محنة الدكتور مرسى

يواجه الدكتور مرسى محنة كبيرة تضعه، وتضع البلد معه، فى مأزق شديد، حيث هناك انقسام حقيقى بين طوائف المجتمع، وتدهور خطير فى أوضاع الأمن والاستقرار، وتآكل سريع لهيبة الدولة وقوة القانون، فى ظل حالة اقتصادية مأزومة وتنفرد باختناقات اقتصادية عميقة قد تفتح الباب للمجهول

ومحنة الدكتور مرسى، لا ترجع، فيما أعتقد، إلى عدم قدرته على تشخيص الوضع وإدراك حجم المشكلة، وإنما فى انسداد المخارج أمامه إزاء هذه الأوضاع المتفجرة. كما ترجع  هذه المحنة، أو المأساة، إلى أنه، ورغم احتمال إدراكه لخطورة الأوضاع، وربما سبل الخروج منها، فإنه مضطر إلى الإصرار على المنهج الذى اتبعه والذى       أدى إلى هذا الانقسام المجتمعى

فإذا حاول التراجع عما بدأه، سوف يفسر ذلك بأنه دليل ضعف، وسوف تزداد حدة مقاومته من خصومه الذي سوف يرون بوادر انتصارهم وهزيمته أو بداية النهاية ومن ثم تشديد القبضة عليه ومواصلة الضغط، حتى يتحقق الانتصار الكامل، هذا التراجع قد يفقده العديد من أنصاره ومريديه الذين سوف يرون أن مثل هذا التحول تضحية بهم تتركهم فى العراء وهو نوع من التفريط، وبذلك يفقد الرئيس على الجانبين، من خصومه وأنصاره على السواء

 وهكذا يبدو أن الطريق الوحيد المفتوح أمام الرئيس، هو الإصرار على المضى فيما بدأه مع محاولات التطمين هنا وهناك، والأمل فى كسب الوقت، واكتساب مواقع جديدة توطن سلطته مثل قيام مجلس نواب منتخب وموال له. وفى مثل هذه الحالة الأخيرة، فإن الانقسام فى الأمة سيزداد عمقا. وفى مثل هذه الحالة من الاحتقان السياسى الناجم عن مزيد من الاستقطاب، فإن الأوضاع الاقتصادية الهشة يمكن أن تزيد من عمق المشكلة على الحياة اليومية، وهذه هى محنة أو مأساة الدكتور مرسى.

 بعبارة أخرى، اذا استجاب الرئيس لمنافسيه ربما يخسر فريقا من أنصاره دون أن يضمن كسب خصومه بقلب مفتوح، وإن هو أصر على موقفه، كما يبدو أنه يفعل حاليا، فإن ذلك سوف يزيد من التوتر السياسى والانقسام المجتمعى فى وضع لا تسمح فيه ظروفنا الاقتصادية بمزيد من الانقسام.

وقد بدأت المشكلة نتيجة لنقص أو انعدام الثقة القائم فى المجتمع السياسى المصرى منذ فترة طويلة بين الاتجاهات الإسلامية السياسية وبين ما عرف بالقوى السياسية المدنية.

فهناك قلق وتخوف من مفهوم الدولة الدينية، فى العصر الحديث، لدى طوائف عديدة من المجتمع، وذلك رغم أن معظم هذه الطوائف تضع الدين الإسلامى فى مركز رئيسى من المقومات الحضارية والثقافية للتاريخ المصرى، ولكنها تخشى من استخدام الدين لأغراض سياسية، ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين، ومعظم الاتجاهات الإسلامية الأخرى لا تختلف عن ذلك كثيرا، فما يزال هناك إحساس بالقلق وعدم الثقة.

وعندما جاء الدكتور مرسى إلى منصب الرئاسة بعد أن أكد على مدنية الدولة، فإن تصرفاته، فهمت على أنها تنصل من وعوده بتشكيل حكومة من غير الجماعة.

 وهكذا، بدأ الشك من جديد فى مدى سلامة وعود الجماعة، وهكذا بدأت الثقة تنهار بين الطرفين، فكل منهما لا يطمئن إلى الآخر، ويعتقد أن ما يصدر من أحدهما ما هو إلا شكل من أشكال كسب الوقت.

فالقضية فى جوهرها هى قضية انعدام الثقة بين الأطراف.

وجاء الاختلال الأمنى والارتباك السياسى مع صعوبة وخطورة الأحوال الاقتصادية لتزيد الموقف تعقيدا.

وعندما تفتقد الثقة بين الأطراف، فإن أية حلول سوف تقدم لن تناقش فى إطار ما تتضمنه هذه الحلول من إجراءات، وإنما سوف تفسر فى الغالب على أنها مناورة لكسب الوقت، ومن هنا فإن الخاسر الأكبر هو الوطن والمواطنون.

 والله أعلم

     الشروق: 22 مارس 2013

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *