مخطوطه مصريه عن انجيل يهوذا

تظهر بين الفنية والفنية أحداث فتنة طائفية، كان آخرها في الإسكندرية، وقبل ذلك في مناطق متفرقة من الصعيد وفي غيره. وفي كل حادثة نؤكد للمرة الألف أن نسيج الأمة بخير وأن عنصري الأمة من مسيحيين ومسلمين سليم وهو يمثّل وحدة صلبة تعصى على الانكسار، وأن ما يحدث ليس إلا مجرد أحداث فردية ترجع إلى مختل أو مخرف إن لم تكن من فعل عميل أو مخرب أجنبي.

وأعتقد أن الوحدة الوطنية – بشكل عام – سليمة وعفية، ولكن هذا لا يعفينا من ضرورة البحث والتحري في أسباب القصور وبواعث التذمر والاحتقان، حتى وإن كانت المشاكل لا تظهر إلا في حالات استثنائية متفرقة. وأزعم أيضاً أن أحد أسباب هذه المشاكل هو الجهل المتبادل لأحوال بعضنا البعض. وبشكل عام فإن الغالبية من المسلمين لا يعرفون الكثير عن الديانة القبطية أو تاريخ الأقباط، في حين أن معظم الأقباط يعرفون بشكل عام الكثير عن الديانة الإسلامية والتاريخ الإسلامي. وترجع مسئولية هذا النقص في المعرفة إلى حد كبير إلى نظم التعليم وسياسات الإعلام السائدة في بلدنا. ولاشك أن الجهل بأمور “الآخر” هو أحد أسباب سوء الفهم. فالإنسان “عدو ما يجهله”، الأمر الذي يؤدي عادة إلى أن يتحول هذا “الآخر” إلى صورة مشوهة ترسمها الخرافات وليدة الجهل فضلاً عن الشك المتبادل بين مختلف الأطراف. فكثير من المشاكل التي تقع بين المسلمين والأقباط ترجع إلى أننا لا نعرف بعضنا البعض بشكل كافٍ. وهناك بشكل خاص نقص كبير في المعرفة بالتاريخ القبطي رغم أهميته الكبرى لمصر.

وتاريخ الكنيسة المصرية تاريخ عريق ومشرف لكل مصري، المسلم كما القبطي. فقد عرفت مصر التوحيد منذ ظهور المسيحية، وعندما دخلها العرب برسالة الإسلام وجدوا سكان مصر من أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يعبدون الأصنام. وفضلاً عن ذلك فقد لعبت الكنيسة المصرية دوراً أساسياً في تطوير العقيدة المسيحية نفسها. وقليل من المصريين – خاصة المسلمين – يدركون ذلك. وتمثّل الآثار القبطية المصرية، كما التاريخ القبطي، تراثاً غنياً ومثيراً يهتم به العالم كافة في حين أن الغالبية من المسلمين لا يعرفون الكثير عن ذلك ويثور في هذه الأيام اهتمام عالمي بنشر مخطوطات مصرية قبطية قديمة اكتشفت حديثاً وهي تلقى ظلالاً على تاريخ المسيحية في القرون الأولى. وكان قد سبق أن اكتشف في مصر في الأربعينات من القرن الماضي (1945) عدة مخطوطات بالقبطية واليونانية عرفت بمخطوطات “نجع حمادي” وتضمنت بعض الكتب الدينية المسيحية المحظورة مثل ما عرف “بإنجيل القديس توما”. وبعدها بقليل تمّ اكتشاف وثائق أخرى عن المسيحية في القرن الأول الميلادي في كمران في وادي الأردن فيما عرف بمخطوطات أو “لفائف البحر الميت” (1947). وساعدت مخطوطات “نجع حمادي” “ولفائف البحر الميت” على إلقاء الضوء على العادات والعقائد الدينية في القرون الأولى المسيحية.

وتشهد الأوساط العالمية حالياً ضجة كبرى بمناسبة الإعلان عن نشر مخطوطات قبطية قديمة من القرن الثالث أو الرابع الميلادي عن بعض الفرق الدينية المسيحية. ومن ضمن هذه المخطوطات ما يعرف “بإنجيل يهوذا”. وسبب الضجة هو أن يهوذا – كما هو معروف – قد خان السيد المسيح وأفشى سره وسلمه لأعدائه من الحاخامات والرؤساء اليهود الذين حاكموه تمهيداً لصلبه. ومن هنا أصبح يهوذا رمزاً للخيانة والنذالة أيضاً، حيث باع معلمه ومرشده مقابل حفنة (ثلاثين قطعة) من الفضة. وما يسمى “بإنجيل يهوذا” ليس من عمل يهوذا نفسه، ولكنه يتضمن أقوالاً منسوبة إلى السيد المسيح إلى أتباعه ومريده، وهي قد تتضمن نوعاً من التخفيف في الحكم على يهوذا وربما التبرير له.

ومن المعروف أن الكنيسة المسيحية قد أخذت منذ البداية موقفاً متشدداً من مختلف الفرق الدينية المناوئه، وكان العديد من هذه الفرق قد أصدر كتباً وتعاليم لمدارسها المختلفة. فقد عرفت المسيحية – شأنها في ذلك شأن الإسلام – العديد من الفرق والشيع بعضها ظاهر وغالبها باطني وخفي، وقد تعددت هذه الفرق ذات الطابع السري والتي رأى العديد منها أن اعتناق المسيحية لا يستند فقط إلى “الإيمان” وإنما أيضاً إلى نوع من “المعرفة الخاصة” Gnostic، وكان لكل من هذه الفرق كتاباته وتفاسيره. وكانت مصر القبطية معروفة بأنها تتضمن العديد من هذه الجماعات الدينية المحظورة، وهي تعتبر مصدراً من أهم مصادر الوثائق عن هذه التيارات المناوئة للكنيسة في روما. وقد رفضت الكنيسة كل هذه الكتابات، وقبلت في مجمع نيقية Nicaeo عام (325) – وتأكد الأمر في مجمع هيبو Hippo (393) – بأربعة أناجيل فقط باعتبارها الكتب المقدسة الوحيدة المعترف بها: إنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا. ومع ذلك فقد ظهرت أناجيل أخرى محظورة أشهرها “إنجيل توماس” و”إنجيل مريم المجدلية” و”إنجيل فيليب”. واليوم يضاف إليها “إنجيل يهوذا” اعتماداً على المخطوطة المصرية المشار إليها. وقد كان وجود هذا الإنجيل (يهوذا) معروفاً لدى الكنيسة الكاثوليكية منذ القرن الثاني للميلاد حيث عارضه وأدانه أرينوس Irenaeus أسقف ليون في فرنسا في عام 180 ميلادياً. وها هي المخطوطة القبطية تظهر في نهاية القرن العشرين متضمنة معلومات عن هذا الإنجيل وسوف تنشر خلال عام 2006. وبالمناسبة فإن أقدم نسخة معروفة باليونانية للعهد الجديد (الأناجيل الأربعة) ترجع إلى مخطوطة مصرية وجدت في دير سانت كاترين بسيناء ويطلق علها Codex Sinaiticus  وقد وحدها عالم ألماني في عام 1859 وأخذها إلى قيصر روسيا إلى حين قيام الثورة البلشفية عندما رأت أن تبيعها للمتحف البريطاني حيث تستقر الآن.

وليس الغرض من هذا المقال استعراض ما يتضمنه مثل هذا الإنجيل المنسوب إلى يهوذا، وإنما فقط الإشارة إلى أهمية التراث القبطي للإنسانية. فالوثائق الموجودة في المتحف القبطي، وبالقطع في مختلف الأديرة، تمثّل ثروة تاريخية هامة، ينبغي أن يفخر بها كل المصريين، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق ما لم تتم المعرفة الكاملة بهذا الجزء الهام من التاريخ المصري. فتاريخ الأقباط ليس تاريخاً لهم وحدهم بل هو تاريخ المصريين خلال فترة طويلة تمتد إلى ما يزيد على خمسة قرون، وقد ظلت غالبية المصريين حتى القرن العاشر – ربما بعد ذلك – من الأقباط الذين يتحدثون القبطية. ومعظم المصريين من المسلمين حالياً هم أبناء وأحفاد هؤلاء الأقباط الذين دخلوا الإسلام في وقت أو آخر. والغريب أننا نعرف عن أسلافنا الفراعنة بأكثر مما نعرف عن التاريخ القبطي. فكما يعرف أبناؤنا التاريخ المصري الفرعوني ويفخرون به، فعلينا أن نتذكر أيضاً التاريخ القبطي وأن نفخر به. والمسألة ليست فقط مزيداً من المعرفة لتاريخنا، ولكنها معرفة تؤدي إلى مزيد من التعاطف والتقارب والتفاهم بين أبناء البلد الواحد. وفي هذا الوقت بالذات نجد أن وكالات الأنباء العالمية ومختلف صحفها تتناول موضوع المخطوطات المصرية و”إنجيل يهوذا”، في حين أننا في مصر نبدو كما لو كنا غير معنيين بهذا الأمر، وكما لو كان يخص شعوباً أخرى.

ولعل ما يثير اهتمام العالم بهذه الأحداث الأخيرة ليس فقط أهميتها التاريخية للعقائد المسيحية السائدة في القرون الأولى وإنما أيضاً لما صاحب اكتشاف هذه المخطوطات من ملابسات تجعل منها قضية مثيرة. فهذه قصة مخطوطات أثرية وجدت في مصر وهربت إلى الخارج في مغامرة أشبه بالقصص البوليسية. فيبدو أن تاجراً مصرياً للمجوهرات أطلق عليه الاسم الحركي “حنا”، (قد يكون اسمه الحقيقي) اكتشف – ربما مع غيره – هذه المخطوطات في صعيد مصر قرب المينا ربما في مغاغة. وخرج – سراً – بالمخطوطات إلى سويسرا طالباً ثمناً لها ثلاثة ملايين دولار. وتعامل مع تاجر يوناني للآثار والتحف الذي أرسل له في مصر بعد ذلك صديقته للتفاوض معه، ولكن هذه الفتاة اللعوب حاولت أن تعمل لحسابها – فكان أن أرسل اليوناني من أجهض مخططها وسرق جزءاً من المخطوطات الأمر الذي اضطر تاجر المجوهرات المصري إلى السفر بدوره إلى الخارج لاستعادة مخطوطاته المسروقة. وتنتهي المخطوطات بعد مغامرات متعددة إلى الاستقرار في خزانة سيتي بنك في نيويورك. وتقود هذه العمليات سيدة سويسرية ولدت في الإسكندرية ومتزوجة من يوناني وصاحبة معرض للتحف في زيورخ وتتعامل مع المقتنيات الفنية. ويبدو أن هذه السيدة على علاقة طويلة بتهريب الآثار من مصر، وقد ورد اسمها في إحدى القضايا الحديثة والمشهورة لتهريب الآثار. وتبدأ بعد ذلك عملية ترويج لبيع المخطوطات بعد تجاوز العقبات القانونية لتهريب الآثار في سلسلة معقدة من المغامرات أشبه بأفلام الإثارة. وتقوم شبكة من المفاوضات بين كبار تجار التحف في نيويورك وجنيف وزيورخ ويتم الاتصال بمشترين من اليابان ويتطلب الأمر عرض الموضوع على أساتذة وعلماء للآثار القبطية من أمريكا وألمانيا. وأخيراً يتم الاتفاق على إنشاء “مؤسسة أهلية” في بازل بسويسرا لتملك هذه المخطوطات والقيام بنشرها والترويج لها تجارياً، مع الالتزام بإعادتها إلى مصر بعد ذلك لتوضع في المتحف القبطي.

قصة بوليسية كاملة ومشوقة ومصرية أيضاً، ولا نعرف عنها شيئاً. وتكتب عنها الصحافة العالمية وتنشر حولها المعلومات في مختلف مواقع الإنترنت وتصدر بشأنها الكتب والمقالات. والحديث كله عن المخطوطات القبطية المصرية. ولا أحد يتكلم عنها في مصر، وكأننا لسنا معنيين بالأمر. أليس هذا جزء من تاريخنا؟!

إن تاريخ الأقباط جزء أصيل من تاريخ المصريين ويعنينا جميعاً مسلمين وأقباط. ودون ذلك ستظل الوحدة الوطنية مجرد حديث مناسبات وليست جزءاً من روح الشعب.   والله أعلم

الأهرام: 28 مايو 2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *