ماذا لو؟

تساءل الفلاسفة والعلماء منذ القدم حول الحتمية والحرية، وهو ما تعارف عليه علماء المسلمين باسم قضية الجبر والاختيار. هل الأحداث حتمية وإن القدر مكتوب لا فكاك منه؟ وأن الأسباب تؤدي دائماً إلى نفس النتائج؟ أم على العكس، هناك مجال للصدفة والحظ، ومساحة لحرية الاختيار. ونجد هذا الخلاف بين علماء التاريخ كما نصادفه بين العلماء. فبعض علماء التاريخ – وخاصة الماركسية – يرون حتمية في التطور التاريخي، وأن هناك قوانين موضوعية تحكم هذا التطور بصرف النظر عن إرادة الأفراد وتصرفاتهم، وأنهم يتمتعون – في ذلك – بالحرية والإرادة والمسئولية. ولذلك فإن المستقبل مليء بالمفاجآت نتيجة للقدرة الخلاقة والإبداعية للإنسان. وقد واجه العلماء نفس السؤال وربما نفس الحيرة. وجاءت الثورة العلمية منذ جاليلو وخاصة مع نيوتن بعد ذلك، لتؤكد أن العالم الطبيعي خاضع لقوانين حتمية منضبطة وليس هناك فكاك منها، وأن المستقبل كامن في الماضي وأسبابه موجودة وتؤدي إليه. وكان لابلاس Laplace عالم الفيزياء الفرنسي يرى أنه لا مكان للاحتمالات، وأنه إذا عرفت كل العناصر لأصبح المستقبل معروفاً كالكتاب المفتوح. فالحديث عن الاحتمالات هو حديث عن الجهل ونقص المعرفة. فإذا عرفت كل المؤثرات لكان المستقبل معروفاً كالماضي. فالزمن عند هؤلاء كالزمن تماماً، وأن المستقبل موجود وقائم كما الماضي، واستبعد فكرة الحظ أو الاحتمالات. وله عبارة مشهورة عندما قال “إن الله لا يلعب النرد”، أي لا يتعامل مع قوانين احتمالية كلاعب النرد (الطاولة). وكان القرن التاسع عشر هو قمة الاعتقاد في سلامة القوانين الطبيعية ودقتها وحتميتها. فكل شيء محكوم بقوانين ثابتة، والنتائج وليدة الأسباب، ولا مجال للاحتمال أو الحظ أو الصدفة. والحديث عن نظرية الاحتمالات هم تعبير عن مساحة جهل الإنسان بالإحاطة بكل الأسباب. وجاء القرن العشرون بثورة علمية جديدة قضى فيها على هذا اليقين في حتمية القوانين الطبيعية. واكتشف العلماء، أن الطبيعة أيضاً تعرف “الاحتمال” ولا تخضع لقوانين حتمية كما اعتقد علماء القرن التاسع عشر. وجاءت الصدمة الأولى مع نظريات الكم “Quantum” في الفيزياء عندما اكتشف عدد من علماء الطبيعة أن سلوك الطبيعة الصفرية Micro – Physics كثيراً ما تحكمه الاحتمالات وليس الحتمية. فهذا السلوك يخضع لقوانين إحصائية تعطي درجة من الاحتمال. وجاء هايزنبيرج الألماني وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عندما اكتشف معامل هايزنبيرج والذي يقدر درجة الاحتمال بين سرعة ومكان العناصر داخل الذرة. فالطبيعة أيضاً لا تسير وفقاً لقوانين حتمية دقيقة بل وفقاً لقوانين احتمالية. ويترتب على ذلك الاعتراف بأن المستقبل ليس حتمياً أو وحيداً وأن هناك إمكانيات متعددة. وكان داروين قد أعلن في منتصف القرن التاسع عشر نظريته للتطور، ومنها يتضح أن المستقبل ليس مجرد تراكم أحداث الماضي، وإنما هناك قوى خلاقة وإبداعية للتطور، غير متضمنة في الماضي. المستقبل مليء بالمفاجآت ولذلك فإنه لا يمكن القطع بأن ما نعاصره من أحداث كان نتيجة حتمية قاطعة، وإنما هناك مجال للحظ، والصدفة واحتمالات أخرى. ومن هنا فإن حاضرنا ليس قدراً حتمياً مكتوباً وإنما هو – إلى حد بعيد – وليد قراراتنا وتصرفاتنا السابقة وهي أمور لعب فيها الحظ والصدفة دوراً لا يمكن التقليل منه.

وإذا كان هذا صحيحاً وكان حاضرنا هو ابن الصدفة كما هو ابن التطورات الموضوعية، فقد تساءل عدد كم الكتاب، ماذا كان يحدث لو تغيرت الصدفة وغيرت تغييراً طفيفاً في الأحداث؟ هل كانت تتغير مسارات التاريخ؟ ومن هنا التساؤل، ماذا لو؟ فهو تساؤل افتراضي عما كان يمكن أن يحدث فيما لو تغير قرار فرد أو استبدل شخص بآخر، فماذا سيكون عليه مسار التاريخ؟ هذه، بالطبع أسئلة افتراضية، والإجابة عليها مجرد تخمين شخصي، ولكنها لا تخلو من طرافة، وقد اختار مؤلف أمريكي روبرت كولي Robert Cowley عدداً من المعارك العسكرية وتساءل عما كان يمكن أن يحدث لو تغيرت نتائج هذه المعارك، ثمّ أصدر كتاباً آخر تحت نفس العنوان “ماذا إذا” What If واستعرض فيها عدداً من المؤرخين حول بعض أهم الأحداث التاريخية، وماذا كان يمكن أن يحدث لو حدث تغيير هنا أو هناك. ولا بأس من استعراض بعض هذه النوادر، فهي تذكرنا بأحداث تاريخية مهمة وكيف أن تغييراً بسيطاً هنا أو هناك كان يمكن أن يؤدي إلى مسارات مختلفة. ونستعرض هذه النماذج:

هناك أولاً قصة كليوباترة ومارك أنطونيو وحبهما وهزيمة مارك أنطونيو أمام غريمه أكتافيوس أغسطس وتبوأ الأخير عرش الإمبراطورية الرومانية إثر انتصاره العسكري وولادة الإمبراطورية الرومانية وانتهاء عصر الجمهورية. وكان الأديب الفرنسي باسكال Pascal قد تساءل في القرن السابع عشر، ماذا لو كان أنف كليوباترة أقصر أو أطول قليلاً عما هو عليه مما كان. ربما كان ذلك قد أدى إلى انصراف مارك أنطونيو عن الإعجاب بها وبالتالي انهمك في الإعداد العسكري – وهو القائد المغوار – وحقق النصر على أكتافيوس السياسي الذي لم يعرف تجربة المعارك العسكرية ودروبها ودهاليزها؟ وجاء جوزيا أوبر، أستاذ علم الكلاسيكيات في جامعة برنستون ليعاود طرح السؤال من جديد في القرن العشرين، متسائلاً ماذا لو انتصر مارك أنطونيو ومعه كليوبارترة؟

يذكر الأستاذ أوبر أن كليوباترة لم تكن في الغالب ذات الجمال الخلاب وفقاً لما ذكره بلوتارك المؤرخ الرماني، فضلاً عن أن الأثر الوحيد الباقي على شكلها – هو قطعة نقود مصكوكة في عهدها وعليها صورتها – تقطع بذلك وأنها كانت تحدق في الصورة بذقن بارز وأنف غير قليل ومعقوف. ولكن ذلك لا يمنع من أنها كانت تملك سحراً في شخصيتها وجاذبية خاصة راجعة إلى ذكائها وثقافتها، كما لا يمكن التجاوز عن قدر من انتهازيتها أيضاً. وقد عرفت أن توظيف هذه الملكات في شبابها عندما ألقت بنفسها أما يوليوس قيصر. ولم يكن قيصر أقل منها انتهازية ومغامرة، فتلقفها بقلب مفتوح. فهي امرأة جميلة وناضجة، فضلاً عن أنه تتوافر لها الصفات السياسية اللازمة لدعم مركز روما، فهي امرأة تحمل الدماء النبيلة المطلوبة من عرق يوناني أصيل – البطالسة – فضلاً عن أنها مقبولة من المصريين وتوجت باسم الآلهة المصرية، وبذلك يمكن أن نضيف إلى الجمهورية الرومانية التي لم تصبح بعد إمبراطورية ولم تكن ثروات مصر وغناؤها بعيدة أيضاً عن ذهن قيصر. وكان أن استجاب لها وأنجب منها ابناً فأضاف أيضاً دماء رومانية إلى هذه التوليفة المناسبة. وبعد مقتل قيصر قامت علاقة حميمة بين كليوباترة وبين مارك أنطونيو، أثمرت ثلاثة أبناء اعترف بهم أنطونيو. ولا جدال في أنه كان مغرماً بها ومفتوناً بنوع الحياة في الإسكندرية لتي جمعت بين سحر الشرق، وثقافة الإغريق وتبهرجهم، وغموض المصريين وأسرارهم. وكان أكتافيوس ابن يوليوس قيصر بالتبني قد عاد إلى روما مسرعاً بعد مصرع قيصر، ووجد مارك أنطونيو أحد أهم قواد الجمهورية ومن أكثر حلفاء قيصر، وقد خلده شكسبير في مسرحيته عندما قال: “أيها الأصدقاء، أهل روما والبلاد أعطوني آذانكم، لقد جئت لدفن قيصر وليس لتمجيده…” وقد انقلب عليه مجلس الشيوخ وأعلنوه عدواً للجمهورية، وأرسل أكتافيوس لمحاربته، ولكنه وجد من المصلحة التحالف معه، وبانضمام ماركوس لبيدوس، شكل الثلاثة حكماً لروما الجديدة. وكان لابد من محاكمة قتلة قيصر فاستدعى مارك أنطونيو كليوباترة في طرسوس لمساءلتها عما إذا كانت قد ساعدت هؤلاء القتلة. ودعته كليوباترة إلى العشاء للرد على تساؤلاته، وبعد العشاء، وربما أثناءه، اقنع أنطونيو ببراءتها من دم قيصر، وأصبح عشيقها الجديد. وكان أكتافيوسس وأنطونيو قد قسما حكم الجمهورية، أكتافيوس للمنطقة الغربية وأنطونيو للمنطقة الشرقية، وكان أنطونيو يمضي أوقاتاً طويلة في الإسكندرية مع كليوباترة. وكما هو متوقع وقعت الجفوة والغيرة بين السياسي والطموح في روما ةبين القائد العسكري في الشرق. واستغل أكتافيوس علاقة أنطونيو بكليوباترة، منوهاً بأن أنطونيو قد باع مصالح روما من أجل امرأة من الشرق. وكان أن وقعت بينهم معركة أكتيوم Actium عام 31 ق.م هزم فيها أنطونيو وانتصر أكتافيوس ولم يلبث أن توج نفسه إمبراطوراً لروما وتضاءل حجم مجلس الشيوخ الروماني وزالت الجمهورية على ما هو معروف. ولكن ماذا لو انتصر أنطونيو في هذه المعركة، وهو القائد العسكري ذو التاريخ المجيد، وماذا لو هزم أكتافيوس؟ هذا ما يحاول أوبر أن يقدم له بعض الاجتهادات.

ربما لم يكن أنطونيو يختار أن يصبح إمبراطوراً ويبقى على الجمهورية مع اقتسامه لوقته بين روما والإسكندرية. وعندئذ فإن مصر قد لا تصبح مجرد إقليم تابع لروما بقدر ما هي شريك لها في الحكم. ومن يدري لعل ابن كليوباترا – قيصر الصغير – كان سيصبح في وقت ما إمبراطوراً للدولة الجديدة، فهو يجمع بين الدم الإغريقي والروماني والمواطن المصري. ربما تمتعت مصر – وكذا فلسطين بمزيد من الحرية بدلاً من الحكم العسكري الروماني، وربما كانت حريات الرأي والعقيدة قد توسعت تحت ضغوط كليوباترا الأكثر تحرراً وتنوراً، بل وربما لم تكن روما لتبعث بحاكم روماني ضيق الأفق مثل بونتيس بيلات Pontius Pilat الذي سيحاكم السيد المسيح بعد ذلك ويكون سبباً في صلبه. فربما حينذاك كانت المسيحية ستأخذ مساراً مختلفاً. ولعل هذا التساؤل الأخير هو الذي دعا الأستاذ كارلوس أير Carlos Eir أستاذ التاريخ والدراسات الدينية في جامعة بيل إلى طرح هذا التساؤل الجديد. ماذا لو لم يقرر بونتيس بيلات الحاكم الروماني لجوديا – فلسطين – الحكم على السيد المسيح بالصلب، وقرر براءته وإطلاق سراحه؟ وبطبيعة الأحوال فإن مثل هذا التساؤل لا يقبل، حيث أن حياة السيد المسيح جزء من إرادة إلهية لا يتصور أن يحدث غيرها. وكان شعار المسيحي في القرون الأولى “السمكة” وأصبح مع قسطنطين “الصليب” من القرن الرابع الميلادي، الأمر الذي يؤكد العلاقة الحميمة بين العقيدة المسيحية ومحاكمة السيد المسيح من أجل صلبه.

وإذا كان تاريخ الدولة الرومانية ومسار المسيحية قد شكلا تاريخ العالم بشكل كبير، فإن اكتشاف العالم الجديد والأمريكيتين لم يكن أقل أهمية. ويثور التساؤل، هل كان من الحتمي أن يتم اكتشاف الأمريكيتين على أيدي الأوروبيين في إسبانيا ثم البرتغال وبعدهما الإنجليز والفرنسيون والهولنديون؟ أم هناك إمكانيات أخرى؟ يطرح الأستاذ تيودور كوك T. Cook أستاذ التاريخ في جماعة نيوجيرسي سؤالاً، هل كان من الممكن أن يكون اكتشاف العالم الجديد على أيدي الصينيين؟

لقد انطلق عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، مع  هندي الملاح البرتغالي ومشروعاته الطموح للوصول إلى الشرق الأقصى عبر أفريقيا والتي توجت برحلة فاسكودي جاما حول رأس الرجاء الصالح 1498. وفي نفس الوقت كانت إسبانيا قد وافقت على رحلة كريستوفر كولمبوس إلى الشرق الأقصى عبر الأطلنطي التي انتهت باكتشاف أمريكا.. وبعده تعددت الرحلات الاستكشافية لغيرهم من الأوروبيين. فهل كانت السيطرة على البحار حكراً على الأوروبيين ووقفا عليهم، أم أن الأمر كان غير ذلك؟

يذكرنا الأستاذ كوك بما كانت عليه البحرية الصينية في أوائل القرن الخامس عشر وقبل بداية عصر الاستكشافات البحرية بأكثر من خمسين عاماً. ففي بداية القرن الخامس عشر كانت الصين تحت حكم أسرة منج ming، وكان الحاكم الجديد “زو دي” Zhu Di قد استعاد الحكم عام 1405 بعد محاكمة ابن أخيه. وساعده في استقرار حكم تابعه وصفيه الأميرال “زنج هي” Zheng he وقد ولد هذا القائد البحري في إقليم يونان Yunnan في جنوب غرب الصين لأبوين مسلمين نتيجة لفتح هذا الإقليم من القائد المغربي المسلم قبلاي خان Kublai Khan 1252 وعاد الإقليم إلى الصين في نهاية القرن الرابع عشر، وكان “زنج هي” غلاماً لا يجاوز العاشرة عند استعادة الصين لهذا الإقليم. وقد اختير ضمن عدة غلمان من الإقليم ممن بدت عليهم النجابة لإرسالهم إلى قصر الإمبراطور – بعد خصيهم – للعمل في خدمة الإمبراطور. “وكان زنج هي أحد هؤلاء الخصيان. وقد تربى مع الأمير يان الذي أصبح بعد ذلك إمبراطوراً باسم “زو دي” على ما أشرنا، فاختاره قائداً للبحرية الصينية. وقد مكنه أصلاً المسلم من التحاور والتقارب مع التجار المسلمين في جنوب شرق آسيا وفي بحر العرب، وفي نفس الوقت ساعدته ثقافته الصينية وحضارتها على تكوين أسطول بحري لا مثيل له في العالم. وقد بلغ حجم الأسطول الصيني عام 1407 أكثر من ثلاثمائة سفينة تحمل أكثر من 28 ألف بحار وبلغت أحياناً أكثر من 37 ألفاً. وقد جابت سفا الأميرال “زنج هي” المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي والبحر الأحمر فضلاً عن شواطئ شرق أفريقيا. وكانت أحجام سفن هذا الأسطول أكبر من أي شيء عرف في ذلك الوقت أو حتى بعد قرن من الزمان. فقد بلغ طول بعض سفنه 400 قدم وعرضها 150 قدماً في حين أن أكبر سفينة في أسطول كريستوفر كولمبوس – السفينة سانتا ماريا – لم يجاوز طولها 85 قدماً. وبعد هذه البداية الواعدة للبحرية الصينية قرر أباطرة المينج في الصين تغيير سياستهم، والاعتزال عن الخارج، ودعوة الأسطول إلى المياه الصينية وعدم بناء سفن جديدة والبدء في بناء سور الصين العظيم. وهكذا قبر مشروع توسع الصين في العالم الخارجي، وكانت مهيأة في الغالب للقيام بدور بارز في التجارة العالمية وفي الفتوحات العسكرية، ولكنها فضلت الانكفاء على الذات تحت ضغط على الكونفوشية ومؤامرات الحقد والحسد على نفوذ الأميرال “زنج هي”. وما أن انتصف القرن الخامس عشر إلا وكان الأسطول الصيني أثراً بعد عين، وتركت الساحة تماماً للأساطيل الأوروبية تبحث عن طريق لها إلى الشرق الأقصى. وكان التاريخ المعروف. وهنا يصح تساؤل كوك ماذا لو لم يستجب إمبراطور الصين الجديد لضغوط الحاشية واستمرار سياسات الانفتاح على العالم؟ هل كان من الممكن والطبيعي أن يصل الصينيون إلى رأس الرجاء الصالح قبل البرتغال؟ وهل كانوا سيقدمون مراكز تجارية في مختلف أجزاء غرب إفريقيا تمنع أو تقاوم ما أقامه البرتغاليون من مراكز في هذه المواقع؟ ومن يدري إذا ما كانت أخبار الإقلاع إلى الغرب عبر الأطلنطي ثمّ اكتشاف الأمريكيتين قد وصلتهم في وقت مبكر بما يسمح لهم بالمشاركة في الانتقال إلى العالم الجديد!!.

وبذلك ربما وجدنا هذا العالم يتكلم الصينية الآن جنباً إلى جنب مع الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية. وحينذاك هل كان من المحتم أن تكون الولايات المتحدة اليوم إنجليزية اللسان؟ ويجرنا هذا التساؤل إلى تساؤل آخر في الولايات المتحدة الأمريكية. فمن المعروف أنه ثار جدل حول لغة الاتحاد بين الإنجليزية والألمانية. واختيرت الإنجليزية بأغلبية صوت واحد. فماذا لو كانت قد اختيرت الألمانية؟ هل كانت تدخل الحرب العالمية الأولى ثم الثانية ضد ألمانيا؟

وإذا تركنا العالم الخارجي وأطلقنا العنان لخيالنا عن “ماذا لو”، في حياتنا المعاصرة، فماذا إذا كنا قد تجنبنا ضربة الطيران في 5 يونيو 1967 بعد أن وقعنا في نفس الشرك قبل ذلك بعشر سنوات (1956) وفي ضوء ما أعلناه من التعبئة العامة للجيش آنذاك؟ وماذا لو أدرك صدام حسين في الوقت المناسب أن حروب الجيران مضيعة للموارد وإهدار لها ودعوة لأعداء البلاد؟ وماذا وماذا؟ المستقبل قد لا يكون وحيداً أو حتمياً، ولكن الماضي، للأسف وحيد وغير قابل للتغيير. وقد ورثناه مع الحاضر. ولعل المستقبل يكون أفضل. ومع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر المبارك فلا بأس من بقايا “تخاريف رمضان”. والله أعلم

الأهرام 8 ديسمبر 2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *