ليس شغباً .. بل هي الثورة

بعد أربعة أيام من خروج الجماهير إلى الشوارع في العديد من معظم المدن المصرية، جاء حديث الرئيس مبارك عن “أعمال الفوضى والتخريب”، كصدمة وخيبة أمل شديدة. قد تكون هناك بعض التجاوزات ـ رغم قلتها ـ ولكن الصورة العامة هي خروج عشرات الآلاف ـ ربما مئات الآلاف ـ من الشباب المخلص الذي يدعو إلى التغيير، مطالباً بالحرية وكرامة العيش. فهل يختصر هذا المشهد الرهيب في كلمتي “الفوضى والتخريب”، دون كلمة واحدة عن النوايا الطيبة التي يحملها هذا الشباب لمستقبل الوطن، ودون كلمة شكر على السلوك الحضاري والسلمي، ورغم الجموع الغفيرة في الشوارع والميادين. هذا كثير، والله كثير.

إن ما يحدث على أرض مصر، وقبلها على أرض تونس، ليس شغباً ولاهو “فوضى أو تخريب” وإنما هي الثورة، هي “الثورة” الشعبية التلقائية. وعندما نقول “ثورة” فذلك لسببين رئيسيين، الأول هو خروج جماهير الشعب من مختلف الطوائف وبلا استثناء، ليس في مدينة أو منطقة واحدة وإنما على امتداد القطر المصري، من الصعيد إلى الدلتا، ومن سيناء إلى مطروح، وكل على قلب رجل واحد، وبصوت واحد: “نريد التغيير”، نريد الحرية والكرامة ورحيل النظام القائم. وإذا كانت الحركة قد بدأت من الشباب، فلم يلبث أن انضم إليهم الشيوخ والرجال والنساء بل والأطفال أيضاً. ولانستطيع أن نقول أن هناك لوناً سياسياً واحداً أو عقائدياً وإنما كانت هناك مصر بكل أطيافها. هذا هو السبب لاعتبارها “ثورة”.

ولكنها ثورة لسبب آخر، وهي أن الدولة قد تخلت عن وظيفتها الأساسية في حفظ الأمن. فهي “ثورة”، لأن السلطة عجزت عن أداء وظائفها، وبالتالي شرعيتها. فالوظيفة الأولى والأساسية لأي مجتمع سياسي ـ وآخر مظاهره هو الدولة ـ هو حفظ الأمن؛ أمن المواطن في حياته وحرياته وفي حماية ملكيته. قد تتساهل بعض المجتمعات إزاء السلطة إذا لم تتحقق العدالة الكاملة، أو إذا لم تنجز معدلات النمو الكافية، فهذا وغيره يمكن التجاوز عنه، أما أن تتخلى السلطة عن وظيفتها الأساسية في حفظ الأمن فهذا إسقاط لشرعيتها. ولقد قامت أجهزة الأمن نفسها بالتهرب من مسئوليتها سواء عند توجيه أسلحتها إلى الأبرياء في الشوارع بدلاً من المجرمين. وقد تجاوز عدد الوفيات المائة وعدد المصابين أكثر من خمسمائة، وربما تكون الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك بكثير. ولكن الأخطر هو أنه بعد أن أكمل رجال أجهزة الأمن ومعاونيهم الضرب وإطلاق الرصاص المطاط وأحياناً الحي وإلقاء القنابل المسيلة للدموع على الجماهير الغاضبة والمسالمة معاً، فإنهم اختفوا من الساحة فجأة، ليس ليعودوا إلى مقار أعمالهم والقيام بواجباتهم اليومية، وإنما لكي ينسحبوا من الحياة كلياً، ويتركوا أرواح الناس وممتلكاتهم عرضة للنهب والسرقة، بل لقد ضبط عدد من العاملين مع أجهزة الأمن والمنتسبين إليها، بالمشاركة معهم في أعمال النهب والسرقة. وهكذا أعلنت الدولة ـ بانسحاب الأمن بعد ضرب الجماهير ـ بأنها تخلت عن وظيفتها الرئيسية في حماية الأمن. وهكذا فقدت السلطة شرعيتها ووجودها.

وإذا كانت الدولة قد تخلت عن وظيفتها في حفظ الأمن، فإنها لم تنس أيضاً أن تعطل الشبكات الاجتماعية الالكترونية فضلاً عن التليفون المحمول، وهي سابقة ـ فيما أعلم ـ لامثيل لها بين الدول “المتحضرة”. فهل الحكومة القائمة هي متحضرة أيضاً؟ سؤال ربما لايحتاج إلى إجابة.

لقد انطلقت الثورة الشعبية، ولست أدري إذا كانت سوف تحقق كل أهدافها، أو بعض هذه الأهداف. ولكن هناك حقيقتين أساسيتين قد ظهرتا للعيان، ولي شخصياً. أما الحقيقة الأولى، والتي فاجأت العالم، فهي أن الشعب المصري، ومن ورائه الشعب العربي، مازال حياً وقادراً على فرض نفسه على الحكام. وكان هناك انطباع غالب، هو أن هذا الشعب قد دخل في سبات عميق، وأن الحكومات العربية بما تملكه من أدوات القهر والإغراء قد سيطرت بالكامل على مقدرات شعوبها. وها هو الشعب ـ العملاق ـ ينهض، وبقوة، لينزل إلى الشارع رافعاً صوته مطالباً بالتغيير، ومفاجئاً الحكومات المحلية والأجنبية بأنه مازال على قيد الحياة، بل أنه ظهر في أبرز صور الحيوية والقوة والوضوح.

وأما الحقيقة الثانية والتي بدت جديدة أيضاً، فهي اكتشاف مدى أهمية وقيمة مصر ـ والعالم العربي ـ في الخارج. لقد توقفت أخبار العالم ـ في كل مكان ـ أمام ما يحدث في شوارع القاهرة والسويس والإسكندرية وغيرها من المدن المصرية، هذا إلى جانب تعبئة الصحافة بأشكالها المقروءة والمسموعة أو المنظورة.  فالسياسيون ـ من مختلف الدول الكبرى ـ يجتمعون للنظر في تحديد مواقفهم مما يحدث في مصر. كذلك انتابت أسواق المال هزة كبيرة نتيجة أحداث شوارع مصر. كل هذا يؤكد أهمية ما يحدث في مصر ـ ومن ورائها في المنطقة العربية- فهو أمر هام بالنسبة للعالم في مجموعه. نحن ـ في الحقيقةـ شيء هام بأكثر مما كنا نتوقع، وكنا نباع بأرخص الأثمان.

لاأدري ما تخبؤه الأيام، ولكني ـ مثلي مثل غيري من العرب والمصريين ـ أشعر لأول مرة منذ فترة بعيدة بالفخر لأنني مصري. أعز الله مصر وأزا ح عنها الكربة. والله أعلم.

المصرى اليوم 1 فبراير 2011

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *