مراجعات: الاقتصاد بين السلطة والسوق 2-6

بدأت “الثورة الصناعية” منذ منتصف القرن الثامن عشر في اثر ظهور “الدولة الحديثة”، ومعها توطدت أركان “اقتصاديات السوق “. والأمران مرتبطان بشكل أو بآخر. فليس صحيحاً أن “الدولة” معادية للسوق، والصحيح أنها كانت شرطاً لبداية الرأسمالية واقتصاد السوق. وجاء قيام هذه “الدولة الحديثة” في أوربا على أنقاض النظام الإقطاعي الزراعي في تحالفه مع الكنيسة.

وكانت الفكرة الأساسية وراء “الدولة الحديثة” هي أنها تقوم على “المواطنة” لجميع الأفراد بانتمائهم الوطني أو القومي لهذه الدولة. “فالدولة الحديثة” تستند إلى احترام حقوق الأفراد وحرياتهم وهي أيضاً الضمان لهذه الحقوق والحريات، وبدونها ينزلق المجتمع إلى حالة من “الوحشية” والفوضى كما أشار هوبز، ولكن الدولة تفقد شرعيتها ويجب مقاومتها إذا فشلت في حماية هذه الحقوق والحريات كما ذهب لوك في دعوته والتي سادت في إنجلترا مع الثورة المجيدة 1688. وبعد ذلك بمائة عام قامت الثورة الفرنسية وأعلنت حقوق الإنسان والمواطن، وكانت الثورة الأمريكية للاستقلال قد بدأت بإعلان مماثل. وفي نفس عام الثورة الأمريكية 1776 نشر الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث كتابه عن “ثروة الأمم” مؤكداً أن احترام حقوق الفرد وحرياته ليس فقط أساس الدولة المعاصرة من الناحية السياسية والدستورية، بل هو شرط أيضاً للكفاءة الاقتصادية وزيادة “ثروة الأمم”. فاقتصاد السوق القائم على الحرية هو أساس التقدم الاقتصادي. وقد أسس سميث علم الاقتصاد باعتباره علماً “لاقتصاد السوق”. ولكنه سوف يكون خطأ بالغاً إذا فهم آدم سميث على أنه يعني “باقتصاد السوق” اختفاء دور الدولة أو حتى تقليصه. فدور الدولة عند آدم سميث أساسي وضروري. وقد جرى الاعتقاد ردحاً من الزمان على الاعتقاد بأن آدم سميث كان يدعو إلى  مجرد “دولة حارسة” يقتصر دورها على توفير الدفاع الخارجي والأمن الداخلي وتحقيق العدالة بين الأفراد. والحقيقة أن آدم سميث كان يرى أن للدولة دوراً حاسماً في اقتصاد السوق. فما يسمى بالدفاع الخارجي لم يكن مجرد جيوش وأساطيل تقف في وجه الغزاة، بل أن الدور الأساسي للأسطول البريطاني كان الدفاع عن المصالح التجارية للبلاد، ولم ينتشر النفوذ التجاري والاقتصادي لبريطانيا بقوة التجارة والصناعة وحدهما بل أنه اعتمد بالدرجة الأولى على الأسطول البريطاني الذي كان يسبق أو يلحق المصالح التجارية البريطانية. والحديث عن إقامة العدل ليس مجرد ملاحقة المجرمين والخارجين عن القانون، بل هو وضع النظم القانونية السليمة لمراقبة النشاط الاقتصادي وضمان توفير الحماية القانونية الكاملة لمختلف المشاركين في النشاط الاقتصادي. ويرتبط بهذا توفير المناخ المناسب للنشاط اقتصادي بضمان استقرار الأسعار ومحاربة التضخم. وقد كانت إنجلترا، وهي رائدة الحرية الاقتصادية، هي أول دولة تضع قيوداً على ساعات العمل وتوفير الشروط الصحية والأمنية لمكان العمل مع التدخل لمراقبة جودة الإنتاج. كما قامت بتقديم الخدمات العامة من طرق وجسور وموانئ، ولم تلبث أن أدخلت التعليم الإلزامي وأنواع من الضمان الصحي، بل أن سميث لم ير بأساً من قيام الدولة بالسيطرة على المشروعات الإستراتيجية مثل الإنتاج الحربي. وبالمثل جاءت التجربة الصناعية الثانية في فرنسا في ظل جو من التدخل الحكومي، وكانت الصناعة قد بدأت فيها قبل الثروة فيما عرف “بالصناعات الملكية” المملوكة للدولة. واستمر اقتصاد السوق يعمل في فرنسا بعد الثورة في إطار من تدخل الدولة والبيروقراطية المستنيرة المستندة إلى الكفاءات من خريجي المدارس العليا التي أنشأها نابليون. وما يزال يسيطر خريجو هذه المدارس على الحكم في فرنسا حتى الآن سواء في الحكومة كما في الشركات الكبرى يستوي في ذلك الحكومات اليمينية أو اليسارية. وجاءت ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية في الموجة الثانية للتصنيع منذ نهاية القرن التاسع عشر. وكانت السياسة الاقتصادية المعلنة لحكومة الاستقلال في أمريكا هي ضرورة الحماية للصناعات الأمريكية، وهي السياسة التي دافع عنها هاملتون أول وزير للخزانة الأمريكية، وانتقلت الفكرة منه إلى الألماني فريدريك لست صاحب نظرية حماية “الصناعات الوليدة”. ولم يكن غريباً أن أول قانون لمحاربة الاحتكار صدر أيضاً في أمريكا (قانون شيرمان 1890) . وكانت سياسة بسمارك في ألمانيا بعد توحيدها هي توفير جو من الحرية الاقتصادية في ظل رقابة وإشراف شديدين من الحكومة الألمانية. وكانت ألمانيا أول دولة تدخل نظام للضمان الاجتماعي باعتباره شرطاً للنمو والتقدم الاقتصادي. وعندما بدأت ألمانيا إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ما عرف بالمعجزة الاقتصادية لوزير الاقتصاد الألماني (المستشار فيما بعد) إيرهارد، فإنها أخذت بنوع من اقتصاد السوق “الاجتماعي”، الذي يراعي حماية مصالح العمال والمستهلكين. وهكذا، فإن الثورة الصناعية بدأت من مواطنها الأصلية –انجلترا  وفرنسا ثم ألمانيا وأمريكا- في ظل اقتصاد للسوق يؤمن بالحرية مع دولة قوية تضمن هذه الحرية وتحميها، ولكنها أيضاً تحول دون تغول السوق أو انحرافها.

وجاء القرن العشرون ليعرف أول معارضة جادة وجوهرية “لاقتصاد السوق”. فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى قامت الثورة البلشفية في روسيا 1917 وبعدها بقليل جاء الحكم الفاشي في إيطاليا ثم النازي في ألمانيا. وهي نظم ترفض مبادئ الحرية والفردية وتأخذ بأنماط للحكم الدكتاتوري المركزي باسم الحزب الواحد. وقد حققت هذه النظم في بداياتها- في جو من التأييد الشعبي- قدراً لا بأس به من الإنجازات الاقتصادية لم تلبث أن تدهورت في سنواتها الأخيرة. فاستعادت ألمانيا مع هتلر عافيتها الاقتصادية قبل دخول الحرب، كما عرفت إيطاليا بعضاً من الحيوية، وانتقلت روسيا من دولة شبه إقطاعية إلى قوة صناعية- وإن كان بتضحيات إنسانية بالغة- وذلك قبل أن تهزم ألمانيا وإيطاليا في حرب عالمية مدمرة، ثم الاتحاد السوفيتي دون حرب معلنة. ويرجع معظم المراقبين فشل النظام الشيوعي إلى انعدام كفاءته الاقتصادية بعد الانتهاء من مراحل البناء الأولى.

وبعد سقوط الشيوعية في روسيا حاولت روسيا العودة إلى اقتصاد السوق في عجلة وخفة. فجاء اندفاع روسيا إلى خصخصة الاقتصاد دون ضوابط في عهد يلسن مصاحباً  لأكبر عملية للنهب وسرقة الأصول، وكادت تسقط هذه الدولة في الإفلاس، في نفس الوقت الذي ظهر فه عشرات البيلونيرات الروس يمرحون في العواصم والشواطئ الأوربية. وتحولت الدولة الروسية من دولة شيوعية إلى دولة “من المافيا” تغلب عليها الجريمة الاقتصادية المنظمة. ولم ينقذها من الانهيار التام سوى ما توافر لها من موارد طبيعية للبترول والغاز وحرص الدول الغربية الكبرى على منعها من الانزلاق إلى الفوضى الكاملة بالنظر إلى ما تتمتع بها من قدرات عسكرية مخيفة. وجاءت حكومة بوتن القوية فوضعت حداً -بدرجة معينة -لانفلات “الرأسمالية المتوحشة”. ويبدو أن الوضع في عديد من دول آسيا الوسطى الأخرى والمتمتعة بموارد كبيرة من النفط والغاز تعيش أوضاع مماثلة لروسيا بعد سقوط الشيوعية مباشرةً. وعلى العكس من ذلك، فقد جاءت تجربة دول وسط وشرق أوربا في الانتقال من النظام الشيوعي إلى “اقتصاد السوق” أكثر انضباطاً. فلماذا الاختلاف بين هاذين الوضعين؟ ليس مستبعداً أن نجاح هذه الدول في الانتقال المنظم من دول شيوعية إلى اقتصاد السوق –بعكس الوضع في روسيا- هو أن تلك الدول انتقلت إلى اقتصاد السوق في إطار منظم ومنضبط بسبب رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، الأمر الذي استلزم وجود دولة قادرة على توفير الإطار القانوني السليم في الحقوق والحريات والشفافية مع وضع الضوابط للنشاط الاقتصادي وبما يضمن توفير المساواة في الفرص وإقامة المسئولية والمساءلة في ظل نظم سياسية جادة وفعالة.

كذلك لا يمكن أن ننسى أن الاقتصاد الرأسمالي في أوربا وأمريكا قد تعرض لأزمة طاحنة في الثلاثينات من القرن الماضي تمثلت في بطالة هائلة مما اضطر الدولة إلى التدخل بسياسات اقتصادية نشطة بالتوسع في الإنفاق الحكومي فضلاً عن تأميم أهم الصناعات في إنجلترا وفرنسا بعد الحرب. وقد وجد هذا التدخل دعماً نظرياً من الاقتصادي البريطاني كينز، الذي رأى أن اقتصاد السوق وحده وبغير تدخل قوى من الحكومات عرضة للتقلبات الشديدة.

ومنذ نهاية السبعينات من القرن الماضي قامت حركة عكسية تطالب بالحد من تدخل الدولة بعد أن بدا أن هذا التدخل قد جاوز الحدود. ومن الطريف أن الحكومة الأمريكية اضطرت أخيراً عندما تعمقت أزمة القطاع المالي إلى أن تضع يدها على بعض أهم المؤسسات المالية. وجاءت أزمة الديون العقارية لتؤكد خطورة الاعتماد على القطاع الخاص وحده، وأن تدخل الدولة ضروري لحماية الاستقرار الاقتصادي. ولعل من أخطر التطورات التي أبرزها الاقتصاد المعاصر هو الأهمية المتزايدة للقطاع المالي وما يرتبط به من تعدد وتنوع الأصول المالية. ورغم أن الأصل هو أن الأصول المالية هي مرآة للاقتصاد العيني، فكثيراً ما تنفك الصلة بينهما ويكاد يعيش القطاع المالي حياته المستقلة والتي يمكن أن تهدد الاستقرار الاقتصادي. وهو ما بيدو أن يواجهه العالم الآن. وهكذا نجد أن العالم قد عرف خلال القرن العشرين تجارب اقتصادية متعددة ألقت أضواء جديدة على طبيعة “النظام الاقتصادي”.

ونخلص من كل ما تقدم أنه إذا كانت النظم المعادية “لاقتصاد السوق” قد فشلت، فإن ذلك لا يعني أن نجاح السوق يتحقق بترك الحبل على الغارب للقطاع الخاص وبدون أية قيود أو ضوابط أو رقابة. ولعل نقطة البدء هي ضرورة أن نفهم المقصود باقتصاد السوق. فاقتصاد السوق هو بالدرجة الأولى اقتصاد “المنافسة“. فإذا انعدمت المنافسة فإن هذا الاقتصاد يفقد جوهره وروحه. وليس هناك ما هو أسوأ من الاحتكار العام، سوى الاحتكار الخاص.

وقد نجح الاقتصادي الأمريكي ماسجريف – إلى حد بعيد- في تحديد دور الدولة في ظل اقتصاد السوق. فهناك أولاً مسئولية الدولة عن السلع والخدمات العامة والتي تعجز السوق تماماً أو جزئياً عن توفيرها وحيث يفيد منها الجميع ولا يمكن الاستئثار بها على نحو فردي. فلا يمكن توفير الأمن لبعض الأفراد دون البعض الآخر، كما لا يتحقق الدفاع عن الوطن لبعض المواطنين دون الآخرين، والأمر كذلك بالنسبة للعدالة. فهذه خدمات إما أن تتوافر لجميع المواطنين أو لا تقوم أصلاً، وبمجرد أن تتوافر فلا بد أن يستفيد منها الجميع. كذلك لا يمكن حماية أو صيانة البيئة للبعض دون الآخرين. ولا تقل أهمية عن ذلك المشروعات الإستراتيجية العملاقة التي تحتاج إلى خيال يفوق خيال رجال الأعمال ويتطلب أفقاً زمنياً طويلاً. ويلحق بالخدمات العامة ما يمكن أن يطلق عليه الخدمات الاجتماعية والتي قد يمكن توفيرها للمشترين عن طريق السوق ولكن نفعها العام يكون أكبر، كما هو الحال بالنسبة للتعليم أو الصحة. وهناك أيضاً الطرق والجسور والكباري والبحث العلمي وخاصة فيما يتعلق بالمجالات الرئيسية التي تهم المستقبل مثل تطوير مصادر الطاقة. وقد أبرزت الأحداث الأخيرة في الأسواق المالية العالمية، أن المؤسسات المالية ليست مجرد مؤسسات خاصة تتعامل في حقوق والتزامات فردية، بل هي أقرب إلى المؤسسات العامة والتي تؤثر في أهم مرتكزات الاقتصاد وهي الثروة المالية. ومن ثم أصبح من الضروري إخضاعها للرقبة والإشراف المباشر للدولة.

ويأتي بعد ذلك مسئولية الدولة عن وضع السياسات الاقتصادية الكلية والقيام بالرقابة والإشراف على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، ذلك أن السوق لا تعمل في غياب سياسات مالية ونقدية وتجارية، تضمن تحقيق الاستقرار في الأسعار وتوفير الحوافز للنشاط الاقتصادي مع دعم القطاعات الواعدة، ومنع الانحرافات عن قواعد المنافسة الشريفة. ومن أكثر القطاعات حاجة إلى الرقابة والإشراف والمعالجة القطاع المالي بما له من تأثير خطر على الاستقرار. وبالمثل فإن السوق تفشل تماماً إذا لم يكن هناك وضوح في  المراكز القانونية للأفراد أو كانت القوانين غير سليمة أو ملتبسة، كذلك لابد من قضاء عادل وسريع وسلطة تنفيذية محايدة وفعالة، فضلاً عن رقابة فعالة وإشراف كاف للتأكد من احترام المواصفات والالتزامات وسلامة الظروف الصحية والبيئية ومتطلبات الأمن.

وأخيراً فإن الدولة ليست فقط مسئولة عن توفير معدلات عالية للنمو بل أن مسئوليتها الأولى هي حماية سلامة النسيج الاجتماعي وفتح فرص الأمل للترقي والتقدم للجميع. ومن هنا فلا يستطيع اقتصاد أن يتقدم في غيبة درجة معقولة من العدالة في التوزيع على ما سنرى في المقال القادم.

 

وهكذا فإن اقتصاد السوق يقوم على ساقين، قطاع خاص قادر ومنضبط ومبدع ومسئول ودولة قوية تحمي هذا القطاع وتحول دون انحرافه ومع ضمان حد مقبول من العدالة والسلام الاجتماعي. ودون ذلك لا يحقق اقتصاد السوق ما نأمله منه من إنجازات. والله أعلم

الأهرام: 12/10/2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *