقم مشكلة البطالة. وقد بدأت حكومة عاطف عبيد بإنكار أن هناك أزمة، ومؤكدة أن الأوضاع الاقتصادية – على العكس – طيبة، إن لم تكن وردية. ومع استمرار تفاقم الأزمة اضطرت الحكومة في الآونة الأخيرة إلى الاعتراف بأن هناك أزمة بالفعل، وخاصة مع استمرار تدني قيمة الجنيه واختفاء الدولار من الأسواق وارتفاع الأسعار واستمرار البطالة والعجز في الميزانية.

ولا شك أن الاعتراف بوجود أزمة أو مشكلة هو أول خطوة على طريق الحل، لأنه إذا كان كل شيء على ما يرام، فلن يكون هناك أي داعي للعلاج أو الإصلاح، وبالتالي لن تكون هناك حاجة إلى تشخيص المرض والبحث عن أساليب جديدة لمعالجة الموقف. فإذا كان جسم الإنسان سليماً، فما الحاجة للذهاب للطبيب، وتغيير نظام الأكل والاضطرار إلى تناول الأدوية وبعضها مر. وفقط عندما يتم الاعتراف بأن الأمور ليست على ما يرام وأن هناك شيئاً ما لا يعمل بكفاءة، فهنا تبدأ الحاجة إلى زيارة الطبيب والبحث عن العلاج. ولذلك فإننا نعتقد أن الاعتراف بأن الاقتصاد المصري يواجه أزمة أو مشكلة اقتصادية، يعتبر إنجازاً كبيراً للحكومة، لأنها تعلن بذلك، وتؤكد أنها تعلم بأن شيئاً ما لم يعد صالحاً، وأن هناك حاجة إلى تغيير وإصلاح. هذه بداية جيدة.

ومع ذلك فنخشى أن هذه الخطوة الأولى الإيجابية، يمكن أن تجهض وتؤدي بنا، من جديد، إلى طريق مسدود، بلا تغيير في السياسات أو المؤسسات. ويرجع هذا التخوف إلى أنه يبدو أن المسئولين بدلاً من التساؤل عن مواطن الضعف ونقاط العجز التي تتطلب إصلاحاً أو تغييراً، فإنهم انشغلوا بمسألة أخرى، وهي من المسئول عن هذه الأزمة، الحكومة أم الشعب؟ وكأن حرص الحكومة الأول، هو تبرأة ساحتها. فقد بدأ الخطاب الحكومي بأن الحكومة بذلت كل ما في وسعها، ولم تترك وسيلة إلا طرقتها. ولكن ماذا تفعل أمام “الزيادة السكانية”؟ فالمشكلة لا تكمن في أن هناك إصلاحات – على مستوى الحكومة – يجب القيام بها، وأن هناك أموراً يجب تغييرها، وإنما المسئول هو الزيادة السكانية المفرطة التي لا ضابط عليها. وهكذا تغسل الحكومة يديها من المسئولية، وتلقيها على الشعب. فهو المذنب لأنه فضل التكاثر على الرفاهية. والخطر هنا لا يرجع إلى أن مشكلة الزيادة السكانية ليست مشكلة كبيرة وخطيرة في ذاتها، فالحقيقة أنها كذلك. ولكن الخطر يكمن في الادعاء بأن المشكلة السكانية هي مشكلة الشعب وليست مشكلة الحكومة. فالحكومة فعلت كل ما يمكن، ولكن ماذا تفعل أمام هذه المشكلة التي تخرج عن سيطرتها.

والحقيقة أن المشكلة السكانية هي مشكلة مجتمع ومشكلة حكومة في نفس الوقت. حقاً، إن الحكومة لا تستطيع بقرار أن توقف الزيادة السكانية بين يوم وليلة. ولكن الصحيح أيضاً هو أن الحكومات تستطيع أن تفعل الكثير خلال المدة الطويلة أي في عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة. الزيادة السكانية تتأثر بالرعاية الصحية، كما تتأثر بالتوعية والتعليم، وهي أيضاً يمكن أن تتأثر بالحوافز والمثبطات. وإذا كانت هناك برامج طويلة الأمد، ورؤية واضحة،  وتصميم على تغيير نمط الزيادة السكانية، فإن هذه الزيادة ليست قدراً محتوماً، ولا هي من قوى الطبيعة الغاشمة التي لا يمكن ترويضها. ولسنا أول دولة تواجه بمشكلة الزيادة السكانية فهناك دول أخرى، متخلفة أو نامية أيضاً، واجهت هذه المشكلة منذ عقود وفي ظروف أشد قسوة وحققت نتائج ملموسة. فها هي الصين والهند، وكلاهما جاوز المليار نسمة، ولكنهما اتبعا سياسات سكانية فعالة لضبط النمو السكاني. وفي البلاد العربية هناك نموذج تونس التي حققت هي الأخرى نتائج طيبة. وحتى في مصر، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف، بأن هناك بعض التحسن، وإن كان أقل بكثير من المطلوب أو المرغوب فيه.

ومن بين المؤشرات الاقتصادية الكمية فربما يكون النمو السكاني هو أكثر عناصر الحياة الاقتصادية قابلية للتنبؤ والتوقع. فالإحصاءات الحيوية للمواليد والوفيات هي أقدم الإحصاءات المتوافرة وأكثرها مصداقية. وقد طوّر العلم الديموغرافي أساليب إحصائية فعالة للتنبؤ بالنمو السكاني والتوزيع العمري. وفي مصر، فإن التوقعات للنمو السكاني الحالي كانت معروفة، وبدرجة كبيرة من الدقة، منذ ثلاثين عاماً أو أكثر. فما نتحدث عنه اليوم عن الزيادة السكانية ليس مفاجأة، أو حدثاً غير متوقع، ولكنه أمر معروف ومتداول ليس فقط بين المتخصصين ورجال العلم، ولكنه قضية مطروحة على الساحة السياسية منذ عشرات السنين. فأين كنا؟ وهل يجوز لنا أو لحكومتنا أن تغسل يديها، بمقولة أنها فعلت كل شيء، وأن المشكلة هي هذه “الزيادة السكانية”، وكأنها سقطت علينا من السماء فجأة دون سابق إنذار. الفشل في علاج المشكلة السكانية هو فشل للجميع، وفشل لسياسات الحكومة في هذا الصدد على المدى الطويل.

أخشى أننا تعودنا منذ فترة غير قصيرة على إلقاء تبعات قصورنا  على شماعات أو مشاجب خارجية. لقد أدمنا لفترة إلقاء الاتهامات على الاستعمار وأعوانه، والإقطاع وأذنابه، ثم الإمبريالية والصهيونية العالمية، والآن نضيف إلى هذه الشماعات صنم جديد هو الزيادة السكانية. الزيادة السكانية خطر كبير، ولكنه نتيجة سياسات ومؤسسات. وإذا كان غيرنا قد نجح في ظروف أشد قسوة، فليس هناك مبرر لكي لا ننجح – مثلما نجح غيرنا في ضبط السكان – وذلك إذا اتخذت السياسات السليمة ووضعت المؤسسات المناسبة وتوافرت الإمكانيات اللازمة.

لقد تحدثنا عن المشكلة السكانية منذ أكثر من عشرين عاماً، وعقد مؤتمر السكان العالمي في القاهرة منذ حوالي عشر سنوات، بل وتحدثنا عن “ساعة سكانية” لكي تذكرنا بما يحدث من زيادة على هذه الساحة كل لحظة وكل دقيقة، وأسسنا المجلس الأعلى للسكان ببناء فخم على كورنيش النيل. فهل يحق بعد كل ذلك أن نلقي اللوم على “الزيادة السكانية”، وكأنها وحش كاسر، وليس نتيجة لسياستنا أو بالأصح لفشل أو نقص هذه السياسات.

على أي الأحوال، ليس المطلوب توزيع الاتهامات، وتحديد من المسئول، ولكن لننظر إلى المستقبل. إذا كانت “الزيادة السكانية” تجهض كل جهود الحكومات، فما هي سياساتنا تجاه هذه القضية؟ ماذا أعددنا للسنوات القادمة وما هي الأهداف السكانية التي نتوخاها في السنوات الخمس القادمة لتخفيض معدل هذه الزيادة السكانية، ثم في عشر سنوات، وذلك حتى نصل إلى مرحلة الاستقرار السكاني. نريد خطة واضحة بأهداف كمية محددة يمكن المساءلة عنها؟ وذلك بدلاً من أن نواجه – من جديد – بعد عشر أو عشرين عاماً أخرى بأوضاع مشابهة باستمرار التدهور الاقتصادي رغم الجهود الهائلة للحكومات لكي نلقي اللوم مرة أخرى على “الزيادة السكانية”.

وبطبيعة الأحوال، فـإن اختصـار المشكلة الاقتصـادية في الزيادة السكانية هو تبسيط مخل. فالزيـادة السكانية تقيد حقاً من جهود التنمية، ولكن مواطن الضعف في الاقتصاد المصري تجاوز بكثـير القضايا السكانية. هناك ضعف شديد في الاستثمارات المحلية وضمور هائل في الاستثمـارات الأجنبية. ورغم أن بداية الانفتاح الاقتصادي قد بدأت بقانون الاستثمار والمناطق الحرة 1974. فها نحن بعد حوالي ثلاثة عقود، من أقل دول العالم قدرة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية. لقد أنشأنا “هيئة الاستثمار”، وأقمنا المناطق الحرة، وفتحنا بور سعيد كمنطقة حرة ثم أغلقناها، ثم أنشأنا المناطق الاقتصادية. ومع كل هذا الفتح والإغلاق، والإنشاء والإلغاء، فما زال الاستثمار الأجنبي نادراً وقليلاً مقارنة بما فعلته دول أخرى في وقت مقارب لنا أو حتى لاحق مثل ماليزيا أو تايلاند أو “جبل علي” في الإمارات وما بالك بسنغافورة أو هونج كونج أو كوريا الجنوبية. أليس هناك محل للتساؤل عن مدى جدوى وسلامة سياستنا الاستثمارية؟ وأليس هذا ميدان للبحث عن حلول بدلاً من شماعة الزيادة السكانية؟

وقصتنا مع الصادرات ليست بأفضل حالاً من تلك المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية، لقد صرحنا بأن التصدير قضية “حياة أو موت” وعقدنا الاتفاقيات التجارية، وانضممنا إلى اتفاقية التجارة العالمية، ووقعنا اتفاقية الشراكة الأوروبية، وأعلنا منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وانضممنا إلى منطقة الكوميسيا، ونتفاوض على المنطقة الحرة مع أمريكا. ومع ذلك فالصادرات لا تتحرك أو تتحرك ببطء شديد. وكأننا نطحن الماء. ويجرنا الحديث عن ضعف الصادرات إلى تذكير ما لحق الجنيه المصري إزاء الدولار من تدهور خلال الثلاث سنوات الأخير، حيث فقد ما يقرب من40% من قيمته. فهل هذا أيضاً بسبب “الزيادة السكانية” خلال هذه السنوات الثلاث؟ لا أحد يستطيع أن يقول مثل ذلك إلا على سبيل الفكاهة.

لا نريد اتهامات، كما لا نريد شهادات إبراء الذمة، ونريد فقط، من حكومتنا الرشيدة، أن تقول لنا ما هو الحل الذي نقترحه، وكفانا شماعات الاستعمار والإمبريالية أو حتى في صورتها الجديدة عن “الزيادة السكانية”.   والله أعلم.

الأهرام: نوفمبر 2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *