مرتبات الموظفين

الموظف العام في مصر هو عنصر الاستقرار الأساسي في الحياة الاجتماعية بكافة مظاهرها – سياسية، اقتصادية، ثقافية الخ. فهو أولاً عماد السلطة، وللسلطة في مصر تاريخ طويل، ومعها ربما نشأت أول بيروقراطية مركزية في العالم منذ عصر الفراعنة. ولذلك فإن انضباط السلطة وانصلاح حال الموظفين هو انضباط لأهم معالم الحياة الاجتماعية في مصر. والموظفون، فوق ذلك، هم عصب الطبقة الوسطى، وهم بذلك واسطة العقد ومربط القيم والأخلاق. فإذا اختلت أحوال هؤلاء الموظفين اهتزت أوضاع أهم عناصر الطبقة الوسطى ومن ورائها سائر شرائح المجتمع. وقد كانت الوظيفة العامة هي أهم مظهر للحراك الاجتماعي بمشاركة المتعلمين في الحياة العامة وفتح فرص الترقي والتقدم لهم، وكانت بذلك المجال الأساسي الذي أتاح للعلم والمتعلمين أن يؤثروا في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر على مر العصور وخاصة في مصر الحديثة منذ محمد علي. وعدد الموظفين في مصر يجاوز أعدادهم في معظم دول العالم، سواء بالنسبة للدول المماثلة في عدد السكان أو الدول التي تقترب من المستوى الاقتصادي لها. فمصر هي – إلى حد بعيد – دولة الموظفين. وربما يجاوز عدد الموظفين العاملين في الحكومة والقطاع العام أكثر من ستة ملايين فرد. ومن هنا فإن الاهتمام بأوضاعهم الحياتية أمر واجب، وهو ولاشك أحد أهم مجالات الإصلاح بمختلف أشكاله. ومن هنا أهمية تحسن الأوضاع المعيشية لهم. وجاء قانون منح العاملين علاوة شهرية خاصة بنسبة 20% من الأجر الأساسي خطوة على الطريق.

وليس في نيتي أن أتناول هنا هذا التعديل في ذاته بالمناقشة ومدى فاعليته في تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين بالحكومة في ضوء مستوى التضخم السائد (12% وفقاً للرقم القياسي لأسعار السلع الاستهلاكية، أو 17% وفقاً للرقم القياسي لأسعار الجملة، وذلك وفقاً للبيانات التي تنشرها مصر على موقع صندوق النقد الدولي). هذه ليست القضية الرئيسية بل هناك قضية أخرى، ربما تكون أكثر أهمية وخطورة وآن الأوان لمواجهتها، وهي قضية الفوضى والعشوائية في نظم الأجور للعاملين في الحكومة والقطاع العام.

يشير القانون المشار إليه في صدد العلاوة إلى “المرتب الأساسي” فهل لازال لهذا “المرتب الأساسي” أي معنى بعد أن فقد “نظام الأجور” في مصر دلالته ليصبح “دخل” العامل أو الموظف خليطاً غير معرف المعالم، من مرتب أساسي، وعلاوات، وبدلات، ومكافآت، وحوافز، وأسماء أخرى لا أنزل الله بها من سلطان. لقد انتهى العهد الذي كان فيه جدول المرتبات والمرتب الأساسي هو المعول عليه في دخل العامل أو الموظف. وبدأ الخروج عن هذا التقليد – على حياء – منذ الحرب العالمية الثانية عندما أدخلت على دخل الموظف “علاوة الغلاء” ثم “العلاوات الاجتماعية”. ولكن الأمر استشرى في السنوات الأخيرة حتى تضاءل عنصر “المرتب الأساسي” ليصبح العنصر الأقل أهمية في دخل العامل أو الموظف. ولم يقتصر الأمر على هذه المسميات الجديدة والمتنوعة التي يحصل عليها العامل أو الموظف؛ فهذا “بدل انتقال”، وذلك “مكافأة” حضور لجان، وثالث “حوافز”، بل ظهرت مفاهيم غريبة على معنى دولة القانون، فهناك ما يسمى “بالصناديق الخاصة” وشيء أكثر غرابة اسمه “المظاريف”.

أما مفهوم “الصناديق الخاصة” فهو خروج عن المبادئ الدستورية المستقرة في المالية العامة. فالدولة – بأجهزتها المختلفة المركزية والمحلية – هي التي يحق لها أن تفرض – جبراً – الضرائب والرسوم والأعباء العامة على الأفراد والمؤسسات. وينبغي أن تورد حصيلة هذه الأعباء إلى الميزانية مباشرة دون تخصص لغرض خاص أو إنفاق معين. وبعد ذلك تصدر جميع النفقات من حصيلة الموازنة.

أما فكرة “الصناديق الخاصة”، فإنها تخرج عن هذا الأصل بأن تقتطع حق الدولة في فرض الأعباء العامة وتحصيل الإيرادات لمصلحة “صندوق خاص” في وزارة أو مصلحة حكومية، وتستخدم حصيلة هذا الصندوق – بعيداً عن الموازنة – لمنافع العاملين في هذه الوزارة أو تلك المصلحة. وهكذا يتمتع الموظف أو العامل في تلك الوزارات والمصالح بمزايا مادية – قد تكون مكافآت مادية أو مزايا للإسكان أو المصايف أو نظم خاصة للمعاشات ومكافآت نهاية الخدمة – وكل هذا بعيداً عن الموازنة العامة.

أما موضوع “المظاريف” فهو أمر نشأ في الواقع وليس له أي سند من القانون – فيما أعلم. فقد أدى انخفاض مرتبات كبار المسؤولين إلى درجة مزرية إلى معالجة هذا الأمر ليس بتعديل القانون وزيادة المرتبات، وإنما تم العلاج بطريقة “بلدي” بإعطاء المسؤول من حين لآخر مظروفاً يتضمن مبلغاً – متغيراً – من النقود وعلى فترات غير منتظمة. وهكذا نجد أن الدولة قد لجأت في مواجهة مشكلة حقيقية، (نقص مرتبات المسئولين) إلى الأخذ بحل عشوائي لكل حالة على حده مما خلق تشوهات خطيرة في نظام الأجور في مصر.

فأما أن الأجور – وخاصة ما يسمى “بالمرتب الأساسي” – قد أصبحت هزيلة ولا تشبع من جوع، فهذا صحيح، ولذلك – يجب توفير علاج لهذه المشكلة. ولكن بدلاً من أن تعيد الدولة النظر في مستويات الأجور والمرتبات الأساسية، فإنها لجأت إلى هذه الحلول الالتفافية بإضافة عناصر جديدة إلى المرتب الأساسي من علاوات وحوافز وبدلات ومكافآت وصناديق خاصة ومظاريف وغير ذلك. وقد ترتب على هذا الوضع العشوائي إخلال كبير بمبادئ العدالة والكفاءة والمساءلة.

أما الإخلال بالعدالة فيرجع إلى التفاوت بين أقل الدخول للعاملين في الدولة وبين أعلى الدخول بينهم من ناحية، فضلاً عن التمييز بين العاملين على نفس الدرجة وفقاً لوجودهم في وزارة أو مصلحة دون أخرى، أو حتى داخل نفس الوزارة أو المصلحة وفقاً للمكان الذي يشغله من ناحية أخرى. وبالنسبة للتفاوت بين أقل الدخول وأعلاها، فلا شك أن كل دول العالم تعرف تفاوتاً في مستوى الدخول. ولكن عندما يتعلق الأمر بعائد العمل – وليس الثروة – وخاصة عندما يكون رب العمل هو الدولة، فإن هذا التفاوت يجب أن يكون معقولاً. وإذا نظرنا إلى مصر نجد أن الحكومة توظف بعض العاملين بمائة وخمسين جنيهاً في الشهر – كما حدث بالنسبة لتعيين الخريجين منذ سنتين – في الوقت الذي تنشر فيه الجرائد أن دخول بعض كبار العاملين في الدولة من مرتبات ومكافآت وغيره تجاوز مئات الألوف من الجنيهات شهرياً. وينشر ذلك عادة بمناسبة تقديم أحد كبار المسؤولين للمحاكمة في قضايا الانحراف، حيث يتبين أن هذا المسئول أو ذاك كان يحصل على مكافآت وبدلات ومزايا تجاوز المائة ألف جنيه شهرياً. وبطبيعة الأحوال فإن مثل هذه الأخبار المنشورة يساعد على انتشار الشائعات وبعضها لا يخلو من مبالغة حيث يتحدث البعض عن أرقام أعلى من ذلك بكثير. فهل من الممكن تبرير هذا التفاوت فيما تدفعه الحكومة لعمالها على أساس الكفاءة؟ أمر لا يصدقه الكثيرون. ولا يقتصر التفاوت على أعلى وأدنى الدخول، بل أن أبناء المهنة الواحدة والذين يشغلون نفس الدرجة الوظيفية يمكن أن يحصلوا على دخول متمايزة – وبشكل كبير – لأنه أحدهم يعمل في موقع – داخل نفس الوزارة أو المصلحة – ويعطيه الحق في التمتع بمزايا لا يعرفها غيره من زملائه. وبذلك يوفر النظام العشوائي الحالي للمرتبات مزايا هائلة للأقلية المحظوظة في حين تعيش الأغلبية من المحبطين في بؤس شديد. هذا عن العدالة.

أما الإخلال بالكفاءة، فهو يرتبط بما تقدم. فطالما أن التفاوت يصل أحياناً إلى أكثر من ألف ضعف فلا يمكن أن يكون ذلك راجعاً إلى اختلاف في الكفاءة أو “الإنتاجية” ولابد أن يكون وراءه اعتبارات شخصية. فلم يوجد بعد من تصل إنتاجيته – مهما بلغت عبقريته – أكثر من ألف مرة من غيره من الموظفين! وبذلك، فمع هذا التفاوت الكبير في المرتبات، لا يمكن أن يكون الأجر مقابل “الإنتاجية” وإنما هو نتيجة للعلاقات الشخصية وهو ما يقضي على أهم أسس الكفاءة. وكذلك فقد أدى التوسع في منح البدلات والمكافآت إلى ربطها بصميم العمل العادي للموظف، وبحيث أصبح “الراتب الأساسي” أشبه بالحق المكتسب وبحيث لا يقوم الموظف بأي عمل من أعمال وظيفته إلا مقابل مكافأة خاصة. فموظف وظيفته الأساسية حضور لجان، يحصل على مكافأة لكل جلسة لهذه اللجان. فلماذا المرتب إذن؟ وعندما كنت أستاذاً في الجامعة، كانت هناك مكافأة لتصحيح الأوراق، ومكافأة لحضور الامتحاناتـ بل ومكافأة لبعض حصص التدريس، كما لو كانت وظيفة الأستاذ الجامعي لا تتطلب الإشراف على الامتحانات أو تصحيح الأوراق أو حتى التدريس. وأذكر هذا المثال، لأنني أعرفه شخصياً، وإن كنت أعتقد أن أساتذة الجامعات يستحقون كل تقدير مادي على جهودهم، ولكن عن طريق زيادة مرتباتهم وليس المكافآت التي تمنح مقابل القيام بأعباء الوظيفة.

وأخيراً فإنه من حيث المساءلة نجد أن كل ما يدفع من خارج الموازنة – مثل حالات الصناديق الخاصة أو الظروفات النقدية – فإنها لا تخضع للقواعد الرقابية المعروفة. وفضلاً عن ذلك فإن العديد من المزايا التي يمكن أن يتمتع بها الموظف أو العامل من خارج بند “المرتب الأساسي” فإنه يتوقف في معظم الأحوال على رضاء الرؤساء. فنقل موظف من مكان إلى آخر قد يعني زيادة دخله عدة أضعاف أو على العكس تخفيضها لعدة أضعاف. ولا يستطيع الموظف أن يفعل شيئاً سوى الرضوخ والخنوع لرئيسه الذي يملك عليه مقدرات حياته. فنحن بصدد موظف بلا حقوق، ورئيس له بلا مسؤولية أو مساءلة. وهو أخطر ما يعرض مفهوم العدالة والكفاءة للاهتزاز.

وليس معنى ما تقدم أن مرتبات الموظفين الأساسية كافية، أو أن العناصر الأخرى للمرتب غير ضرورية، ولكن المقصود هو أن هناك حاجة إلى مراجعة عامة لنظام المرتبات، وبحيث يصبح “الراتب الأساسي” اسماً على مسمى باعتباره العنصر الرئيسي في دخل الموظف وبحيث، يستحقه بحكم القانون، ولا تصبح العناصر الأخرى الإضافية هي الأصل و”المرتب الأساسي” مجرد ذيل. وإذا كان من الممكن أن تعطى حوافز للأعمال الاستثنائية أو الإضافية فلا ينبغي أن يطغي ذلك على الراتب الأساسي، ولذلك فمن الطبيعي ألا تزيد هذه المكافآت أو الحوافز عن نسبة محدودة من هذا “الراتب”. فالعامل أو الموظف يحصل على راتبه مقابل هذا العمل. وأخيراً ينبغي أن تكون هناك درجة من العدالة وبحيث لا يصبح التفاوت في الأجور التي تدفعها الحكومة لعمالها وموظفيها صارخاً. وهي قضية ليست سهلة ولكن لزم التنويه. الإصلاح الحقيقي يتطلب مراجعة عامة لنظم المرتبات والأجور وشفافية كاملة.   والله أعلم

“يستأذن الكاتب القراء للقيام في إجازته السنوية”

 الاهرام: 19.6.2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *