ماذا يحدث في تركيا؟

يعيش العالم العربي هذه الأيام فترة بالغة القسوة والسوء. فالاستعدادات على قدم وساق لحرب أمريكية على العراق. وعلى الناحية المقابلة هناك عمليات منظمة لتدمير الشعب الفلسطيني تحت نظر العالم وسمعه وأيضاً تجاهله. والأمة العربية تعلن رفضها للحرب، مع التأكيد على أن عدم المشاركة في أعمال الحرب لا يمنع من تقديم التسهيلات واستقبال مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين، ومع الحرص على الطمأنة بأن إمدادات البترول لن تتأثر بقيام الحرب. ولست أريد من هذا المقال الحديث عن أوضاعنا العربية، بقدر ما أود الإشارة إلى بعض ما يجري على حدودنا من أطراف غير عربية ولكنها عميقة الأثر في تطور المنطقة ومستقبلها.

هناك، على أطراف الأمة العربية، دولتان إقليميتان، تركيا وإيران، بالغتا الأهمية، وترتبطان بأمتنا بسياج عميق من العلاقات التاريخية والعقائدية، وتؤثران وتتأثران بما يحدث في أي منهما. وأود اليوم أن أتناول بالتعليق على ما يحدث في تركيا حيث أنه ينبىء باحتمالات لتطورات قد تكون بعيدة الأثر في المستقبل. وهذه الملاحظات ليست تحليلاً علمياً من باحث متخصص في الأمور التركية، بل هي مجرد انطباعات لمشاهد عادي لا يتابع سوى ما ينشر في الصحف أو ما تقدمه الفضائيات. وهي قد تكون دعوة لأهل الاختصاص لكي ينيرونا في الموضوع.

إن علاقتنا – في الشرق العربي – بتركيا قديمة وعميقة وملتبسة، فيها من الإعجاب بقدر ما فيها من التوجس، وهي تمثل جزءاً من تاريخنا بحلوه ومره فضلاً عن غير قليل من الاختلاط في الأنساب. فقلّ أن توجد عائلات في مصر أو سوريا ولبنان أو العراق لم يختلط فيها النسب التركي بأبناء البلاد. وكانت تركيا – أو العثمانيون في ذلك الوقت – قد استولوا على معظم الشرق العربي مع سليم الأول في بداية القرن السادس عشر (دخل الأتراك سوريا عام 1516 ومصر عام 1517). وفي وقت بدا فيه أن دولة الإسلام تتآكل وتتراجع، حمل الأتراك راية الإسلام عالياً. فعندما كانت هذه الدولة تنسحب من أوروبا في الغرب (الأندلس)، كان الأتراك يتوسعون في الشرق. فسقطت القسطنطينية مع محمد الفاتح (1453) قبل نصف قرن من رحيل آخر الملوك المسلمين من الأندلس (1492). وترجع ذكريات أوروبا ووعيها بالإسلام، إلى حد بعيد، إلى تركيا وإسبانيا. المسلم التركي يمثل عند الأوروبي العسكري (الغازي) المتعصب لدينه، والأندلسي يمثل المتحضر والمتسامح وإن كان بلا فاعلية سياسية أو عسكرية. ربما لا يحبون هذا التركي ولكنهم يخشونه، وهم وإن قد يعجبون بهذا الأندلسي المتحضر، إلا أنهم طردوه وخيروه بين تغيير العقيدة أو الطرد أو الموت، وحتى من قبل منهم – مع اليهود – تغيير عقيدته إلى الكاثوليكية، فقد أطلقوا عليه اسم “مورانوس” وهو وصف أقرب إلى معنى “الخنازير”. وكـان هؤلاء عـادة ما يقدمـون – حتى في أجيال لاحقـة – إلى محاكم التفتيش. ورغم تهمة التعصب عن الأتراك، فقد كان بايازيد الثاني وهو على رأس الدولة العثمانية، الوحيد بين الدول – مع هولندا – الذي قبل نزوح اليهود إليها بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال. وللإنصاف أيضاً فقد كانت الدولة العثمانية – رغم رفعها لراية الإسلام – هي الدولة الوحيدة متعددة الثقافات والديانات، حين اعترفت بتعدد الملل، وخضوع كل ملة لقانونها العقائدي فيما يتعلق بأحوالها الشخصية. هذا في الوقت الذي لم تسمح فيه أوروبا لأي أجنبي – من دين آخر – بالعيش في ربوع أراضيها، مع السماح – على مضض – لليهود بالإقامة في أحياء مخصصة لهم وراء أسوار محمية. وقد عرفت الدولة العثمانية قرنين من التوسع في أوروبا حيث ضمت البلقان وأجزاء شاسعة من أوكرانيا وروسيا وبلغاريا والمجر ووقفت على حدود فينا التي هددتها أكثر من مرة. ومنذ القرن بداية القرن الثامن عشر (خسرت الدولة العثمانية أول حرب مع الأوروبيين في معاهدة كارلوويتز Carlowitz عام 1699) وبدأ نجم هذه الدولة العسكرية في الأفول وتحولت إلى “رجل أوروبا المريض” قبل أن يقضي عليها نهائياً بعد أكثر من قرنين مع الحرب العالمية الأولى. وكان ما ساعد على طول مدة الاحتضار التنافس بين القوى المتأهبة لوراثة الدولة العثمانية على اقتسام تركتها في الشرق العربي وفي البلقان، وخاصة إنجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا. وكان من العوامل المساعدة – وإن لم تكن حاسمة – على انهيار الدولة العثمانية، ما اعتبر، في نظر الأتراك حينذاك “خيانة عربية” خلال الحرب العالمية الأولى فيما سمي بذلك الوقت “بالثورة العربية” بقيادة الحسين شريف مكة. فقد زين الإنجليز في ذلك الوقت إلى الحسين شريف مكة الخروج على طاعة الخلافة العثمانية في الأستانة مقابل الوعد بإقامة مملكة للعرب تمتد من الجزيرة العربية إلى سوريا حتى حدود تركيا في الأناضول. فكوّن الحسين “الجيش العربي” وانقض على الأتراك في مختلف المواقع في الجزيرة والشام (1916). وفي نفس الوقت كان الإنجليز يتفاوضون مع اليهود (روتشيلد) لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (وعد بلفور 1917). وعلى مسار آخر وفي نفس الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات السرية بين ممثلي وزارة “الخارجية البريطانية” مع الشريف حسين في مكة، كان ممثل وزارة “المستعمرات” في الهند يتفاوض مع السلطان عبد العزيز آل سعود في نجد لتسهيل أطماعه في الحجاز. وهكذا كان للإنجليز فرسي رهان، أحدهما في الحجاز والآخر في نجد. وكانت المعضلة التي تواجه هاذين الحاكمين العربيين، شبيهة بما تعانيه بعض فصائل المعارضة العراقية حالياً. فهناك نظام قائم ظالم (الحكم العثماني) ينبغي التخلص منه، وعدو أجنبي يعادي هذا النظام (انجلترا) ويقدم الوعود للتخلص من هذا النظام وإقامة نظام عربي جديد صالح. فقد كانت الدول العربية ترزخ تحت حكم عثماني مستبد وضيق الأفق ينبغي التخلص منه. وهناك على الناحية الأخرى وعود من قوى خارجية بإزاحة هذا النظام، فلم لا نتعاون معها؟ وهو نفس الوضع الذي تواجهه بعض فصائل المعارضة العراقية اليوم في صراعها مع نظام صدام حسين وآمالها في الوعود الأمريكية. ألا ما أشبه اليوم بالبارحة!

وانتهت الحرب، ولم يحصل الشريف حسين على جائزته، وإن عوض أولاده عن ذلك، فأخذ فيصل حكم سوريا ثم العراق، وأخذ عبد الله إمارة شرق الأردن، وبالمقابل استولى عبد العزيز على الجزيرة العربية، ثم أقامت إسرائيل دولتها بعد ثلاثين عاماً (1948)، وأخيراً سقطت الخلافة العثمانية.

ولعل الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن الدولة العثمانية رغم ضعفها قد استطاعت أن تحول دون إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ولم تنشأ دولة إسرائيل إلا بعد أن تمزقت الدولة العثمانية وقام على أشلائها دول عربية مستقلة، وتوسعت إسرائيل بعد ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين مع ارتفاع صوت القومية العربية.

قامت دولة تركيا الحديثة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وأدارت ظهرها للماضي. فدولة ما بعد الخلافة أصبحت دولة علمانية، وهي تتشدد في علمانيتها ليس فقط بالفصل بين الدين والدولة، بل تكاد تقف موقف العداء من الدين الإسلامي. وهي تتخلى عن الحروف العربية في لغتها التركية وتتبنى الحروف اللاتينية، وتترك الطربوش – وكان قد ابتدعه السلطان محمود الثاني كنوع من القبعة بدون حافة ليسهل الصلاة – وتتبنى القبعة. وبعد أن كانت الدولة العثمانية إمبراطورية شرقية يغلب عليها العنصر العربي، فإذا بها تتجه إلى أوروبا بحثاً عن موقع قدم فيها بعيداً عن الدول العربية، ربما استياء من خيانة العرب لها، وربما – كما يروج بعض أنصار نظريات المؤامرة وخاصة في الشام – لأن مجموعة مصطفى كمال أتاتورك كانوا من طائفة “الدونمة”، والتي يقال أنهم من نسل اليهود الذين انتقلوا إلى الدول العثمانية وتظاهروا بالإسلام من بقائهم على عقيدتهم الأصلية. وتنكفىء تركيا الحديثة على نفسها، وتقف على الحياد في الحرب العالمية الثانية، بعد أن كلفها دخول الحرب الأولى فقدان إمبراطوريتها. وبعد الحرب وخوفاً ما جارتها الضخمة روسيا –  العدو التقليدي لتركيا – تندفع تركيا في تحالف مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما تقام دولة إسرائيل تسرع بالاعتراف بها وتقيم معها علاقات خاصة واستراتيجية. وتدخل تركيا حلف الأطلنطي وتحاول النفاذ إلى أوروبا وتتقدم لعضوية الاتحاد الأوروبي.

هذه هي تركيا كما عرفناها خلال نصف القرن المنصرم. وإذ بنا ومنذ سنوات لا تجاوز العقد وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي، نشاهد تغيرات هامة على الساحة التركية تنبىء باحتمال تطورات غير متوقعة في المستقبل. وأول هذه التطورات وأخطرها هو نمو الحركة الإسلامية. فمنذ منتصف التسعينات، بدأت هذه الدولة العلمانية – وهي شديدة الحرص على منع أي ظهور لحركات إسلامية، وحيث يقف الجيش موقفاً حاسماً لحماية هذه العلمانية الصارمة – فإذا بنا نجد أن حزب أربكان يخترق الحياة السياسية ويفرض نفسه رئيساً للوزراء في حكومة ائتلافية بالغة الهشاشة، ولكنها تمثل مع ذلك اختراقاً للأوضاع القائمة لا يمكن التهوين من دلالته. وكما هو متوقع فإن هذه الحكومة لم تستطيع الاستمرار في الحكم، وتتجمع القوى التقليدية للعمل على إزاحتها من الحكم وحرمان أربكان نفسه من العمل السياسي. وتعود التوليفة القديمة إلى الحكم لعدة سنوات، وتضطر إلى إجراء انتخابات جديدة يفوز فيها حزب إسلامي جديد بأغلبية مطلقة في البرلمان ويشكل حكومة جديدة. ويعلن الحزب الجديد التمسك بالاتجاهات الثابتة للدولة التركية الحديثة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن الاتحاد الأوروبي الذي بدأ يتوسع ليضم خمس وعشرين دولة أوروبية ما يزال متردداً في قبول تركيا كمرشح للاتحاد الأوروبي، ويشترط مزيداً من القيود على النظام في تركيا حتى تصبح دول ليبرالية مؤهلة للانضمام لهذا الاتحاد. وهي شروط تؤدي، من الناحية العملية، إلى نمو القوى الوطنية مما يدعم من ناحية الاتجاهات الإسلامية ويخفف من ناحية أخرى القيود على الأقليات الكردية. وهي تطورات تضعف من قبضة المؤسسة العسكرية التركية. وفي نفس الوقت تبدأ أوروبا بالتعبير عن حقيقة مشاعرها تجاه تركيا. فالمسألة ليست مجرد تحرير للنظام السياسي التركي حتى ينسجم مع القيم السياسية الأوروبية، بقدر ما هي قضية ثقافة وحضارة مختلفة. فيعلن جيسكار ديستان، رئيس جمهورية فرنسا الأسبق، والمكلف بوضع دستور للاتحاد الأوروبي، أنه ضد دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، لأنها دولة غير أوروبية، بل ويكاد يقول لأنها دولة إسلامية. ووجه السخرية في هذه العملية، هو أن محاولة تركيا اللحاق بالسفينة الأوروبية يفرض عليها شروطاً في التحرير والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبالتالي يكشف عن روحها الحقيقية، وهي فيما يبدو روح شرقية إسلامية، الأمر الذي سوف يؤدي إلى حرمانها من الدخول في الاتحاد الأوروبي، الذي يريدونه – فيما يبدو – أوروبياً لحماً ودماً.

وتقوم أزمة العراق. وتتحرك تركيا – حليفة الولايات المتحدة الأمريكية – فتدعو إلى عقد مؤتمر إقليمي تدعو إليه بعض الدول العربية وايران، وذلك قبل أن تتحرك الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي. وتعلن تركيا معارضتها للحرب على العراق، وتدخل في نفس الوقت في مفاوضات شاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية للنظر في منح تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية. وتكاد تتفق على صفقة تكلف الولايات المتحدة الأمريكية حوالي ستة عشر بليون دولار بين منح وضمانات. ويقال حينذاك بأن تركيا تلجأ إلى أسلوب “مساومات البازار الشرقي” للحصول على أعلى ثمن مقابل مساعداتها لأمريكا في الحرب، وأن هذه الحكومة الإسلامية الجديدة هي حكومة تجار تبيع لمن يدفع أكثر. ويعرض الأمر على البرلمان، ويرفض البرلمان الصفقة، ويرفض نواب حزب الحكومة الانصياع لتوجيهات الحكومة. وتقع الولايات المتحدة في حيص بيص، وتبحث عن خطة عسكرية جديدة. ويطرح في نفس الوقت إمكان إعادة عرض الأمر من جديد على البرلمان. ويعلن قادة الجيش التركي أن مصلحة تركيا هي في قبول العرض الأمريكي في تهديد مبطن للبرلمان بضرورة الانضباط. وتعلن الولايات المتحدة أن تركيا ستفقد المساعدات الاقتصادية المأمولة في ظروف يعاني فيها الاقتصاد التركي من صعوبات بالغة.

بصرف النظر عن أي قرار جديد بعودة تركيا إلى الصف الأمريكي، أو الاستمرار على الرفض، ففي جميع الأحوال، هناك شيء جديد في تركيا فالقوى السياسية فيها تتغير. وليس من شك في أن المستقبل سيكون مختلفاً. القوى التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة تؤكد بأن تركيا المستقبل لن تبقى على حالها وأن احتمالات تغيرها في المستقبل ليست قليلة. وهكذا يتغير كل شيء، ونظل وحدنا المحصنون ضد فيروس التغيير اللعين. والله أعلم.

 الاهرام: 16.3.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *