مذكرات محافظ سابق للبنك المركزي

ليس من المؤكد أن اسم آلان جرينسبان سوف يحتل مكانه فريدة من التاريخ الاقتصادي، ولكن المقطوع به أنه شغل منصب رئيس بنك الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي) لفترة قد تكون الأطول في تاريخ هذه المؤسسة (18 سنة)، فضلا عن عمله قبل ذلك كرئيس للمجلس الاقتصادي، مما هيأ له فرصة التعامل بشكل مباشر مع عدد من الرؤساء الأمريكيين؛ نيكسون، فورد، ريجان، بوش الأب، كلينتون، و أخيرا بوش الابن. وهي فترة هامة ليس فقط لطولها، و إنما لما شاهدته من أحداث هامة في مقدمتها انتهاء الحرب الباردة وظهور ما عرف بالعولمة ومعها سيطرة القطب الواحد (الأمريكي طبعا).

 

و احتفاظ جرينسبان بهذه المواقع لمثل هذه الفترة الطويلة لا يمكن تفسيره بسهولة. فهو لم يولد في أحد العائلات المعروفة بثرائها أو بعلاقاتها بالأوساط المالية، فهو ليس مورجان أو روكفلر أو كابوت لودج، ولكنه نشأ في عائلة يهودية متواضعة من أطراف نيويورك. وما حصل عليه من تعليم هو في أحسن الأحوال متوسط. فبعد حصوله على ما يعادل الثانوية العامة عمل في فرقة موسيقية، وبعدها بسنوات التحق بمدرسة التجارة و المحاسبة و التمويل التابعة لجامعة نيويورك- غالبا دراسة مسائية- ثم عمل باحثا في هيئة للمؤتمرات الصناعية. وبعد أن أثبت مهارته اشترك في مكتب للاستشارات الاقتصادية مع شريك، وحقق مكتبهما نجاحا مع العديد من الشركات. وقد وفر له هذا العمل معرفة معقولة عن أوضاع الشركات والاقتصاد بشكل عام. وقد شارك في حملة نيكسون الانتخابية مما رشحه في نهاية فترة نيكسون للعمل معه رئيساً للمجلس الاقتصادي في فترة وصلت فيها شعبية الرئيس الأمريكي إلى الحضيض. وبدأ عمله بعد استقالة نيكسون واستلام فورد الرئاسة. وبعد فشل فورد في الانتخابات، عاد جرينسبان إلى العمل الحر طوال فترة الديمقراطيين لحين عودة الجمهوريين مع ريجان، الذي عرض عليه رئاسة  بنك الاحتياط الفدرالي بعد استقالة فولكر. وأثناء عمله في البنك المركزي وجد أنه من اللائق أن يحصل على الدكتوراه، وحصل عليها بالفعل. وإذا كان جرينسبان محظوظا في المال و الوظائف رغم تواضع خلفيته العائلية و العلمية، فإن حظوظه مع النساء لم تكن أقل. فبعد زواج قصير لم يدم أكثر من سنة، اتخذ صديقة واحدة من أشهر نجوم المجتمع الأمريكي، باربرا وولترز، وهي المذيعة الشهيرة في محطة NBC قبل أن تنتقل إلى محطة ABC. وكانت باربرا تحصل وقتها، ربما على أعلى أجر في هذا الوسط، مليون دولار سنوياً. وقد حاورت باربرا أهم الشخصيات العالمية، ومنهم الرئيس السادات. وعندما انفصل جرينسبان عن باربرا، اختار صديقة أخرى لا تقل عنها شهرة، من محطة NBC، وهي اندريا ميتشل، وذلك قبل أن يتزوجا عام 1997. ومنذ عدة أسابيع أصدر آلن جرينسبام مذكراته بعنوان “عصر الاضطراب”.

 

ولعل من أهم الملاحظات التي أبداها في هذه المذكرات هي حكمه على الرؤساء الأمريكيين الذين تعامل معهم ، فهو يرى أن نيكسون هو أكثرهم ذكاء وسرعة بديهة، وأن كان يجد فيه جانب مظلم ولعله شرير، وفي رأيه أن كلينتون هو أقرب الرؤساء الآخرين إلى نيكسون في الذكاء والقدرات العقلية، أما أكثر الرؤساء استقامة وتوازن في الشخصية فهو فورد.

 

ويُؤمن جرينسبان إيمانا راسخا باقتصاد السوق، ويرى أن انهيار النظام الاشتراكي هو نتيجة طبيعة لفشل نظام التخطيط  المركزي، ويعطي وزنا كبيراً لما أطلق عليه الاقتصادي النمساوي/ الأمريكي شومبيتر، الهدم البناء Creative Destruction، بمعنى التخلص من القديم غير الكفء، واستبداله بالجديد الأكثر كفاءة. ولكن جرينسبان يوجه النظر إلى ملاحظة هامة استقاها من تجربة روسيا في تحولها إلى اقتصاد السوق، وهي أن الاقتصاديين من معظم الدول الغربية لا يوجهون النظر بشكل كاف للمؤسسات والسياسات الاقتصادية، والتي يعتبرونها معطاة كأمر مفترض. ومع ذلك فقد أوضحت تجربة التحول إلى اقتصاد السوق في دول المعسكر الاشتراكي السابق، أن هذه الدول تفتقد هذه المؤسسات والسياسات المناسبة لاقتصاد السوق، وخاصة فيما يتعلق بمفهوم دولة القانون، واحترام حقوق الملكية والتعهدات، وتوافر البيانات المالية والشفافية.. وهكذا.

 

وليس الغرض من هذا المقال استعراض محتويات كتاب جرينسبان أو تقديم مراجعة نقدية له، و إنما فقط الوقوف على بعض الملاحظات السريعة بعد قراءة غير متعمقة. و الكتاب يتعرض لشيء من حياه المؤلف- دون إرهاق- وشيء من تجربة المؤلف أثناء رئاسته للبنك المركزي ، وأخيرا بعض الاستنتاجات العامة التي استخلصها المؤلف من خلال تجربته في الاقتصاد المعاصر.

 

وفي أكثر من موقع في الكتاب فإن القارئ لا بد  أن يلحظ بعض اللمحات الاعتذارية من المؤلف. ومن ذلك موقفه من سياسة بوش الابن في تخفيضه للضرائب، ومبالغته في خفض أسعار الفائدة. وكان جرينسبان قد أوضح أن زيادة أعباء الضمان الاجتماعي (وخاصة التأمين الصحي)، هي أهم التحديات التي سوف تواجه الولايات المتحدة ، وبالتالي ستظهر الحاجة إلى زيادة الضرائب أو تخفيض المزايا المقررة للمنتفعين، أو الأمرين معا، ومع ذلك فقد اتخذ موقفا مؤيداً للرئيس عند خفض الضرائب مبرراً هذا التناقص الظاهري بأنه كان قد وافق فقط على “المبدأ” وليس على حجم التخفيض. وقد رأى بعض المعلقين أن هذا غير دقيق، وأن إفادته أمام مجلس الشيوخ بتأييد خفض أسعار الضرائب لسياسة بوش لم تكن مشروطة. وربما كان ذلك مجاملة منه لإدارة الرئيس التي لم تلبث أن ردت له بدورها الجميل بتجديد ولايته في رئاسة البنك المركزي. كذلك يأخذ عليه البعض مبالغته في تخفيض أسعار الفائدة ولفترات طويلة، الأمر الذي ربما يكون قد ساعد على ظهور أزمة الرهون العقارية التي تعاني منها الولايات المتحدة حاليا.

 

وكان جرينسبان قد عين في منصبه خلفاً لبول فولكر الذي أبدى رغبته في التقاعد في منتصف الثمانينات. وهناك شبه تناقض كامل بين الرجلين في الشكل وربما في الموضوع أيضاً. فولكر عملاق يبلغ طوله ستة أقدام وسبعة بوصات، في حين أن جرينسبان أقرب إلى قصر القامة وبه شبه كبير من الممثل الأمريكي وودي آلان. وعلى حين تخرج فولكر من أحدى أرقى الجامعات الأمريكية (برنستون)، فقد كان تعليم جرينسبان متواضعا.ً وعمل جرينسبان في الأعمال الحرة وكان عضواً في مجالس إدارات عدد من أكبر الشركات العالمية (مورجان، موبيل، الكوا، جنرال فود..) وبالتالي عرف، واستمتع، بالدخول الكبيرة، أما فولكرفقد أمضى معظم حياته موظفا ولم يعرف المرتبات العالية. وكان فولكر قد تولى منصبه بعد فورة النفط في منتصف السبعينات وما ترتب عليها من تضخم عالمي، وبالتالي كانت سياسته هي رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم، وقد وصلت أسعار الفائدة في عصره إلى أكثر من 18%، أما جرينسبان فقد جاء وشبح الكساد كان غالبا وبذلك كانت سياسته هي تخفيض أسعار الفائدة حتى وصلت إلى أقل من2%. فإسم فولكر يذكر مع أسعار الفائدة المرتفعة، وجرينسبان مع الأسعار المنخفضة.

 وكانت أول أزمة خطيرة واجهت جرينسبان بعد توليه منصبه، هي انهيار البورصة فيما عرف “بالأثنين الأسود”، في 19 أكتوبر 1987، حيث انخفضت أسعار الأسهم بحوالي 22.5% في يوم واحد، وهو أسوأ انخفاض في تاريخ الأسواق المالية. ويذكر جرينسبان كيف عبأ البنك المركزي كل إمكانياته لتوفير السيولة للبنوك مع تشجيعهم على ضخ الأموال في الأسواق فضلا عن شراء البنك نفسه لكميات كبيرة من سندات الخزانة، مع التنسيق مع الحكومة لتخفيض عجز الموازنة. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، عرفت البورصة- وخاصة نازداك- انخفاضاً آخرأ كبيراً، حين انخفضت الأسعار بحوالي 50% من قيمة أسهم شركات التكنولوجيا الحديثة خلال الفترة من مارس 2001 وحتى نهاية ذلك العام، كما انخفضت أسهم الشركات الأخرى وإن كان بنسب أقل. ومن هنا كانت سياسة جرينسبان الغالبة هي التخفيض المستمر في أسعار الفائدة.

ويرى جرينسبان أن انخفاض أسعار الفائدة منذ منتصف الثمانينات لم يكن مجرد تعبير عن مراحل الدورات الاقتصادية، بل أنه يعتقد أن العالم يعرف منذ نهاية الحرب الباردة اتجاها عاما لانخفاض أسعار الفائدة. فالعائد على سندات الحكومة الأمريكية لعشر سنوات –باعتبارها مؤشراً على تطور أسعار الفائدة- انخفض بشكل مستمر منذ 1981، حيث انخفض إلى النصف منذ ذلك التاريخ حتى بداية التسعينات، ثم إلى النصف من جديد حتى الآن. وهو يعتقد أن هذا يرجع إلى أسباب كثيرة، منها تحقيق الاستقرار المالي والنقدي وابتعاد شبح التضخم. كذلك هناك مزيد من الاندماج الاقتصادي وخاصة المالي. وهو يعتقد أن هناك بالإضافة إلى ما تقدم تزايداً في الميل للادخار في الاقتصاديات الناشئة. ولكنه يرى أن هذه المرحلة لن تستمر طويلا حيث أن الدول الناشئة لن تلبث أن تزيد من معدلات استهلاكها.

 

وانخفاض أسعار الفائدة ليس فقط مؤثرا في قرارات الاستثمار، وإنما يمكن أن يكون له تأثير على أسعار الأصول من عقارات وأسهم. وكان جرينسبان قد أطلق في ديسمبر 1996 تعبيره عن “الاندفاع غير المعقول “Irrational Exuberance” في أسعار الأسهم، حيث عرفت الأسواق المالية خلال السنوات الأخيرة في عدد غير قليل من الدول ازدهارا غير مبرر. وفي كثير من الأحيان أدى ذلك إلى هزات مالية غير قليلة، كما حدت لأسهم التكنولوجيا في أمريكا في 2001 وفي عدد من دول الخليج في 2006. وقد كانت إشارة جرينسبان عن الغلو في أسعار الأسهم دليلا على أن البنوك المركزية لا تستطيع أن تتجاهل ما يحدث في هذه الأسواق، فاستقرار الأسواق المالية وثيق الصلة بالاستقرار الإقتصادي بشكل عام. واليوم تجئ أزمة الرهون العقارية لتبين أن أسعار العقارات لا ينبغي أن تكون هي الأخرى بعيدة عن اهتمامات البنوك المركزية.

 

وعندما تحدث جرينسبان عن عجز ميزان المدفوعات الأمريكي، فإنه لم ير أنه يمثل مشكلة كبيرة، فهو لا يعدو- في نظره- أن يكون نتيجة لزيادة الاندماج المالي في العالم واتجاه المدخرات العالمية وخاصة من الاقتصاديات الناشئة إلى الاستثمار في الأسواق المالية الأكثر تطورا دون”تحيز للاستثمار المحلي “Home Bias”. ولكنه رأى، على العكس، أن عجز الموازنة هو أمر خطير. و إذا كان يقرر، في كتابه، أن حرب العراق تمت بسبب البترول، فإنه لم يلبث أن أعلن في حديث تلفزيوني أنه لا يقصد أن الحرب كانت من أجل مصالح شركات البترول، و إنما لأن البترول كان وراء صدام حسين و طموحه السياسي. فليس من الحكمة – فيما يبدو- انتقاد المصالح البترولية!

كذلك أشار جرينسبان إلى أهمية الإدارة الرشيدة في المؤسسات الاقتصادية خاصة في ضوء ما عرفناه عن إفلاس شركات مثل إنرون و ورلدكوم، وهو يؤكد أن اكتشاف معظم الانحرافات في البيانات المالية استند غالباً إلى بلاغات العاملين ولم يرجع إلى كفاءة أو يقظة المراجعة والتدقيق. كذلك يعيب على هيمنة رؤساء الشركات على إدارة المؤسسات المالية في غيبة رقابة المساهمين ومع تقاعس مجالس الإدارة، كما هاجم المبالغة في مكافآت الإدارة العليا في هذه المؤسسات.

 

هذا ليس تلخيصاً و إنما انتقاء لبعض الأمور التي تناولها الكتاب. وقراءته مفيدة وليست مضيعة للوقت

والله أعلم

الأهرام 11 نوفمبر 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *