مشاركة الإجانب في أذون الخزانة المصرية

شيء طبيعي أن تصدر وزارة المالية، في أية دولة، أذون خزانة قصيرة الأجل لتمويل العجز الموسمي بين ايرادات الحكومة المحصلة وبين نفقاتها، والمفهوم أيضاً أن تعرف الموازنة خلال السنة فترات فائض وأخرى للعجز، حيث تسوى هذه العجوزات عن طريق إصدار هذه الأذونات. ولكن الحاجة لإصدار أذون الخزانة لا تقتصر على تمويل العجز المؤقت في الموازنة العامة، بل أن وجود سوق للديون قصيرة الأجل الصادرة عن الدولة أمر ضروري لقيام سياسة نقدية فعالة. فالسياسة النقدية، والتي ينفذها البنك المركزي، تعتمد على قدرة البنك على التأثير على أسعار الفائدة وحجم السيولة السائدة في السوق، وبذلك يساعد على تمكين البنك من دعم الرواج والانتعاش في فترات الانكماش، أو على العكس بضبط الائتمان وتقييده في أوقات التضخم وبما يسمح بكبح جماع ارتفاع الأسعار. وهكذا فإن سياسات أسعار الفائدة وأحجام السيولة هي أحد أهم الأدوات الرئيسية التي يستخدمها البنك المركزي في سياسته النقدية. والبنك المركزي لايلجأ عادةً إلى رفع أسعار الفائدة بشكل مباشر، وإنما يعتمد على ما يعرف “بعمليات السوق المفتوحة” ببيع أو شراء الأوراق المالية، وفي مقدمتها أذون الخزانة. وبهذا يستطيع البنك المركزي أن يؤثر في أسعار الفائدة وأحجام السيولة بشكل غير مباشر عن طريق زيادة مبيعاته أو مشترياته من هذه الأوراق المالية. الأمر الذي يتطلب وجود سوق مالية عميقة تتضمن العديد من الأوراق المالية المتنوعة. ولهذا فإن وجود أذون الخزانة في الأسواق يعتبر أمراً ضرورياً لتمكين البنك المركزي من أداء وظيفته في تنفيذ السياسة النقدية بكفاءة. وفضلاً عن ذلك فإن أسعار الفائدة على السندات والأُذون الحكومية تمثل بوجه عام نوعاً من مؤشر الأسعار الفائدة الرئيسيBenchmark نظراً لأن الأوراق المالية الصادرة عن الدولة تمثل الديون الأقل مخاطر في الدولة. ولذلك فإن وجود سوق مستمرة لأذون الخزانة أمر لامناص منه لقيام سوق نقدية

 

كل هذا أمر مستقر لاخلاف عليه ولاجديد فيه. ولكن السؤال، هل يسمح للأجانب أيضاً المشاركة في أذون الخزانة أم يقتصر الأمر على المواطنين؟ وما مخاطر مشاركة الأجانب في الاكتتاب في هذه الأُذون؟

 

و ترجع أهمية هذا التساؤل إلى أن مشاركة الأجانب في مثل هذا الاستثمار المالي هو أحد أوضح صور ما يسمى “برؤوس الأموال الساخنة“Hot Money. فهذه الأموال الهائمة تبحث عن فرص للربح السريع، وهي تتجه بسرعة حيث توجد فرصة للربح، كما تهرب بنفس السرعة ـ وأحياناً أكثر ـ عندما تظهر بوادر في الأفق عن أي إشارة لاحتمالات المخاطر. وكثيراً ما كانت هذه الأموال سبباً في الهزات المالية العميقة التي تتعرض لها الأسواق المالية. ومن هنا بدأت الدول تضع العديد من القيود على مشاركة الأجانب في أذون الخزانة قصيرة الأجل.

 

ولعل الأزمة المالية الآسيوية ـ 1997 ـ قد ولدت ثم تفاقمت بسبب هذه الأموال الساخنة، والتي اندفعت إلى دخول الأسواق الآسيوية خلال بداية التسعينات للإفادة من فروق أسعار الفائدة مما خلق شعوراً بالوفرة الزائفة في العملات الأجنبية. وعندما بدت ملامح المخاطر مع بوادر نقص في العملات الأجنبية، فإن هذه الأموال هربت بسرعة شديدة، مما وضع البنوك والمشروعات الصناعية في أزمة مالية طاحنة. ولعل بداية هذه الأزمة قد بدأت في تايلاند حيث كانت تربط عملتها بسعر صرف ثابت مع الدولار، وكانت مضطرة إلى رفع أسعار الفائدة المحلية حماية لسعر الصرف مع محاولة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية. ومع ثبات أسعار الصرف بين الدولار والعملة المحلية وارتفاع أسعار الفائدة المحلية، فإن البنوك الأجنبية وجدت من المناسب التوظيف المالي في أذون الخزانة التايلاندية للإفادة من أسعار الفائدة المحلية المرتفعة. وفي نفس الوقت فإن العديد من المستثمرين المحليين وجدوا أنه أفضل لهم الاقتراض من الخارج بالدولار بأسعار فائدة منخفضة لتمويل مشروعاتهم المحلية. وهكذا تفاقمت الديون الخارجية قصيرة الأجل لتايلاند، سواء بالتوظيف المالي المكثف للأجانب في أذون الخزانة قصيرة الأجل أو باقتراض المشروعات الخاصة بالعملات الأجنبية ذات أسعار الفائدة المنخفضة. وعندما تبين أن حماية أسعار الصرف غير ممكنة وأن هناك ضرورة لتخفيض العملة المحلية إزاء الدولار، سارعت البنوك الأجنبية إلى تصفية توظيفاتها من أذون الخزانة وتحويل مبالغها إلى دولار. وقد سبق أن أشرت في مقال سابق، كيف أن بداية الأزمة قد دفعت عدداً من المضاربين ـ وخصوصاً سورس ـ إلى المضاربة ضد العملة الوطنية مما زاد الطين بله. وهكذا عرفت تايلاند ضغطاً شديداً على عملتها المحلية، كما واجه المستثمرون المحليون والعديد من المشروعات صعوبات جمة في تسديد ديونهم بالدولار. ووقعت الأزمة وانتقلت من تايلاند إلى بقية دول جنوب شرق آسيا في كوريا وماليزيا. وكان السبب الرئيسي لهذه الأزمة هو الاعتماد المبالغ فيه على رؤوس الأموال الساخنة، فهي أموال تأتي في أوقات الوفرة عندما تقل أو تنعدم الحاجة إليها، وتفر هرباً في أوقات الأزمة عندما تزيد الحاجة إلى مثل هذه الأموال. فهي أموال تأتي في وقت لا نحتاجها فيه، وتهرب في اللحظة التي نحتاج إليها. فهي كالضيف الثقيل الذي يأتي في الوقت غير المناسب، وينصرف دون استئذان. فهي ضرر بحت ولا فائدة منها، بل قد يترتب عليها أضرار كثيرة. ولذلك عمد الكثير من الدول إلى وضع قيود على دخول هذه الأموال الساخنة، إما بفرض فترة زمنية لايجوز لهذه الأموال الخروج فيها، أو بفرض ضرائب خاصة عليها. فالأموال الساخنة خطر على الاستقرار النقدي والمالي.

 

وإذا نظرنا إلى أوضاعنا المالية في السنوات الأخيرة، فإننا نلاحظ تزايداً كبيراً في الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل خاصة في تمويل أذون الخزانة، بل أننا مررنا بلحظات حرجه عندما ظهرت بوادر الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث خرجت بشكل سريع ومكثف، ثم بدأت تعود من جديد في السنة الأخيرة. وقد جاء في البيان الصحفي الصادر عن البنك المركزي بشأن أداء ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو/سبتمبر 2010 “أظهرت المعاملات الرأسمالية والمالية خلال الفترة يوليو/سبتمبر من السنة المالية 2010/2011 تحقيق الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية في مصر صافي تدفق للداخل بلغ نحو 5.9 مليار دولار (مقابل 1.2 مليار دولار خلال فترة المقارنة) تتضمن نحو 4.7 مليار دولار صافي تعاملات الأجانب في أذون الخزانة المصرية (تدفقات للداخل)”. وعلينا أن نتذكر أنه خلال السنة المالية السابقة 2008/2009، وهي سنة الأزمة المالية العالمية، قد خرج من مصر، وفقاً لبيانات البنك المركزي تحت بند “استثمار الحافظة في مصر”، مبلغ 9.2 مليار دولار منها 7.1 مليار دولار استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية. والسؤال هو لماذا كان هذا الخروج المفاجئ لهذه الأموال؟ لم تحدث أية أزمة في مصر في ذلك الوقت، ولكن الأزمة العالمية فرضت على معظم البنوك الأجنبية في العالم تقليص استثماراتها المالية في الخارج. ولذلك خرجت هذه الاستثمارات المالية قصيرة الأجل من مصر كما خرجت من دول أخرى كثيرة. ولحسن الحظ لم يترتب على هذا الهروب المفاجئ أية زعزعة في الاقتصاد المصري أو حتى أضعاف للقطاع المالي بشكل عام. وهو أمر يحمد عليه القائمون على الإدارة الاقتصادية.وربما يرجع ذلك إلى قيام السلطات النقدية “بتعقيم” الدولارات الداخلة من الأجانب ـ عند التوظيف في أُذون الخزانة ـ بوضعها في ودائع للبنوك في الخارج لمقابلة احتمال خروجها والمطالبة بالعملة الصعبة المقابلة. وأغلب الظن أن هذا هو ما حدث فعلاً، بدليل زيادة أرصدة الأصول الأجنبية للبنوك مع زيادة دخول الاستثمارات المالية للأجانب في أُذون الخزانة، وتراجعها مع خروج هذه الاستثمارات المالية.

 

ولكن لماذا السماح لأجانب بالاكتتاب في أذون الخزانة؟ وما هي حاجة وزارة المالية لأموال الأجانب الدولارية لتمويل أذون الخزانة؟ فنفقات وزارة المالية هي بالجنيه المصري، ويكفي الاعتماد على السوق المحلية لتغطية أية عروض لهذه الأذون.وعلى العكس فأن الاستمرار في إتاحة الفرصة للأجانب للاكتتاب في أذون الخزانة المصرية بدون أية قيود، يمكن أن يعرض الاستقرار المالي والنقدي للنظام المصرفي للاهتزاز إذا حدث خروج مفاجئ، في أوقات غير مناسبة، فيما لو لم تكن الدولارات المقابلة “معقمة” بالمعنى السابق. وحتى في حالة التحوط “بتعقيم” الدولارات، فإن الاقتصاد المصري يخسر فروق أسعار الفائدة بين العائد المرتفع المدفوع على الأُذون المصرية والعائد المنخفض المتحصل على الودائع الدولارية في الخارج. هذه خسارة سنوية تقدر بملايين الدولارات. وإذا كانت الأزمة السابقة قد مرت بسلام، فليس هناك ما يحول أن تحدث أزمة أُخرى أشد قسوة. فقد “سلمت الجرة هذه المرة”، وليس من الضروري أن تمر أزمات أخرى قادمة بنفس السهولة. والعاقل من اتعظ من التجارب السابقة.

 

ولاتقتصر خطورة الاعتماد المتزايد على تمويل أُذون الخزانة على تعريض الاستقرار المالي والنقدي لهزات نحن في غنى عنها أو لتحمل فروق أسعار فائدة لا لزوم لها، بل أن الاستمرار في هذا النمط من التمويل من شأنه أن يعطي دلالات غير صحيحة عن حقيقة حجم الدين العام الخارجي للاقتصاد المصري.فعندما خرجت الأموال الأجنبية الموظفة في أُذون الخزانة في عام 2008/2009 (بلغ ما خرج في هذه السنة من أموال الاستثمار في أُذون الخزانة ما يزيد على سبعة مليارات من الدولارات)، فإن تسديد هذه الديون القصيرة لم يؤد إلى انخفاض مقابل في حجم المديونية الخارجية لمصر، مما قد يفيد بأن هذه الديون (أذون الخزانة) المستحقة للأجانب لا تدخل في حساب حجم الدين العام الخارجي. الأمر الذي يعطي انطباعاً غير دقيق عن حجم هذه المديونية الخارجية. ولكل هذا، فإنه من المصلحة التوافق مع المعايير الدولية التي تقضي بضرورة رصد الديون قصيرة الأجل والمستمرة للأجانب ضمن الدين العام الخارجي. وهو ما ينصح به صندوق النقد الدولي دائماً.

 

لقد حققت الحكومة إنجازاً هاماً بالانضمام إلى “النظام الخاص بمعايير نشر البيانات لصندوق النقد الدولي، وبما جعل ما ينشر من بيانات مالية متفقاً ـ بدرجة أكبر ـ مع المعايير الدولية. ومع ذلك فإن هناك حاجة إلى مزيد من الضبط وخاصة فيما يتعلق بقيد أذون الخزانة المتزايدة المكتتب فيها من الأجانب ضمن الدين العام. ومن الضروري أن يعكس رقم الدين العام الخارجي كل التزامات مصر الخارجية قصيرة الأجل، بما فيها اكتتابات الأجانب في أذون الخزانة حيث زادت أحجام الاستثمارات المالية للأجانب في هذه الأذون بشكل كبير. فقراءة الإحصاءات المالية الحالية كثيراً ما لا يعطي الصورة الكاملة عن حجم المديونية الخارجية. كذلك فإن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في مبدأ مساهمة الأجانب في أُذون الخزانة لعدم تعريض أوضاعنا المالية لهزات لسنا في حاجة إليها. وفي نهاية الأمر، فإن مشاركة الأجانب في أُذون الخزانة أمر مشكوك في فائدته وهو ذو تكلفة لسنا في حاجة إلى تحملها. والله أعلم.

 الأهرام: 24 يناير 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *