!!ليس توريثاً

أعلن في الصحافة أن سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي قد كلف رسمياً بمنصب “منسق القيادة الشعبية الاجتماعية” في ليبيا، ليكون بذلك الرجل الثاني في البلاد وليصبح بمثابة رئيس الدولة من الناحية الشكلية. وقد جاء هذا التكليف بمقتضى القرار رقم (1) الذي أصدره منسقو القيادات الشعبية خلال اجتماعهم الاستثنائي ـ والمغلق ـ في طرابلس، وذلك تزكية لدعوة القذافي بمنح سيف الإسلام الذي لا يشغل أي موقع رسمي ما يمكنه من القيام بواجبه نظراً لأنه “رجل مخلص ويحب ليبيا”، ويواجه مشكلة كونه لايشغل منصباً في الدولة! وفي نفس الوقت تقريباً تم تنصيب علي بنجو نجل الرئيس الجابوني الراحل عمر بنجو الذي توفي منذ عدة شهور بعد أن حكم البلاد لأكثر من أربعين عاماً، وذلك بعد فوز “الابن” في الانتخابات الأخيرة التي أجريت لمنصب الرئاسة. كذلك كان أن تولى إلهامي ألييف ابن الرئيس السابق حيدر ألييف الحكم في أذربيجان، حيث كان الأب أحد زعماء الاتحاد السوفيتي وعضواً باللجنة التنفيذية في موسكو قبل أن يصبح رئيساً للبلاد عند انهيار الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاة الأب في 2003 خلفه ابنه إلهامي بعد أن “نجح” في الانتخابات. أما كوريا الشمالية والتي ولدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد رأسها الزعيم الشيوعي كيم إل سونج حتى وفاته في 1994 وخلفه ابنه كيم إل جونج والذي اختار بدوره ابنه الأصغر خليفة له في المستقبل.

وكان حديث التوريث قد ظهر مؤخراً في المنطقة العربية على السطح بمناسبة وفاة الرئيس حافظ الأسد في عام 2000. وكان الرئيس الراحل الأسد قد أعد ابنه الأكبر باسل لخلافته قبل وفاته في حادث سيارة مما وفر الفرصة لأبنه الثاني بشار، والذي تم تعديل الدستور من أجله في اليوم الثاني لوفاة والده بحيث يسمح للابن أن يتقدم للترشيح. وبالفعل تم الترشيح وفقاً للتعديل الدستوري، وتم “انتخاب” الرئيس بشار إلى المنصب.

وكان الإعداد لخلافة الرئيس حافظ الأسد هو أول إشارة إلى ظهور مفهوم “الوراثة” في الحكم في النظم الجمهورية في المنطقة العربية في العصر الحديث، وذلك بعد الانقلابات السياسية والعسكرية التي اقتلعت عدداً من النظم الملكية التقليدية وتأسيس الجمهوريات على أنقاضها في المنطقة، بدءاً بالثورة المصرية والتي ألغت الملكية في 1954، ثم في تونس 1957، ثم في العراق 1958، وفي اليمن 1963 وأخيراً في ليبيا 1969. وفي هذه الأثناء تعرضت النظم العربية الملكية الأخرى للعديد من الضغوط والانقلابات الفاشلة سواء في الأردن أو المغرب أو عُمان أو حتى في السعودية، ولكن هذه النظم نجحت في الوقوف أمام هذه المحاولات واستطاعت أن تدعم أركان حكمها الملكي.

ومن الطريف أن دمشق والتي كانت سباقة في إدخال مفهوم “الانقلابات العسكرية” في قاموس السياسة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، كان لها أيضاً فضل السبق في إرساء تقليد جديد لخلافة الأبناء للآباء في الحكم الجمهوري في المنطقة العربية. وإذا كان هذا المفهوم لم يتحقق حتى الآن إلا سوريا، إلا أن أرهاصات الإعداد للخلافة بين الأبناء والآباء بدأت تبرز في معظم الدول العربية “الجمهورية”. فابن القذافي ـ سيف الإسلام ـ  لم يرث الحكم بعد ولكنه اختير في منصب الرجل الثاني، وبموافقة من المؤسسات الرسمية الشعبية، وبالإجماع طبعاً. وقيل أن الرئيس السابق صدام حسين كان يعد أحد أبنائه ـ عدي أو قصي ـ لخلافته. وبطبيعة الأحوال، فإن الاحتلال العسكري الأمريكي لم يساعد على تحقيق هذا المشروع. ويقال ـ والله أعلم ـ أن اليمن السعيد بصدد الإعداد لترتيب مماثل لنجل الرئيس عبد الله صالح. أما تونس فقد أعفاها الله ـ مؤقتاًـ من هذا الاختبار لأن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أنجب بنات ولم يسعد بإنجاب ذكر إلا منذ سنوات قليلة، فالمشكلة مؤجلة لعقد أو عقدين. وبطبيعة الأحوال، فإن حديث المدينة في مصر المحروسة هو عن الدور المتوقع للسيد جمال مبارك نجل الرئيس في القضية المشهورة باسم قضية “التوريث”.

وتثور في مصر الآن معركة لفظية حامية الوطيس، ليس مناطها خلافة الابن للأب، وإنما التساؤل حول المفهوم العلمي الدقيق لكلمة “توريث”. فهل كل خلافة من الابن للأب تعتبر “توريثاً” حتى وإن صاحبها إجراءات دستورية مثل الترشيح في انتخابات بين عدد من المرشحين والحصول على الأغلبية؟ ألا تطهر هذه الإجراءات الدستورية عملية “التوريث” وتجعلها اختياراً دستورياً. وبذلك يقتصر “التوريث” بالمعنى اللفظي الدقيق ـ وفقاً لهذه الرؤيةـ على اكتساب المنصب بمجرد تقديم الإعلام الشرعي “من الورثة”، ودون حاجة إلى اتباع الإجراءات الدستورية القائمة السليمة. هذا وحده هو التوريث بناءً على هذه الرؤية الخاصة، ولذلك فإن كل ما يثار حول “التوريث” إنما هو ضجة بلا أساس. فالموضوع الرئيسي الجدير بالاعتبار ـ عند هذا الفريق ـ هو أن تتم عملية الخلافة بإجراءات دستورية سليمة، أما خلافة الابن للأب فإنها تفصيل غير هام، ومجرد فرقعة كلامية لا لزوم لها. المهم هو الدستور واحترام أحكامه. فالمواطنون سواسية لهم كل الحقوق، والابن هو أحد المواطنين. فلماذا الجدل إذن؟

وإذا كانت دمشق سباقة في أخذ المبادرات السياسية للمنطقة العربية في العصر الحديث منذ بدء الانقلابات العسكرية، فإن لها تجربة تاريخية هامة كان لها أكبر الأثر على التاريخ الإسلامي. فعبد وفاة الرسول ـ عليه السلام ـ احتار المسلمون، واستقر الرأي في اجتماع السقيفة على اختيار أبوبكر من الصحابة والمهاجرين ـ خليفة للرسول ـ وذلك بالبيعة من أصحاب “الحل والعقد” من الأمة الإسلامية آنذاك. وهكذا أصبحت “البيعة” من أهل الحل والعقد من جمهور المسلمين هي أسلوب تنفيذ الأمر القرآني “وأمرهم شورى فيما بينهم”. وبهذا الشكل اختير الخلفاء الراشدون الأربعة ، أبوبكر وعمر وعثمان وعلي.

وعندما جاء معاوية إلى السلطة بعد أن انقسمت الأمة الإسلامية وخاصة بعد مقتل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أخذ “البيعة” لنفسه من أهل الشام ثم من مختلف الأمصار. وعندما اقتربت المنية منه  لم “يورث” ابنه يزيد الخلافة، وإنما أخذ له “البيعة” من المسلمين. وبطبيعة الأحوال فقد كانت هذه “البيعة” تتم في حضرة الخليفة ـ أو ولاته في الأمصار ـ وسيفه إلى جواره وفي حراسة جنوده. وهكذا يتم اختيار الخليفة ـ من الناحية الشكليةـ وفقاً للإجراءات المتبعة بعد وفاة الرسول. فما دامت “البيعة” قد تمت، وبصرف النظر عن الأجواء التي تمت فيها، فإنها تكون قد راعت العرف المستقر في اختيار الخليفة “بالبيعة” وفقاً للتقاليد الإسلامية. وهكذا تشكل النمط الإسلامي في اختيار الحكام وانتقال السلطة بوفاة الحاكم إلى أحد أبنائه. والخطير في هذا الصدد ليس في ولاية يزيد في ذاته بعد معاوية، وإنما في استقرار هذا “التقليد” للحكم الإسلامي خلال ثلاثة عشر قرناً بعد مبايعة يزيد. فقد استمرت الخلافة الإسلامية بأشكالها المختلفة بعد ذلك تأخذ بهذا النموذج سواء مع العباسيين أو الفاطميين، مروراً بالخلافة في الأندلس، وانتهاء الخلافة العثمانية. لقد أصبحت الخلافة الإسلامية وراثية مع أخذ البيعة رضاء أو قهراً. وبطبيعة الأحوال، لم يفت الأمر على جمهور المسلمين. لقد استمرت الخلافة تأخذ بالبيعة شكلاً، ولكنها أصبحت في نظر العامة “مُلكاً” بعد خلافة الراشدين. فعند جمهور المسلمين الخلافة الإسلامية الصحيحة هي وحدها خلافة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، وما عداها فهو “مُلك” أشبه بملك الفرس والروم.

قد تكون المناقشات الجارية حالياً في مصر حول خلافة الابن للأب وهل هي توريث أو غير توريث، جدلاً وسفسطة صوتية، ولكن من المفيد أن نتذكر أننا نختار الآن “نموذجاً” قد يستمر لأجيال قادمة، تماماً كما حدث مع نموذج معاوية عند أخذه “البيعة” لابنه يزيد، الأمر الذي استمر لأكثر من ألف عام بعد ذلك حتى نهاية الخلافة العثمانية. المشكلة ليست اليوم أو غداً، وإنما هي مستقبل الحكم لأجيال وأجيال. والله أعلم.

المصري اليوم: 20 أكتوبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *