محاكمة مبارك من منظور تاريخي

تنتابنى، مثلى مثل العديد من المصريين، مشاعر متناقضة إزاء أخبار التحقيق مع الرئيس السابق مبارك وقرار حبسه. فهناك إحساس دفين بأنه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح، وأن الله يمهل ولا يهمل. ولكنَّ هناك شعوراً آخر مناقضاً بأنه لا يجوز التساهل مع مخاطر الانزلاق لمشاعر الشماتة والتشفى مع إنسان يمر بمحنة إنسانية قاسية وربما الحل الأنسب هو أن يطبق عليه القانون بكل صرامة دون إفراط أو تفريط، فيعامل بحزم- كما يعامل الجميع- ويعطى من الحقوق ما يتمتع به المواطن من حقوق، وأنه برىء حتى تثبت إدانته.

ولكن إلى جانب هذه المشاعر النفسية المتناقضة، فإن هناك اعتباراً آخر أكثر أهمية وهو أن محاكمة مبارك بعد ثورة شعبية فريدة، يمثل مطلباً تاريخياً لمستقبل الحياة السياسية فى مصر وربما فى العالم العربى، وفى هذا الصدد فإن آلام فرد مهما بلغت قسوتها لا تتناسب مع أهمية الدور التاريخى لمثل هذه المحاكمة. إن محاكمة مبارك فى هذا السياق التاريخى ليست محاكمة لفرد مهما بلغت أخطاؤه أو كانت قيمته، ولكنها محاكمة لمفاهيم عتيقة آن لها أن تختفى فالانطباع السائد هو أن الحاكم فى منطقتنا وفى مصر خصوصاً هو فرعون فوق البشر وأنه يملك البلاد والعباد، وقد آن الأوان للقضاء على هذه الرواسب التاريخية البائدة.

 المحاكمة فى المنظور التاريخى الأوسع ليست محاكمة شخصية بقدر ما هى محاكمة لمفهوم الحكم الاستبدادى المطلق. لعلنا نتذكر أن تحقيق الديمقراطية فى الدول الأوروبية التى سبقتنا لم تكن فقط نتيجة أفكار أو مقولات قدمها الفلاسفة والمفكرون أو نتيجة لثورات وانتفاضات شعبية، بل كان لها قرابين قدمت على مذابح التاريخ لتؤكد للحكام التالين أن حقوق الشعوب لا تستباح، وأن ثمن انتهاك هذه الحقوق هو ثمن باهظ.

يقال عادة إن الديمقراطية المعاصرة ولدت فى الغرب خاصة فى إنجلترا وفرنسا، وتجربة هذين البلدين مع الديمقراطية تثبت أن ثمن الديمقراطية غالٍ، وإذا كانت الشعوب قد دفعت نصيبها من هذا الثمن بما تحملته من مظاهر القهر والظلم وما قامت به من انتفاضات وما خلفته من ضحايا وخسائر، فإن الحكام أيضاً قدموا قرابين رمزية لهذه النهضة الديمقراطية، فلم تتحقق الديمقراطية الإنجليزية أو الفرنسية نتيجة لدماء الشعوب وكفاحها وحدها. ولكن إعدام شارل الأول ملك إنجلترا ثم صعود لويس السادس عشر إلى المقصلة كان الدرس الأساسى لكل حاكم لاحق عليهما.

الديمقراطية ليست ممارسة للشعوب وحدها بل هى فى الدرجة الأولى درس للحكام، والحكام فى حاجة دائمة للتذكير بأمثلة ملموسة بأن انتهاك حقوق الشعوب لا يمر بلا ثمن يدفعه الحكام وإن بعد حين. لم يكن شارل الأول أسوأ حكام إنجلترا كما أن لويس السادس عشر كان أطيب ملوك البوربون، وربما أكثرهم رقة، ولكن هل كان إعدام شارل الأول فى إنجلترا أو لويس السادس عشر فى فرنسا خطأ تاريخياً؟

الحقيقة هى عكس ذلك تماماً فهذا الإعدام أو ذاك لم يكن فقط لشخص شارل أو لويس، وإنما كان إعداماً لفكرة تدعى بأن الملك سيد لشعبه وليس خادماً له، ومع إعدامهما استقر تاريخياً أن الحاكم مهما ارتفعت قامته ما هو إلا خادم لأمته يرتفع شأنه بقدر ما يخلص فى خدمة هذه الأمة. لقد كان إعدام هذين الملكين المصل أو اللقاح الذى حصن الشعبين الإنجليزى والفرنسى خاصة ملوكهما وحكامهما بأن الشعب هو السيد وأن من يتجاهل هذه الحقيقة سوف يدفع الثمن.

إذا كانت محاكمة مبارك ضرورة، فليس معنى ذلك المطالبة بالحكم عليه، فالحكم عليه يتوقف على مدى توافر أدلة على مخالفته القوانين، ومن الضرورى أن تتم هذه المحاكمة بأكبر قدر من مراعاة القانون واحترام حقوق المواطن، وأن يتوافر لها كل ضمانات المحاكمة العادلة، فمحاكمة مبارك يجب أن تكون نموذجاً للعدالة واحترام القانون وليس فرصة للتشفى، هذه محاكمة لفكرة أكثر منها محاكمة لشخص، إنها تأكيد على أن الحاكم لا يعلو على القانون وليست له حقوق أكثر من أى فرد آخر وأيضاً ليست له حقوق أقل.

أياً كانت مشاعرنا الشخصية إزاء مبارك، فإننى أعتقد أن محاكمته ضرورة تاريخية لمستقبل الحكم فى مصر، ودرس لحكام مصر القادمين، ولا مفر من هذه المحاكمة إذا أردنا أن تكون ثورتنا درساً للحكام، فهم أحوج للدروس، أما الشعوب فإنها تعرف حقوقها، والله أعلم

المصرى اليوم 19 ابريل 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *