مصر التى فى خاطرى

مصر التى فى خاطرى

هناك لحظات يشعر فيها المصرى ـ كل مصرى ـ بمصريته على نحو طاغ يغلب على كل ما عداه من أحاسيس. ومن هذه اللحظات تلك التى تتعرض فيها البلاد لكارثة، كما حدث فى يونيو 1967، أو لإنتصار يزيل آثار بعض الهزائم، كما حدث فى أكتوبر 1973. ورغم أن الشعب المصرى قام بثورة باهرة فى يناير 2011، أسقطت فيه رأس نظام فاسد، فإننا مازلنا، وبعد عام ونصف، نعيش فترة قلق وعدم إطمئنان على مستقبل البلاد.

وفى مثل هذه الظروف لا مفر من الهروب إلى تاريخ مصر، لإستعادة الثقة، بأن مصر، وقد عاشت أكثر من سبعة آلاف سنة، عرفت أمجاداً هائلة وتراثاً ثرياً للبشرية، كما عرفت إنتكاسات بائسة إستمرت لفترات طويلة قبل أن تستعيد دورها من جديد للمساهمة فى تقدم البشرية. وإستذكار هذا الرصيد الهائل من التاريخ المصرى هو السند النفسى لقدرة هذا البلد على تخطى المحن والأزمات.فما تواجه مصر حالياً من قلق وإضطراب يهون ويتضاءل إلى جانب ما تعرض له هذا البلد الآمن من محن وإنكسارات فى الماضى، إستطاع فيها بصبره ومثابرته تجاوزها، والعودة من جديد لدوره فى ريادة الأمم ونشر الحضارة.

الحديث عن مصر ” أم الدنيا “، ليس مجرد تعبير رمزى أو بلاغى، فالحقيقة أن إستمرارية الشعب المصرى لا يكاد يوجد لها مثيل فى تاريخ الأمم. فمصر ليست فقط أقدم الأمم ولكنها أيضاً أكثرها إستمراراً.والحديث عن صبر المصريين ليس مجرد حديث عن تحمل الظلم والقهر، بقدر ما هو حديث عن الإصرار على صنع الحضارة. فرغم كل ما يقال عن تحمل المصريين للظلم، فيكفى أن نتذكر أن الشعب المصرى قد عرف خلال قرن من الزمان ثلاث ثورات شعبية غيرت من مسار الأحداث. فبعد الحرب العالمية الأولى، قامت ثورة 1919 وإنتهت بإستعادة الإستقلال الوطنى ـ على مراحل ـ وخروج الإنجليز ووضع دستور للبلاد. وبعد الحرب العالمية الثانية، قام إنقلاب عسكرى (1952) لم يلبث أن تحول إلى ثورة إجتماعية وسياسية ساعدت فى ظهور العالم الثالث وحركات التحرير الوطنى وإستيقاظ القومية العربية. وها نحن نبدأ ثورتنا الثالثة فى خلال نفس القرن، وهى مازالت تبحث عن طريقها. فحيوية الشعب المصرى ليست محل جدال.

ونعود إلى تاريخنا القديم. فمصر بحدودها الحالية ترجع إلى ما يقرب من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد توحدت مع مينا منذ اكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وعاشت فى عزلة عن العالم الخارجى، مطمئنة إلى حدودها، حتى فاجأها غزو الهكسوس قبل حوالى ألف وخمسمائة عام قبل الميلاد. وقد عاش المصريون فى تلك الفترة فى عزلة رائعة. فحدودهم آمنة، تحميهم الصحراء الشرقية والغربية شرقاً وغرباً، والبحر المتوسط شمالاً، والشلالات فى النيل جنوباً. وكانت مصر آنذاك ” هبة النيل ” فعلاً، فلم يمنحها فقط الرزق والحياة، بل أنه وحدها. فعلى عكس دجلة والفرات، فالنيل يسمح بالملاحة من الشمال إلى الجنوب بفعل الرياح، ومن الجنوب إلى الشمال بفعل إتجاه تيار المياة، ومن هنا توحدت مصر، فى حين ظلت العراق على تجزأتها بين ممالك متناحرة، ولم تتوحد إلا بعد الحرب العالمية الأولى. وقد آمن المصريون بالحياة الأخرى منذ فجر التاريخ، وظهرت عندهم الكتابة الهيروغليفية، وإن لم يصلو إلى الأبجدية، والتى قدمها الفينيقين، ولكنهم ساعدوا عليها بظهور الحروف الصوتية. وكان إهتمامهم بالعمارة كبيراَ، فشيدت الأهرامات والمعابد نتيجة لتقدمهم فى الهندسة والعلوم الرياضية والفلكية. ومع إهتمامهم بالحياة الأخرى تميزوا فى الطب. وكانت الدولة المصرية أقدم دولة سياسية موحدة ومستمرة ومستقرة.

وجاءت صدمة غزو الهكسوس، فأفاقت مصر من براءتها فى العزلة وإهمال التقدم التكنولوجى فى أدوات الحرب. فقد إنتصر الهكسوس نتيجة لتفوقهم الحربى. وكان إهتمام المصريين بالحياة أكثر من تطلعهم إلى الغزو، فظهرت عندهم أدوات الزراعة لرفع المياة إلى جانب أدوات الزراعة الأخرى، وبعد طرد الهكسوس تنبه المصريون إلى أهمية القوة العسكرية. فجاءت الدولة الحديثة لبناء الإمبراطورية والتوسع خارج الحدود مع تحتمس وخاصة مع رمسيس الثانى. ورغم تعدد الآلهة وتنوعها فى العصر الفرعونى، فقد جاءت أول دعوة للتوحيد مع إخناتون. وإرتبطت الأديان الكبرى والأنبياء بمصر، ولا يكاد يخلو أحد الكتب المقدسة فى الديانات السماوية من إسم مصر. فإبراهيم أبو الأنبياء جاء إلى مصر، وعرض زوجته سارة على فرعون، ثم تزوج من المصرية هاجر التى أنجبت له إسماعيل أبو العرب. وجاء يعقوب إلى مصر وإستقر فيها مع أولاده بعد أن سبقه إليها إبنه يوسف الذى تولى مالية مصر. وإذا كان موسى قد خرج من مصر، فإن عيسى عليه السلام، وفقاً لأحد الأناجيل ( إنجيل متى)، قد دخلها مع يوسف النجار وأمه مريم هرباً من هيرود ملك اليهود. وكذا فقد أوصى الرسول محمد، عليه السلام،  بمصر فإن ” أهل مصرفى رباط إلى يوم القيامة “.

وبعد تاريخ مجيد إستمر أكثر من ثلاثة ألف عام، خضعت مصر الفرعونية من الأسرات الأخيرة لحكم الأجانب، من ليبيا ثم الفرس والإغريق والرومان، إلى أن جاء الفتح الإسلامى فى منتصف القرن السابع الميلادى. ولا يمكن أن تمر على هذه الفترة دون الإشارة بوجه خاص إلى مجىء الإسكندر الأكبر لفتح مصر، وبناء مدينة الإسكندرية، والتى أصبحت منارة للعالم فى العلم والحضارة. وقد أصبحت الإسكندرية أجمل مدن العالم مع البطالمة، والذين كانوا يصرون على أنهم إستمرار للفراعنة رغم أصولهم اليونانية. ومع إنشاء الإسكندرية أسس بطليموس الاول (أو الثانى) مكتبة الإسكندرية التى أصبحت أهم مركز ثقافى عالمى حيث جذبت أهم العلماء إليها، ويكفى أن نتذكر أن إقليدس واضع علم الهندسة الحديث صدر كتابه عن “المبادىء” Elements فى الإسكندرية، كما تعلم فيها أرشميدس عالم الفيزياء.

ولا يمكن أن يذكر تاريخ الفترة الرومانية فى مصر دون الإشارة إلى ظهور المسيحية ودخول المصريين فى هذه الديانة الجديدة وخاصة منذ القرن الثالث، والدور الذى لعبته الكنيسة القبطية فى تطوير العقيدة المسيحية خاصة من خلال مجمع نيقيه عام 325، حيث قام آباء الكنيسة المصرية، خاصة الآباء إسكندر وإثناثيوس، بدور حاسم إزاء آراء آريوس ( وهو أيضاً من الكنيسة المصرية ومن أصل ليبى ). وهكذا كان للكنيسة المصرية دور هائل ومستقل فى تطور المسيحية. وقد وضعت مصر وخاصة مع الراهب المصرى أنطونيوس ثقافة الرهبنة فى المسيحية.

ومع الفتح الإسلامى، كان أقباط مصر، وقد عانوا من إضطهاد الرومان لكنائسهم، من المرحبين بالقادم الجديد. وبذلك تراجع الدور المصرى بشكل كبير، وإن لعب بعض الوافدين لمصر من العرب أدواراً هامة فى بعض الأحداث الهامة، مثل الفتنة الكبرى فى نهاية حكم عثمان. وإستكانت مصر كولاية إسلامية، وإن كانت من أهم الولايات سواء فى ظل الأمويين أو العباسيين، وذلك حتى إستردت من جديد مكان الريادة مع الدولة الفاطمية. وبعد تأسيس القاهرة فى القرن العاشر، عادت مصر لتصبح أحد أهم مراكز الحضارة من جديد وإستقطبت أهم المفكرين و العلماء وكان أحد أهم أعمال الفاطميين تأسيس الجامع الأزهر، والذى أصبح منارة للإسلام. وأصبحت مصر مركز جاذبية للعقول. فجاء إليها إبن خلدون وشغل بها مركز القضاء، كما لجأ إليها موسى بن ميمون الفيلسوف اليهودى وإستقر بها، وإنتقل إليها الإمام الشافعى وجدد مذهبه فيها. وبنهاية الدولة الفاطمية، أعاد صلاح الدين مصر إلى المذهب السنى مع تبعية شكلية للخلافة العباسية.

ورغم أن مصر لم تكن ـ فى هذه المرحلة ـ أكثر من مجرد ولاية فى دولة الخلافة الإسلامية (العباسية)، فقد قيض الله لها أن تحمى دولة الإسلام من أكبر خطرين تعرضت لهما. ففى عام 1187، إستطاع صلاح الدين الأيوبى أن يهزم الصليبيين فى معركة حطين وأن يحرر القدس من قبضتهم والتى إحتلوها قبل ذلك بأقل قليلاً من مائة عام. وبعد ذلك بعدة عقود، إستطاع المغول هزيمة خليفة المسلمين فى بغداد وإنهاء الخلافة العباسية فى 1258، ونجح السلطان المملوكى قطز، حاكم مصر، فى أن يهزم الجيوش المغولية، فى عين جالوت، وأن يوقف الزحف المغولى للأراضى الإسلامية. وإزدهرت مصر من جديد مع دولة المماليك وأصبحت القاهرة من أهم مدن العالم، وسيطرت على التجارة بين الشرق الأقصى ـ الهند والصين ـ وأوروبا، حتى تراجع دورها مع إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح فى نهاية القرن الخامس عشر. ولم يمض عقدان بعد ذلك حتى سقطت مصر فى بداية القرن السادس عشر أمام جيوش الدولة العثمانية، الأمر الذى أعاد مصر، مرة أخرى إلى الوراء، وذلك حتى بداية العصر الحديث بداية بالحملة الفرنسية وحتى مجىء محمد على وبداية مصر الحديثة. ولست فى حاجة إلى التذكير بتاريخنا الحديث بعد محمد على وما تحقق من نهضة فى عصره، وإن أحبطت دولته فى آخر أيامه، وذلك لحين بداية أخرى للتحديث مع الخديوى إسماعيل والتى إنتهت بدورها بما يشبه الإفلاس وبداية الإحتلال البريطانى مع خلفة توفيق. وكانت ثورة 1919 البداية للإستقلال والحركة الوطنية. ومع ثورة 1952 ـ بدأت مرحلة جديدة ـ على ما هو معروف ـ وذلك حتى قيام ثورة 25 يناير 2011 .

والآن، ونحن نعيش هذه اللحظات الصعبة وحيث ينفتح أمام مصر المعاصرة أمل جديد مع الثورة وقلق بالغ فى نفس الوقت، فإنه من العبث أن ننغمس
فى مصالحنا الضيقة وصراعاتنا الصغيرة. مصر أكبر منا جميعاً، وهى تستحق منا أكثر مما نراه بكثير. إننا نستحضر تاريخ مصر العريق لتقوية عزيمتنا للصمود وحماية مقومات البلد وشخصيتها الفريدة. مصر التى فى خاطرنا أكبر بكثير من حاضرنا. فهل نرتفع لمستوى المسئولية. أرجو أن نكون جديرين بهذا البلد العريق وتاريخه الطويل والعظيم. ونلتقى بعد الأجازة الصيفية بإذن الله. والله أعلم.

الأهرام 25 يناير 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *