مراجعات القرن العشرين 1-6

 

عنوان هذه السلسلة من المقالات (مراجعات) عنوان مستعار من كتاب حديث Reappraisalsللمؤرخ طوني جود Tony Judt حيث أعاد نشر بعض مقالاته بالتعليق عن أعمال بعض المفكرين والأدباء خلال القرن العشرين. ورغم عنوان الكتاب وباستثناء “المقدمة” والتي قدمت استعراضاً سريعاً لأهم أحداث القرن، فإن مضمون الكتاب لم ينجح بدرجة كافية في إشباع تطلع القارئ إلى مراجعة أو إعادة النظر بشكل واضح لأهم القضايا التي ظهرت على السطح خلال هذا القرن. وقد وجدت فكرة العنوان جذابة وتستحق مزيداً من إلقاء الأضواء على عدد من المفاهيم التي سادت خلال هذا القرن العجيب. وربما استنباط بعض الدروس المستفادة.

فالقرن العشرون ليس فقط هو ماضينا القريب الماثل في أذهاننا بل أننا في الحقيقة ما نزال نعيش تداعياته، وهو فضلاً عن ذلك قرن غريب الأطوار. فهو قرن عنيف وجبار في إنجازاته ومآسيه معا. وقد أطلق عليه المؤرخ البريطاني أيريك هوبزبوم، “عصر المبالغات” The Age of Extremes ، فقد تحققت خلاله إنجازات مبهرة وخاصة في العلم والتكنولوجيا، ولكنه عرف أيضاً قسوة ووحشية لامثيل لها في عمقها أو في اتساعها. فلم يكد ينتهي العقد الأول من ذلك القرن حتى قامت الحرب العالمية الأولى 1914، وبعدها بسنة (1915) نشر إينشتين نظريتة العامة للنسبية وذلك بعد عشر سنوات من نشر النظرية في صيغتها الأولية (النسبية الخاصة 1905). وهكذا جاء النجاح في اختراق قوانين الطبيعة كدليل على أن قوة العقل البشري لايعادلها سوى قدرة البشر على القتل والتدمير. ويشاء القدر أن يكون اكتشاف الإنسان لإمكانية انشطار الذرة –كما تنبأ إينشتين- مبرراً لصنع القنبلة الذرية والتي أنهت “الحرب العالمية الثانية” بعد إلقائها على هيروشيما وناجازاكي في اليابان بعد ذلك بثلاثين عاماً (1945). وهكذا جاء القرن العشرون مبشراً بالعلم والعقل والحرية بيد ولكنه كان يحمل آلة الحرب والموت والدمار الاستغلال باليد الأخرى. فبقدر ما حقق القرن العشرون إنجازات كان يصعب تصورها حتى في الأحلام، فقد ارتكبت خلاله جرائم وحشية ما كان يمكن أن ترد على الذهن حتى في أبشع الكوابيس.

تضاعف سكان الكرة الأرضية خلال هذا القرن حوالي أربعة أضعاف، حيث انتهى عددهم مع نهاية القرن إلى أكثر من ستة بلايين نسمة، وارتفع الأمل من الحياة عند الولادة من أقل من أربعين سنة في معظم المعمورة في القرن السابق إلى أكثر من خمسة وسبعين عاماً في الدول المتقدمة بل وعدد غير قليل من الدول الأخرى. كذلك تم اكتشاف جميع أرجاء المعمورة كما وضع الإنسان قدمه على القمر، وأرسل أجهزته ومعداته لمراقبة المريخ وغيره من الكواكب، كما أصبح قادراً على متابعة ما يجري حولنا في الكون، ليس فقط في المجموعة الشمسية أو حتى في مجرة درب اللبانة بل أيضاً خارجها في الفضاء الفسيح للكون. وما تحقق في مجال العلوم الفيزيائية والطبيعية عرف تقدماً مقابلاً في علوم البيولوجيا، فلم يقتصر الأمر على معرفة قوانين التطور وعلوم الفيزيولوجيا بل غاص العلم في أسرار الأجنة والوراثة، ومثلها في علوم الكهرباء والاتصالات. ولم يكن غريباً أن يعرف العالم خلال الثلث الأخير من القرن العشرين ”  ثورة في المعلومات والاتصالات”. ومع هذه الثورة انكمش الزمان والمكان، وأصبح الاتصال وحركة الأموال وانتقال المعلومات بين كل أجزاء المعمورة يتم لحظياً، فما يحدث في أي مكان من بلدان العالم ينتشر على سطح الكرة الأرضية بلا تأخير. وتقام الألعاب الأولمبية في بكين فيراقبها العالم جميعها لحظة بلحظة. ومع زيادة سرعة المواصلات تقارب العالم ليصبح أشبه بقرية كونية متداخلة. ولم تعد الكرة الأرضية مرتعاً للأوبئة والأمراض المستوطنة، وزاد التعليم وانتشر، ولم تعد الأمية قائمة إلا في بؤر محدودة في الدول المتخلفة والمجتمعات الفاشلة. وارتفع مستوى المعيشة بشكل عام في معظم الدول وتحسنت الخدمات العامة من صحة ومواصلات ورعاية اجتماعية.

ولم يقتصر الأمر على الارتفاع بمستوى الرفاهية في استهلاك السلع والخدمات، بل عرف العالم توسعاً في أعمال الخير والتعاون والتعاطف، وأصبحت التبرعات والمعونات عنصراً رئيسياً في معظم المجتمعات المتقدمة ليس فقط لخدمة أبناء البلد غير المحظوظين بل أيضاً للمعاونة في الكوارث الطبيعية التي قد تحدث في مختلف أجزاء المعمورة. ومن هنا تزايد دور مؤسسات المجتمع المدني سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي.

وكذلك عرف هذا القرن أيضاً أكبر حركة للتحرر الوطني واستقلال المستعمرات، فمنذ منتصف القرن وخاصة منذ الستينات استقلت عشرات الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى، والقائمة طويلة. فبعد تحرير العبيد في نهاية القرن التاسع عشر، جاء تحرير الشعوب والاعتراف باستقلالها في منتصف القرن العشرين. وهكذا فإن الوجه المشرق لإنجازات القرن العشرين لايمكن تجاهله، فهو قرن مليء بالإنجازات والنجاحات.

وللأسف ليس هذا سوى وجه واحد لهذا القرن، فهناك وجوه أخرى قبيحة تحجب الكثير من هذه النجاحات وتجعل من القرن واحداً من أبشع فترات التاريخ الإنساني في الظلم والقهر والتعذيب بل والفقر الحاجة. وطوال هذا القرن لم تتوقف الحروب، ثلاثة حروب عالمية، اثنان “ساخنتان” والثالثة “باردة”، وإن لم تكن أقل قسوة أو وحشية. وقضى في هذه الحروب أكثر من مائة مليون نسمة. وعلى حين كانت الحروب السابقة تجري في ميادين القتال بين المحاربين، فقد جاءت حروب القرن العشرين لاستهداف المدنيين في مراكز تجمع للسكان، أو عند مصادر الثروة وأسباب الحياة من مراكز للطاقة أو المواصلات. وعرفت الحرب العالمية الأولى استخدام الغازات السامة وانتهت الحرب العالمية الثانية بإلقاء القنابل الذرية. وإذا كانت الحروب “العالمية” أو الاستعداد لها قد استنفد معظم القرن، فإن الحروب الجانبية أو الثنائية لم تتوقف في أية لحظة، فضلاً عن “الحروب الأهلية” التي مزقت مجتمعات عديدة. فقبل انتهاء الحرب العالمية الأولى قامت الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، ثم لم تلبث أن أدت إلى “حروب التدخل الأجنبي” في روسيا. وفي نفس الوقت تقريباً ظهرت الدولة التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، واضطرت للدفاع عن حدودها وخاصة حول مضيق البوسفور حماية لإستانبول. ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية جاء الاستعمار البريطاني والفرنسي ليرث معظم التركة العثمانية في الدول العربية. وبعد بقليل قام الزحف الفاشي للاستيلاء على الحكم في روما التي سقطت في أيدي زمرة من الفاشست، وبعدها بعشر سنوات سقطت جمهورية فيمار الألمانية في قبضة النازي. وهكذا توطن حكم الدكتاتورية والاستبداد في روسيا وإيطاليا وألمانيا ثم امتد إلى معظم دول وسط وشرق أوربا، وتراجعت الديمقراطيات وكادت تنحصر في دول أوربا الغربية وشمال أمريكا. ولم تقتصر الدكتاتوريات الأوربية في (ألمانيا وإيطاليا) على إلغاء الحريات وإقامة نظم شمولية بل اتجهت للتوسع فيما أطلق عليه “المجال الحيوي” مما أدى إلى قيام “الحرب العالمية الثانية” في مواجهة الحلفاء من الغربيين. ولم تجد الدول الغربية بأساً من التعاون مع الاتحاد السوفيتي الشمولي  ضد الفاشية والنازية الشمولية أيضاً، وبانتصار الحلفاء انقضت الشراكة بين الحلفاء والاتحاد السوفيتي، لتقوم “الحرب الباردة” لأكثر من أربعة عقود قبل أن ينحل الاتحاد السوفيتي ويتفكك في نهاية الثمانينات. وفي خلال هذه الفترة تكشفت فضائح الحكم  الشمولي ليس فقط في كبت الحريات وملاحقة المعارضين، وإنما في حجم الوحشية في معسكرات التعذيب وأحياناً الإبادة للأقليات السياسية والعرقية والمحاكمات الوهمية. وإذا كانت نهاية “الحرب العالمية الثانية” قد كشفت الممارسات الوحشية للنظامين النازي والفاشي، فقد جاء خوروشوف لإعلان جرائم ستالين، وذلك في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (1956)، وبعدها تعددت الإفادات من كتاب من أمثال سولجنستين عن هذه الممارسات الوحشية. وفي النصف الثاني من القرن تعددت أمثلة التعذيب والإبادة المنظمة من نظم حكم مختلفة من اليمين كما من اليسار، من الجنس الأبيض كما من الأجناس الملونة، ومن كافة الأديان. فإلى جانب جرائم هتلر وستالين، كان هناك بينوشيه اليميني من شيلي كما كان نظام بول بوت       اليساري من كامبوديا، ولم تخرج أيادي الأمريكيين غير ملوثة في جواتنامو أو أبو غريب، وكما قامت مذابح بين المسيحيين من كاثوليك وأرثودوكس في كرواتيا وصربيا، واستمرت أيضاً بينهم وبين المسلمين في البوسنة وكوسوفو. ولم يكن اليهود دائماً الضحية كما في محنتهم مع النازي، وإنما كانوا المعتدين أيضاً كما في بشائع دير ياسين في فلسطين أو في صبرا وشاتيلا في لبنان. ولم يتورع مسلمو أفغانستان من هدم أحد أقدم التماثيل لبوذا، فضلاً عن العديد من التفجيرات في إندونيسيا وفي لندن ونيويورك.

وإذا كان القرن العشرون هو بصفة عامة عصر التقدم الاقتصادي والتكنولوجي، فإن ذلك لم يمنع أن تسقط بعض “الدول الفاشلة” في براثن المجاعة والإبادة الجماعية والأوبئة القاتلة. فانظر إلى ما يجري في بعض دول إفريقيا كالإبادة الجماعية بين قبائل التوتسي والهوتي  في بروندي ورواندا، أو بين مختلف القبائل في الصومال، ومايقال عما يجري حالياً في  دارفور. وماذا عن انتشار الإيدز في وسط وجنوب إفريقيا؟ وماذا عن التضخم وتلوث البيئة وندرة المياه والطاقة؟ وماذا عن النهب المنظم لثروات الشعوب تحت حكم الاستعمار في النصف الأول من القرن، وبمعرفة الحكام الوطنيين في النصف الثاني من القرن؟ وهل الوضع مع حكم موبوتو في الكونغو أقل بشاعة عما تم من نهب تحت حكم ليوبولد البلجيكي؟ وهل وضع زمبابوي مع موجابي الآن أفضل منه في رودسيا وحكم الأقلية؟ وهل الفساد سيادة وطنية أم خطر على الإنسانية؟

لقد كان القرن العشرون قرناً رهيباً وجباراً. نجاحات مذهلة وسقطات مدوية لاتغتفر. ألا يدعو ذلك لإعادة النظر والمراجعة حول العديد من القضايا التي طرحت خلال ذلك القرن.

بنهاية القرن العشرين، تكون البشرية قد قطعت ما يزيد على قرنين ونصف منذ بداية “الثورة الصناعية” منذ منتصف القرن الثامن عشر، والتي قلبت كافة الموازين للمجتمعات التقليدية الموروثة منذ قيام “الثورة الزراعية” قبل حوالي عشرة آلاف سنة. وفي هذا القرن مارس العالم تجارب متناقضة بين ديمقراطية ودكتاتورية، وليبرالية واشتراكية، واستعمارية وتحرر وطني، وعلمانية ودينية، وحرب وسلام وما بينهما من لا حرب ولا سلام. كما طرحت خلاله قضايا الديمقراطية والاشتراكية والاستقلال الوطني والتعاون الدولي والمعجزات الاقتصادية والفشل الاقتصادي.. الخ. فهل نحن بحاجة إلى مراجعة مفاهيمنا الموروثة؟  أتناول في هذه السلسلة (ست مقالات) بعض هذه القضايا، لعلنا نرى بوضوح أكبر.الله أعلم.

الأهرام: 28/09/2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *