ما هكذا تورد الأبل.. فى العلاقة مع العالم العربى

تمر مصر حالياً بمرحلة تطور ثورى هائلة. ولابد أن ينعكس ذلك على أوضاعنا الداخلية وعلاقاتنا بالعالم الخارجى. ومراحل التحول الثورى بطبيعتها بالغة الدقة والخطورة، مما يتطلب أكبر قدر من الحكمة والعقلانية وعدم التطرف فى إتجاه أو آخر.

وقد عرفت مصر- فى علاقتها الخارجية – تطورات هائلة خلال القرن العشرين. فقد حصلت على نوع من الإستقلال المحدود منذ العشرينات من القرن الماضى، وإتسع مداه فى الثلاثينات نوعاً ما مع معاهدة 1936، وذلك حتى إلغائها على مراحل بعد ثورة 1952، بعقد إتفاقية الجلاء 1954 ثم سقوطها بعد حرب السويس. ومع حكم عبد الناصر قامت شبه قطيعة مع الغرب مع تقارب كبير مع الكتلة الشرقية حتى جاء السادات، فإنقلب الوضع إلى تقارب مع الولايات المتحدة وتنافر مع الإتحاد السوفيتى. وفى كل هذا كانت علاقاتنا تتميز بأشكال من التقارب مع النظم العربية القائمة حتى تأسست الجامعة العربية لتتحول بعد ذلك إلى مظاهر للجفاء مع بعض النظم العربية والتى قسمت إلى دول رجعية وأخرى تقدمية مع عبد الناصر حتى هزيمة 1967. وقد عادت هذه العلاقات للتقارب من جديد مع معظم الدول العربية وخاصة السعودية مع السادات مما مهد وساعد على قيام حرب أكتوبر، وذلك قبل أن تعود الجفوة من جديد بعد إتفاقية كامب دافيد.وأخيراً عادت العلاقات العربية وأخذت مجراها الطبيعى وتزايدت الإستثمارات العربية فى مصر.

ومع قيام ثورة 25 يناير وسقوط نظام مبارك، أعلنت بعض الدول العربية، خاصة السعودية والإمارات، عن نيتها تقديم حزمة من التسهيلات المالية بلغت ما يقرب من سبعة مليارات من الدولارات. ولم يتم -حتى الان- تنفيذ هذه الوعود بالكامل، رغم تأكيد الدول العربية على الإلتزام بما وعدت به.

وفى كلمة رئيس الوزراء أمام مجلس الشعب فى بيانه الحكومى، أعلن الدكتور الجنزورى أننا لم نحصل على شيء من الدول العربية، وأن “مصر لن تركع”.

والسؤال، هل هذا هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الدول العربية؟ لا جدال، أنه من حق مصر أن تشعر بنوع من خيبة الأمل، وأن تتساءل عن أسباب تأخر الدول العربية الشقيقة فى مساعدتها فى محنتها المالية. فشىء من العتاب مقبول بل ومطلوب. ولكن هل من المصلحة إثارة العواطف، والحديث “عن تركيع مصر”؟

وللإنصاف ليس دقيقاً القول بأن الدول العربية لم ترسل شيئاً لمصر. فالحقيقة أن السعودية قدمت لمصر منحة لا ترد بمبلغ خمسمائة مليون دولار، كما قدمت دولة قطر منحة مماثلة بنفس المبلغ، فضلاً عن حصول مصر على تسهيلات من صندوق النقد العربى بمبلغ 470 مليون دولار. وهكذا، حصلت مصر على ما يقرب من مليار ونصف دولار من الدول العربية بعد قيام الثورة. وفى نفس الوقت، فمازالت هذه الدول تؤكد على إلتزامها بما وعدت به.

وليس معنى ما تقدم أن الدول العربية الشقيقة قد قامت بكل ما تستطيع لمساعدة مصر فى هذه الظروف الصعبة. فهناك – ولا شك – محل للعتاب. ولكن العتاب – كما يقول المثل – هو على قدر المحبة، وما بيننا وبين الدول العربية لا يسمح فقط بالعتاب بل ويستوجبه أيضاً. ولكن العتاب هو نقيض العداوة. والحديث عن “التركيع” هو إذكاء لشعور المرارة والعداوة. فهل نحن فى حاجة إلى إثارة الرأى العام فى مصر من دول عربية شقيقة؟ وهل هذه سياسة حكيمة؟ هل من المصلحة العربية إثارة الجفاء والتوجس بين الشعوب العربية؟ أليس هذا بالضبط هدف أعداء الأمة العربية؟ ولماذا لا نلجأ إلى الدبلوماسية الهادئة؟

إننا فى حاجة إلى إستراتيجية إقتصادية عربية طويلة الأجل، تجاوز الأحداث الوقتية وتتخطى الصعوبات القائمة. فليس من المصلحة – تحت أي ظرف – تأجيج النعرات المحلية والمشاعر الغوغائية للبغضاء بين الشعوب العربية. هناك دائماً تجاوزات وحساسيات بين أفراد الشعوب، ولكن ما يجمع هذه الشعوب العربية هو أكبر وأعمق من أن تفسده تصرفات وقتية عابرة. أما إثارة الجماهير بمناسبة مثل هذه الأحداث العابرة، فهى سياسة قصيرة النظر، عواقبها، على المدى الطويل، أخطر من مزاياها.

وبصرف النظر عن الروابط التاريخية والقوية العميقة والتى تربط أبناء الأمة العربية، والتى تعتبر الأساس الصلب لنهضة حضارية للأمة العربية فى مجموعها، فإن هناك إعتبارات إقتصادية ملحة تجعل الحفاظ على سلامة العلاقات العربية أحد أهم الضمانات للإزدهار الإقتصادى العربى فى مجموعه، كما يمكن أن يكون عنصراًً محورياً لإنطلاق الإقتصاد المصرى. ذلك أن إستقرار ونماء الإقتصاد المصرى سيظل وثيق الصلة بسلامة العلاقات المصرية العربية. ومهما شاب هذه العلاقات من عناصر للتباطؤ أو حتى للعرقلة، فإن المصلحة تتطلب معالجة أسباب ذلك بأكبر قدر من الحكمة دون تعميق لأسباب الإختلاف والفرقة. المطلوب سياسات إيجابية بناءة.

لمصر ملايين العاملين فى الدول العربية، وتعتبر تحويلات العاملين منها إلى الإقتصاد المصرى هى أكبر مصدر للعملات الأجنبية – أكثر من عشرة مليار دولار سنوياً. وينبغى أن نحرص على هذا المصدر مع العمل على نمائه. ورغم أن هناك – أحياناً – بعض المضايقات بل وأحياناً أخرى بعض مظاهر الإستفزاز، فإن ذلك لا يبرر صب الزيت على النار وإشعال المواقف، بقدر ما يتطلب المعالجة الهادئة بأكبر قدر من المسئولية والعقلانية. وليس معنى ذلك التنازل عن الحقوق أو التهاون فى الكرامة فهناك دائماً الأساليب التى تساعد على الحفاظ على المصالح العليا دون تأجيج للعواطف أو إفساح المجال لأعداء الأمة العربية للصيد فى المياه العكرة.

كذلك، لا ننسى أن المنطقة العربية تتمتع – فى هذه الفترة – بأكبر تجمع مالى فى العالم والذى يبحث عن فرص الإستثمار والتوظيف. ومسئولية الإقتصاد المصرى – فى هذه الفترة – هى العمل على توفير الظروف المناسبة لإستقطاب جزء من هذه الأموال لكى تستثمر فى الإقتصاد المصرى وبما يدعم الإقتصاد العربى فى مجموعه. وإذا فشلنا فى إستقطاب جزء من هذه الأموال، فعلينا أن نتساءل عن أسباب فشلنا فى جذب هذه الأموال، قبل أن نوجه الإتهامات إلى الآخرين. وأما أن نلقى اللوم على الآخرين، فهذا هروب من المسئولية.

والأموال العربية المتوافرة هى فرصة أمام مصر وغيرها من الدول العربية غير النفطية لكى تتخذ السياسات الإقتصادية المناسبة، وتهيىء المناخ اللازم لإستثمارها وبما يعود على الأمة العربية بالنفع. فينبغى أن يكون جذب الأموال العربية للإستثمار فى مصر هو أحد أهم عناصر الإستراتيجية الإقتصادية لمصر الآن. وعدم نجاحها فى ذلك هو دعوة إلى الدراسة والتأمل فى أسباب الفشل قبل أن يكون مبرراً للخصام والإتهام. وهو أمر لا يتحقق بالخطب السياسية والإتهامات المرسلة، وإنما بمراجعة النظر فى الأوضاع المحلية والعمل على جعل الإقتصاد المصرى جاذباً للإستثمارات وليس طارداً لها. جذب الإستثمارات العربية يجب أن يكون أحد أهم عناصر الخطط الإقتصادية المصرية.

ولا ننسى فى هذا الصدد أن حاجتنا إلى الإستثمارات الخارجية ستظل ولفترة طويلة أحد أهم عناصر التقدم الإقتصادى. فمعدلات الإدخار المحلية من مصر مازالت متواضعة وهى تتراوح بين 15-16 % من الناتج القومى. ومصر فى حاجة إلى معدلات إستثمار لا تقل عن 30 % ولمدة عشر سنوات قادمة على الأقل. وهذه الفجوة التمويلية لن تسد بغير إستثمارات خارجية وخاصة الإستثمارات العربية. والسبيل الوحيد لجذب هذه الإستثمارات لن يتم بمعاداة الآخرين، وإنما بإصلاح البيت الداخلى، وجعل الإقتصاد المصرى بيئة جاذبة للإستثمار. ومن هنا فإن تحقيق الإستقرار ووضوح الرؤية بالنسبة للمستقبل هو الخطوة الأولى لجذب الإستثمارات.

لا بأس من العتاب الخفيف للأخوة الأشقاء، وشرح الأوضاع الصعبة التى تمر مصر بها، مع شرح الخطوات القادمة لتحقيق الإستقرار. قد يكون هناك بعض التقصير من إخواننا العرب، ولكن الإتهام ليس أفضل الأساليب لإصلاح الأحوال. “فما هكذا تورد الأبل”. والله أعلم

الأهرام 11 مارس 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *