محمد حسنين هيكل

 

الأخ الصديق طلال سلمان

 

تحية طيبة وبعد،،،

 

كنت أستعد للقيام بإجازتي السنوية خلال الأيام القادمة، حين تسلمت رسالتكم المتعلقة بما تعدونه لملف عن أبرز الصحافيين العرب بدءاً بالأستاذ هيكل.  وهكذا جاء طلبكم، للكتابة عن الأستاذ محمد حسنين هيكل في وقت ضيق، مما وضعني في حيرة شديدة.  فالأستاذ محمد حسنين هيكل ليس فقط صحفيا متميزاً ورائداً في ميدانه، بل أنه شاهد مشارك في أحداث تركت آثاراً عميقة في المجتمع المصري والعربي.  ولذلك فإن الكتابة عنه ليست بالأمر الذي يؤخذ بخفه ويعد في يوم أو يومين وأنا في ظروف الإعداد للقيام بالإجازة وبالتالي أحاول أن أنتهي قدر الإمكان من عدد من المسائل المعلقة في مكتبي.  وقد ذكرتم في رسالتكم “عرفتم الأستاذ هيكل عن قرب، حاوركم وحاورتموه في مختلف المسائل” وبالتالي رأيتم من المناسب أن تطلبوا مني الكتابة عنه في “تقييم موضوعي”.  وحقيقة الأمر أنني عرفت الأستاذ محمد حسنين هيكل بالفعل منذ فترة طويلة نسبياً وفي مناسبات مختلفة، وسوف يكون من الشرف لي أن يعتبرني “صديقاً” له كما ذكرتم في خطابكم.  ومع ذلك، فسوف يكون من المبالغة القول بأن معرفتي بشخصيته المتعددة الجوانب وعلاقاته الكثيرة، كافية لإبداء رأي أو توصيف منصف وكامل.  ولكل ذلك، فقد اتجهت في أول الأمر لدى قراءتي رسالتكم إلى الميل إلى الاعتذار عن عدم المشاركة في هذا العمل الهام،  إنصافاً له ولي.  فليس من الإنصاف لمحمد حسنين هيكل أن يكتب عنه بتسرع بناء على انطباعات هي في نهاية الأمر انطباعات سريعة وخاطفة.  وبالمثل فإنه ليس من العدل بالنسبة لي أن أتورط في إحكام عن محمد حسنين هيكل لا تسندها معرفة عميقة وطويلة، بل وربما معايشة في العمل والمهنة أو تعاون في نشاط سياسي أو عمل عام، اكتفاء بعدد محدود من المقابلات في مناسبات اجتماعية متعددة مع ما يفرضه ذلك من مجاملات هنا أو هناك مراعاة لظروف الحال.  ولذلك فقد كان رد فعلي الأولي هو الاعتذار كما سبق وأن ذكرت.  ولكن من ناحية أخرى خجلت من الاعتذار عن عدم الاستجابة لطلب لكم، وفضلاً عن ذلك فالأستاذ محمد حسنين هيكل هو في نهاية الأمر كاتب يكتب للجميع، ولابد أن يكون لكل منا “فكرة عامة” عن دوره.  وإذا كنت لا أستطيع القول بأنني قرأت كل ما كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل، فالصحيح أيضاً أنني قرأت الكثير مما كتبه.  ولا تنسى أنني أنتمي إلى جيل عاش شبابه في عصر عبد الناصر وكان هيكل “بصراحة” هو النافذة التي كنا نحاول من خلالها أن نعرف ما يجري حولنا من أحداث.  ولكل ذلك فقد رأيت، بدلاً من الاعتذار عن المشاركة في عملكم، الاقتصار على إعطاء بعض الانطباعات العامة عن دور الأستاذ محمد حسنين هيكل، في ضوء ما ذكرت في مقدمة هذا الخطاب.  فهذه انطباعات أكتبها على عجل، وليست نتيجة تفكير هادئ يستعيد المستندات والمراجع، بل هي وليدة الذاكرة الحاضرة، وهو أمر، على ما سوف أشير إليه، يختلف تماماً عن طبيعة الأستاذ هيكل.  فهو شخص حريص، يرى أنه مسؤول أمام الآخرين، فلا يكتب شيئاً إلا بعد أن يستوثق منه ويجد الدليل عليه وربما يصوره ويحتفظ به.  ولذلك فإن قبولي الكتابة عن الأستاذ هيكل ينطوي على خروج عن أسلوبه، فما أسجله هنا هو انطباعات “عفوية” أكثر منه ترجمة لأحداث موثقة “مستندياً”، الأمر الذي أحب الأستاذ هيكل أن تتصف به أعماله وخاصة بعد تركه الأهرام.

 

ولعل نقطة البداية هي ضرورة الاعتراف بأن الأستاذ هيكل “صحفي” “حتى النخاع” وأنه تربى في مدارس صحفية متعددة أتاحت له معرفة الكثير من فنون وأسرار هذه المهنة.  فقد عمل في الأجيبشيان جازيت ثم مع مصطفى وعلي أمين في أخبار اليوم قبل أن يتولى رئاسة تحرير “آخر ساعة”، وأخيراً استقر في الأهرام رئيساً للتحرير منذ 1957- على ما أعتقد.  وقد عرفه الجمهور في فترة ما قبل الثورة من خلال كتاباته عن الحرب الكورية وعن الثورة الإيرانية وآية الله الكاشاني.  وارتبط اسمه بعد ذلك بالأهرام وعبد الناصر على ما هو معروف.  وإذا كانت تجربته في بدايته الصحفية قد ساعدته على التعرف على مختلف المدارس الصحفية – بدءاً بالمدرسة الإنجليزية في الإجيبشيان جازيت، ومروراً بمدرسة مصطفى وعلي أمين اللذين حاولا إدخال أسلوب الصحافة الأمريكية للإثارة من ناحية والسرعة من ناحية أخرى على الصحافة المصرية، فإن تجربته الأكثر عمقاً وتأثيراً كانت، ولاشك، في الأهرام.  وكان الأهرام، كشأن العديد من الصحف المصرية قد نشأ – في الاسكندرية 1876 – على يد عائلات شامية، إلا أن الأهرام حرص على التمسك بقدر من الاستقلال والحيدة بغرض توفير المصداقية للصحيفة، وبذلك لم يتورط الأهرام كثيراً في قضايا خلافية، وكان بشكل عام يمثل الرأي الرسمي للحكومة.  وعندما تولى هيكل رئاسة تحرير الأهرام، فإنه لم يحدث فيه انقلاباً، بل استمر على هدوئه ورزانته، وتحول ليصبح شبه جريدة رسمية للدولة.  ومع تأميم الصحافة في بداية الستينات، طرحت علاقة الصحافة بالسلطة، وظهرت في أبرز صورها في علاقة الأستاذ هيكل “الصحفي”، بالسلطة.  وهو الدور الذي برع فيه الأستاذ هيكل إلى حد كبير.  فالأستاذ هيكل يقول عن نفسه أنه “صحفي”، وهو يفخر بذلك.  ولكن الجميع يعرف أن هذا، رغم أنه صحيح، إلا أنه ليس كل شيء، فالأستاذ هيكل – وقت عبد الناصر- كان صحفياً، حقاً، ولكنه كان “أكثر من ذلك”، فقد كان جزءاً من السلطة، أو قل جزءاً من “عقل السلطة”.  والحديث عن الصحافة والسلطة هو حديث بالغ الدقة.  فالسلطة هي مصدر أساسي للمعلومات- إن لم تكن المصدر الأساسي- والصحافة لا يمكن أن تعيش دون أن تكون على علاقة بها للحصول منها على المعلومات.  ولكن الصحافة ليست مجرد ناقل للمعلومات، بل هي باحث عنها، مصفي لها، ناقد لها، محلل لها.  ولا يمكن أن يتحقق هذا دون أن تتوافر للصحافة الحرية والاستقلال.  وهكذا، فعلاقة الصحافة بالسلطة دائماً ملتبسة متداخلة، فيهما من التعاون بقدر ما فيهما من الاستقلال.  ويتحقق التوازن بين الأمرين بقدر ما تكون المصداقية ضرورية لنجاح الصحافة من ناحية ومطلوبة لاستمرار السلطة من ناحية أخرى، وهو، ما يحدث عادة في الدول الديمقراطية التي تعرف تعدداً سياسياً وتداولاً للسلطة تحت رقابة الشعب.  ولم يكن الأمر كذلك خلال فترة رئاسة الأستاذ هيكل للأهرام.  فقد غلب على هذه الفترة سيطرة الدولة على الصحافة – وخاصة بعد تأميمها – فضلاً عن أن نظام الحكم القائم لم يعرف تعددية أو تداولاً للسلطة.  وكان المفهوم هو أن الإعلام جزء من أدوات الدولة للحكم.  ولذلك بدأ الأمر، مع الثورة، بإنشاء وزارة “للإرشاد”، فالمواطنون – كالأطفال – في حاجة إلى إرشاد من “الكبار” أكثر مما هم في حاجة إلى إعلام مستقل.  وهكذا كانت مشكلة الأستاذ هيكل الصحفي الذي يريد أن يكتسب لصحيفته مصداقية الإعلام، وينفي عنها “أبوية” الإرشاد للسلطة، ومن هنا أيضاً الوضع الملتبس للأستاذ هيكل، وأين مكانه من السلطة، وهل هو جزء من السلطة يشارك في تصميم أفكارها أم يقتصر فقط على صياغتها.  وقد نجح الأستاذ هيكل في خلق وضع ملتبس ومبهم حول علاقته بالسلطة، فقد احتفظ دائماً بقدر من المسافة والاستقلال عن السلطة مما سمح له، في بعض الأحيان، بانتقادها، كما فعل عند مناقشته “لزوار الفجر”، ولكنه حرص في نفس الوقت على إعطاء الانطباع بأنه المعبر الرسمي عن آراء عبد الناصر.  وهو انطباع أكدته الأحداث، حيث كانت مقالات هيكل “بصراحة” إما معلنة عن التوجهات القادمة أو مفسرة للسياسات القائمة.  ويرجع نجاح هيكل في هذا الصدد إلى أنه لم يقتصر على نقل أفكار “الزعيم”، بل أنه كان يضعها في إطار من التحليل السياسي المستند إلى الوقائع والأحداث التاريخية.  وهكذا أضاف هيكل إلى الكتابات الصحفية السياسية قدراً من العقلانية والموضوعية ولم يقتصر – مثل العديدين- على إطلاق الشعارات الطنانة والإثارة العاطفية، وإن كان في اختياره – وبالتالي إسقاطه –للوقائع والأحداث يركز على ما يساعده على إبراز المعنى الذي يدعو إليه.  فهو كاتب يخدم قضية ونظام، وكتاباته تصب في خدمة هذا وتلك.

 

وحسنين هيكل ليس فقط كاتباً مميزاً بل إنه يحب أيضاً صحبة المتميزين.  فكتابات محمد حسنين هيكل أنيقة وقد سك العديد من العبارات الفذة، ربما أخطرها تعبير “النكسة” عن هزيمة 1967، رغم أنه ينسب مصدرها إلى آخرين، ولكنه من خلال كتاباته واستخدامه لها – مع عبد الناصر – كرس هذا الاصطلاح في الأذهان.  وأياما كان الأمر، فقد دفعه حبه للتمييز إلى “اقتناء” كل ما هو متميز للأهرام.  ولذلك فقد حرص على أن يرتبط – بشكل أو آخر – بالعديد من عناصر النخبة الثقافية في مصر، وكان أن ضم الأهرام أكثر الأسماء اللامعة، من توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وحسين فوزي، ولويس عوض، وصلاح طاهر، وغيرهم وذلك بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، من اليسار أو اليمين، لا يهم.  ولم يلبث أن أنشأ في الأهرام مركزاً للدراسات الفلسطينية – تحول فيما بعد إلى مركز للدراسات الإستراتيجية- فكان بذلك مبادراً إلى تأكيد أهمية الفكر العلمي كأساس للسياسات العامة.ولم يكن غريباً أن يضم الأهرام بين إصداراته “الطليعة” مع لطفي الخولي اليساري، في نفس الوقت الذي أصدر “الأهرام الاقتصادي” مع بطرس غالي اليميني.  وهكذا، فقد كان هيكل بطبيعته “نخبوي” ينجرف إلى عناصر “النخبة” ليس فقط فكرياً، بل واجتماعياً أيضاً فهو يلعب الجولف ويعيش حياة اجتماعية راقية بلا ابتذال.

 

وإذا كانت علاقة هيكل بالسلطة ملتبسة خلال فترة عبد الناصر، فإن علاقته بالناصرية أكثر التباساً.  فهل هو ناصري آمن بفكر عبد الناصر وتابعه فيها مع التابعين، أم أنه شريك له مغذياً له بالأفكار والآفاق الجديدة ومبلوراً لهذه الأفكار، ومعيداً لصياغتها؟  وإذا كانت “فلسفة الثورة” معبرة عن فكر عبد الناصر، فإلى أي حد ساهم هيكل في بلورتها أو حتى في كتابتها.  كل هذه أسئلة دون إجابات قاطعة.  والأكيد أن هيكل لم يكن من “دراويش الناصرية”، وإن كان يمكن أن يكون من قديسيها أو آبائها المؤسسين.  فتصريحات عبد الناصر وخطبه كثيراً ما كانت تكراراً لمقالات سابقة لهيكل وتأكيداً لها، أو بالعكس، كانت مقالات هيكل تفسيراً وتأصيلاً لخطب عبد الناصر.  وهكذا فقد كان من الصعب في أحيان كثيرة معرفة أين الأصل وأين الصورة.

 

وإذا كان من الصعب تحديد دور هيكل في بلورة أفكار عبد الناصر، فإن طبيعة العلاقة الشخصية بينهما لا تقل غرابة.  فهي علاقة استمرت لفترة طويلة حيث شغل هيكل مكاناً متميزاً لدى عبد الناصر، فهو أثيره وصديقه ومستشاره، وإن كان ذلك لم يمنع تعرضه، أحياناً، لمضايقات أجهزة المخابرات، وربما بسبب هذه العلاقة المتميزة.  وهذه العلاقة الطويلة والمستمرة بين الصحفي والحاكم ليست بالأمر الهين.  فعبد الناصر، وكانت له علاقات كثيرة، قليل منها استمر حتى النهاية.  فقد تساقط الواحد منها بعد الآخر خلال رحلة الثورة بدءاً من محمد نجيب وانتهاء بعبد الحكيم عامر.  ولم يكد ينجو من مسلسل هذا التساقط المستمر في علاقات عبد الناصر بإخوانه سوى أنور السادات وحسين الشافعي.  ويمكن أن نضم إليهما محمد حسنين هيكل، رغم أنني أشك، في أن هيكل سوف تسعده هذه الصحبة.  وإذا كان كل من هيكل والسادات، من دون الكثيرين، قد استطاع، كل بطريقته، الاحتفاظ بصداقة وثقة عبد الناصر طوال فترة حكمه، فإنهما لم يلبثا أن وقعا في صراع مع بعضهما البعض بعد وفاة عبد الناصر.  وهو صراع لم يكن دائماً ناعماً.  فالسادات لم يتوان عن إدخال هيكل السجن، وهيكل لم يترك فرصة دون غمز أو لمز له بعد خروجه من السجن ووفاة السادات.

 

وإذا كانت علاقة هيكل بالسلطة محل التباس خلال حياة عبد الناصر، فإن الأمور وضحت بشكل كبير بعد وفاته.  فبعد شهر عسل – ليس بالقصير – بين السادات وهيكل، خرج – أو أخرج- من الأهرام ليبدأ صفحة جديدة في مسيرة جديدة بعيداً عن ظل السلطة.  وهي أيضاً فترة اختبار لمعرفة مكانة هيكل الحقيقية في الرأي العام، وهل قيمته مستمدة من تقدير لما يكتبه أم هي راجعة إلى علاقته مع السلطة.  وقد أثبت هيكل خلال هذه الفترة أنه معدن أصيل يستمد قيمه الذاتية مما يكتبه وليس مما يعكسه من أضواء من علاقاته بالآخرين (السلطة).  وإذا كانت هذه الفترة قد أظهرت القيمة الحقيقية لهيكل، فقد عرضته أيضاً للنقد الحاد من جبهات متعددة، بعضها يعكس آراء السلطة الجديدة التي سحبت دعمها له، والبعض الآخر من العناصر المكبوتة أيام عبد الناصر والتي وجدت الفرصة سانحة للتنفيس عن مشاعرها.  وهكذا كان ابتعاد هيكل عن أضواء السلطة دائراً بين النفع والضرر – كما يقول القانونيون.  فهو منفعة له بقدر ما أكد أن وجوده في الحياة العامة وتأثيره في الأحداث أمر مستقل عن علاقته بالسلطة، ولكنه مضرة بالقدر الذي فتح عليه النار من منتقديه.  وقد عبر أنيس منصور عن شيء من ذلك عندما قال – فيما أتذكر – بأن هيكل بعد عبد الناصر قد أصبح أكثر حرية وأقل أمناً.  فهو الآن يستطيع أن يقول ما يشاء وقد تحرر من قيود تأييد السلطة.  ولكنه بابتعاده عن حماية السلطة قد أصبح أقل أمناً.  وبالفعل لقد تحققت نبوءة أنيس منصور من حيث زوال الشعور بالأمن لدى هيكل، فلم يلبث أن دخل السجن في عصر السادات.  وبذلك فإن نقص الأمن كان – بالنسبة لهيكل – مشكلة حقيقية.  أما عن مزيد من الحرية له بعد عبد الناصر، فهناك كلام.  حقاً لقد أصبح هيكل متحرراً من قيود السلطة ومراعاة احتياجاتها، حين كان مضطراً للدفاع ليس فقط عما يوافق عليه شخصياً بل كان عليه أيضاً – بصفته محل ثقة الرئيس والمعبر عن آرائه – الدفاع أو – في الأقل – الصمت عما لا يعجبه.  وبوفاة الرئيس تخلص هيكل من هذا العبء، واستعاد حريته، أو قدراً كبيراً منها.  ومع ذلك فقد وجد نفسه محملاً بعبء جديد.  صحيح أنه أصبح غير مضطر للدفاع عن سياسات النظام في شكله الجديد، ولكنه أصبح مطلوباً منه بنفس القدر حماية تراث عبد الناصر.  فبعد وفاة الرئيس عبد الناصر قامت رده، مقنعة حيناً وسافرة أحياناً، للنيل من هذا التراث.  والنظم السياسية – في مصر – ورثت إرثاً فرعونياً قديماً، بأن الأمجاد تنسب جميعاً إلى الحاكم الحالي وإبرازه على أنه أفضل من ولدته امرأة على أرض مصر منذ عهد مينا، الأمر الذي يتطلب قدراً من التطاول – المحسوب – على الحاكم السابق وبما يعلى من قامة الحاكم الجديد، ولكن مع مراعاة ألا يؤثر الأمر على هيبة الحكم في ذاتها.  وهكذا كانت وفاة عبد الناصر – كما ستكون وفاة السادات بعد ذلك – مناسبة لنبش القبور وإخراج المخفى.  وبذلك وجد هيكل نفسه، بعد وفاة عبد الناصر، أمام هجمة جديدة على عبد الناصر والناصرية.  وبالنظر إلى ذكاء هيكل واعتداده بنفس، فإنه لم يقبل أن يزج بنفسه بين من أطلق عليهم “دراويش الناصرية”، فهو يحمي التراث الناصري، ولكنه يرتفع عن الصغائر والخصومات الشخصية، إنه يدافع عن “قضية”، وكتاباته هي “لمصر وليس لعبد النصر”.  وهكذا يصبح المدافع الأولى عن عبد الناصر ليس ناصرياً.

 

وكان أحد مظاهر الرده عن الناصرية هو ظهور بذور الشك حول سلامة فكرة “القومية العربية”، وما إذا كانت توريطاً لمصر فيما لا طاقة لها به.  ورغم عمق الجذور الإسلامية – وبالتالي العربية – في مصر منذ قرون، فقد ظهر فيها محاولات لإحياء نوع الوطنية المصرية منذ بداية القرن العشرين.  وجاءت هزيمة 1967 فأحيت، لدى البعض، هذا الحنين الوطني.  وكان السادات قد فهم هذا الحنين للوطنية المصرية، فعمل على استعادة اسم “مصر” بدلاً من “الجمهورية العربية المتحدة” التي لم تعد تعبر عن أي شيء “متحد” بعد انفصال سوريا.  وقد وجد تصرف السادات هذا قبولاً كبيراً في الشارع المصري.  على أن هيكل رأى في خطر التحول عن النظرة القومية ما يهدد الأمن المصري نفسه.  فكانت كتاباته دفاعاً عن القومية – وبشكل غير مباشر عن التراث الناصري – دفاعاً قوياً ومقنعاً وعقلانياً لم يبن على العواطف والأوهام بقدر ما استند إلى حقائق التاريخ والمفاهيم الاستراتيجية العالمية لطبيعة وضع المنطقة ومكان مصر فيها.  وكان دفاع هيكل هنا عن القومية العربية، حقاً، “لمصر وليس لعبد الناصر” فقط.

 

ولكن إذا كان دفاع هيكل عن تراث الناصرية حول القومية العربية صلباً ومقنعاً، فقد جاءت محاولاته للتصدي للانتقادات الأخرى وخاصة المتعلقة بأسباب هزيمة 1967 أو نقص الحريات وغلبة الحكم الشمولي أقل نجاحاً.  فأما عن هزيمة 1967 فقد رأى هيكل أن تقييمها يتطلب الغوص في التاريخ على نحو أشمل.  ومن هنا كتب عن حروب الثلاثين عاماً والمواجهة مع الاستعمار، وإن التركيز على لحظة 1967 إنما هو فقدان الصورة الإجمالية، فهي ليست سوى فقرة في ملحمة طويلة للصراع مع الاستعمار وأعوانه.

 

وفي هذه الكتابات برز هيكل ليس كصحفي يحلل الأحداث بل جاوز ذلك إلى دور المؤرخ الذي يسجل الأحداث ويغوص في الوثائق.  وبذلك ساعدت الحملة على التراث الناصري في إبراز جانب جديد في هيكل، هيكل المؤلف والباحث في التاريخ الحديث.  ولكنه في مهنته الجديدة – كمؤرخ ومؤلف – لا يقتصر على البحث عن الحقيقة أياً كانت، وإنما هو صاحب قضية يريد إثبات صحتها.  فالتاريخ والوثائق ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية، وهي محاولة تبرأة عبد الناصر – بالقدر الممكن – من مسؤولية 1967 والدفاع عن التجربة في مجموعها.  فالرجل في حرب ضروس مع عدو شرس وعالم متحيز.  ولماذا التركيز على لحظة 1967 وتجاهل حقيقة الصراع الطويل، والذي لن ينتهي بهزيمة في معركة، فخسارة معركة ليست خسارة الحرب، وبالتالي ، دعونا من أصوات الاستسلام والهزيمة ولنستمر في طريق الصراع الطويل غير مبالين “بنكسة” هنا أو هناك، فلكل حصان كبوة.

 

وإذا لم يكن تبرير هيكل لهزيمة 1967 مقنعاً للكثيرين، فإن دفاعه عن ممارسات عبد الناصر غير الديمقراطية لم تكن أكثر إقناعاً.  فحاول في إحدى المرات البحث عن التبرير فيما أسماه التفرقة بين الديمقراطية بالمشاركة “والديمقراطية بالموافقة”.  ويعني بالأخيرة، أنه إذا كانت الديمقراطية – في الجوهر – هي حكم الشعب، وبالتالي أعمال إرادته في الحكم، فإن هذه الإرادة يمكن أن تظهر فـي شكل موافقـة عامـة لجمهور الشعب لسياسات الحكومات.  وكان عبد الناصر يتمتع بالفعل بشعبية جارفة وكانت معظم إجراءاته تحظى بتأييد شعبي.  فماذا تريدون أكثر من ذلك؟  أليست هذه هي الديمقراطية، وهي “ديمقراطية بالموافقة” حينما يتمتع القائد بحس شعبي يجعله يتحسس رغبات الجماهير وتطلعاتها والتعبير عنها.  ولست أشك في أن هيكل، الذي نشأ وترعرع في بيئة ليبرالية، تعيش على حرية الرأي والتعبير، وترى في دولة القانون الضمان الحقيقي لحقوق الأفراد وحرياتهم- لا شك أنه كان غريباً على دولة المخابرات والأحكام العرفية وأشكال التعذيب.  ولكن، من ناحية أخرى فإن هيكل هذا وقد كان غريباً على دولة الشمولية، فإنه قد وصل إلى عقل وقلب قائد الثورة وأقنعه واقتنع به، وتمتع في ظل نظامه بحرية ونفوذ كبيرين، ورأى في هذا القائد بطلاً يحمل أحلاماً عظاماً لشعبه تستحق العمل من أجلها، فلا بأس،إذن، من تأجيل الحريات الفردية حتى ننتهي من المهمة الكبرى والأحلام العظمى.  ولعله من المناسب هنا الإشارة إلى أنه رغم العلاقة الوثيقة بين هيكل وعبد الناصر، فقد كان هيكل دائماً محل ريبة من أجهزة المخابرات فضلاً عن نوع من عدم الاستلطاف إن لم يكن من التناحر بينه وبين قيادات الحزب (الاتحاد والاشتراكي).  ربما بسبب الغيرة حول علاقته المتميزة مع عبد الناصر، وربما لأنه عنصر غريب بأفكاره “المدنية”.  ولعل مما ساعد هيكل على قبول هذا التنازل “المؤقت” للحريات أنه قد عرف – عن قرب – رجالات السياسة في مصر قبل الثورة في العصر الذي أطلق عليه – جزافاً – العهد الليبرالي.  فرأى هؤلاء الرجال يصغرون أمام موظف في السفارة البريطانية أو أمام رجال القصر، ويستقوون بالإنجليز للوقوف أمام القصر، أو بالقصر لإلغاء الدستور والتنكر لحقوق الشعب في ظل حكومات الأقلية.  وقد يكون في هذا تفسيراً شخصياً، وهو على أي حال لا يصمد لكي يصبح تبريراً للموافقة والتأييد للحكم الشمولي والإجراءات التعسفية وإهدار دولة القانون.

 

كان هيكل في عهد عبد الناصر شريكاً في الحكم – على الأقل من الناحية الأيديولوجية- وفي عهد السادات بدأ مشاركاً ثم مناوئاً للحكم، أما في عهد مبارك فقد استعاد هيكل دوره – بعيداً عن دائرة الحكم الضيقة – كصحفي ومفكر ولم يعد مشاركاً أو مناوئاً للحكم بشكل شخصي.  فبعد فترة قصيرة من خروجه من السجن أصدر فيها كتباً لتصفية حساباته مع السادات، انصرف هيكل إلى دور جديد تجاوز فيها ترويج سياسات عبد الناصر، أو الدفاع عن تراثه بعد وفاته، كما تجاوز خلافاته مع السادات، وأصبح – بشكل ما – الأب الروحي للعديد من الصحفيين من مختلف المشارب، كما بدأ يطل من حين لآخر لإلقاء كلمة أو تسطير مقالة في موضوع هام.  ويحسب له أنه في الكثير من الأحيان، خلال العهد المباركي، كان يجسر بالدخول في المناطق الحساسة.  وذلك كما فعل عندما بدأ مجموعة من المقالات حول “صناعة القرار السياسي” في مصر.  وهو موضوع بالغ الحساسية مما أدى إلى وقف هذه المقالات بعد المقال الأول، ثم لن يلبث أن يرفع صوته مرة أخرى، من خلال التلفزيون، لمناقشة موضوع لا يقل حساسية حول “وراثة الحكم” في مصر.  ويستمر نشاط هيكل الدؤوب الذي لا يمل، فيكتب مقالاً شهرياً في مجلة “وجهات نظر” حيث تظهر فيها موهبة الكاتب والأديب لديه إلى جانب المحلل السياسي.  فهو يكتب عن زواج الأميرة فوزية وطلاقها، وطرائف وصغائر الملك فاروق وأسرار القصر ومغامرات وفضائح الملكة نازلي وأحمد حسنين، وقصص أخرى عن الحرب العالمية وأسرار البيت الأبيض، وذلك بأسلوب راق ومشوق وعذب، تنسى معه أن الكاتب محلل سياسي من الطراز الأول وباحث في أضابير الوثائق والمستندات الرسمية.

 

بقي أن أشير إلى ملاحظة أو ملاحظتين عن شخصية محمد حسنين هيكل.  ولعل أكثر ما استرعاني في شخصيته، الجدية والانضباط.  فهو كاتب جاد، قد تحبه كثيراً أو قليلاً، قد توافق على ما يقوله أو قد تعترض عليه، ولكنك لا تملك إلا أن تحترمه لأنه يحترم نفسه ويحترم عقلك.  يتحدث بمنطق ويصوغ أفكاره بشكل واضح، ويفتح عقله وقلبه للحوار والمناقشة.  وهو يأخذ نفسه بصرامة ومهنية عالية.  اعرف أنه يعمل يومياً ساعات طويلة ومنتظمة.  وهو معتد بذاته شديد الاعتزاز والثقة في نفسه، يحاول أحياناً أن يخفف من وطأة ذلك بكثير من التواضع.  وهو محدث لبق وساحر يجذب مستمعيه شيوخاً وشباباً، رجالاً ونساءً، بقصص طريفة وتعليقات لاذعة.  وله علاقات هائلة مع كبار الشخصيات في العالم، وقراءات متعددة ومتنوعة في مختلف المجالات.  وهو وإن كان لا يباهي بهذه القراءات أو تلك العلاقات، فإنه لا يستطيع أن يمنع نفسه – عند الكتابة أو الحديث – من الإشارة إلى حديث عابر جرى بينه وبين ديجول، أو لمحة ذكرها له مالرو خارج الأليزية، أو تعليق قاله له رئيس تحرير الديلي تلغراف بعد أن طلب منه الإشراف على تحرير الصحيفة ذلك اليوم.  وتتعدد الأسماء، والأماكن، والقارئ أو المستمع في انبهار، فهذا ليس صحفياً عادياً، بل هو ملك.  والحقيقة ليست بعيدة عن ذلك كثيراً، فقد كان محمد حسنين هيكل ملكاً للصحافة، وما زال.  والله أعلم.

 

وأخيراً هذه بعض الانطباعات السريعة عن محمد حسنين هيكل، وهي انطباعات شخصية – كما ترى – أرسلها لك قبل قيامي في الإجازة مباشرة.  ولك والعائلة خالص تحياتي وتقديري.

                                                      

  

ملحق السفير: 23.7.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *