مصر في آسيا

إذا كانت مصر (باستثناء سيناء) تقع في أفريقيا، فإن معظم تاريخها قد ارتبط في الواقع بآسيا. فمصر، بقدر ما هي إفريقية بالجغرافيا، فإنها آسيوية بالتاريخ. فمن آسيا عرفت مصر الفرعونية أول صدمة مع الخارج عندما غزاها الهسكوس، وبالتالي بدأت مصر تخرج من قوقعتها، وكان أن عرفت أول الامبراطوريات خارج أراضيها وامتدت في فلسطين والشام. ومن يومها لم تنقطع مصر عن الاتصال بآسيا وما يقع فيها. ومع دخول الإسلام ومعه اللغة العربية منذ ما يقرب من خمسة عشر قرناً، لم تنقطع أواصر الصلة بين مصر وجيرانها في آسيا من الشرق.

 

وعندما قامت دولة إسرائيل على حدود مصر كان أحد نتائجها حرمان مصر من الاتصال البري المباشر بينها وبين الدول العربية من آسيا. وكان قرار التقسيم لفلسطين الصادر من الأمم المتحدة في عام 1947 يخصص منطقة النقب في جنوب فلسطين للجانب الفلسطيني، ولكن الأمور تطورت بما سمح لإسرائيل بالامتداد جنوباً وضم النقب إليها مما حرم مصر من طريق بري مباشر مع بقية الدول العربية في آسيا.

 

وقد طيرت الأخبار منذ أيام أن خادم الحرمين الملك عبدالله سوف يقوم بإرساء حجر الأساس لبناء جسر يربط بين السعودية وجنوب سيناء، وبالتالي يفتح طريقاً برياً بين مصر والسعودية. وهو جسر يبلغ طوله – كما ذكر في الأخبار – ما يقرب من خمسين كيلو متراً وقد تجاوزت تكلفته عدة بلايين من الدولارات سوف تتحملها السعودية. هذا ما ذُكر في الأخبار. وفي حديث للسيد رئيس الجمهورية أوضح أن هذا الخبر عار من الصحة وأن الفكرة كانت قد طرأت على المرحوم الملك فهد ثم تراجعت قبل أن تظهر فجأة من جديد دون مقدمات. وفي جميع الأحوال فإن الفكرة غير مقبولة من حيث المبدأ لأنها سوف تؤثر على النشاط السياحي لمدينة شرم الشيخ.

 

وإذا كانت هناك اعتراضات بيئية أو أمنية تجعل المشروع المقترح غير مقبول، فإن الفكرة في ذاتها تستحق الاهتمام بعد أخذ جميع الملاحظات من ناحية الموقع أو المواصفات أو التصميم أو غير ذلك في الاعتبار. فالربط البري عن طريق جسر أو غيره بين مصر والسعودية وبالتالي المشرق العربي يمثل أهمية استراتيجية اقتصادية وربما أيضاً سياسية لمصر وجيرانها من الدول العربية. فالفكرة في ذاتها تنطوي على اختيار استراتيجي هام لربط مصر بأشقائها العرب في آسيا بطريق بري مباشر. أما اختيار الموقع أو تفاصيل التصميم فإنها تأتي في المرحلة الثانية بعد الاتفاق على جوهر الفكرة. وعندئذ فينبغي أن يتم التنفيذ بشكل يحقق المصالح المشروعة لكل الأطراف المعنية (خاصة مصر والسعودية). ومن حسن الحظ أننا نتحدث عن رقعة واسعة من الأرض تسمح باختيارات متعددة من حيث الموقع. فإذا كانت شرم الشيخ تستحق الرعاية والحماية – وهي كذلك بالفعل – فلا شك أن هناك مواقع أخرى بديلة.

 

وعندما تكون السعودية على استعداد لبناء هذا الجسر وتحمل تكلفته – كما يبدو من الأخبار – فإن ذلك يعني أنها على استعداد للاستثمار بهذا المبلغ الهائل لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الشعبين المصري والسعودي، الأمر الذي يعكس رؤية المسؤولين في السعودية عن اهتمامهم بتوثيق العلاقات الاقتصادية بين البلدين وينبغي أن نتذكر هنا أننا نعيش في عصر السيارة، ومهما قيل عن القرب أو البعد في المسافات، فإن العبرة الحقيقية هي بمدى توافر تواصل بري يسمح بالسفر بالسيارة. فأوروبا توحدت سياحياً وبالتالي اقتصادياً نتيجة لهذا التواصل البري. فالمواطن السويدي أو الهولندي قد يجد السياحة بسيارته إلى اليونان أو بلغاريا وقطعاً إسبانيا أقرب إليه من إنجلترا وطبعاً من إيرلنده لأنه يحتاج في هذه الأحوال الأخيرة إلى عبور المانش وبحر الشمال. التواصل الاقتصادي ليس فقط برفع الحواجز الجمركية وإنشاء منطقة التجارة الحرة والتنسيق في السياسات، وإنما أيضاً بإتاحة فرصة الانتقال بالسيارة لأفراد الأسرة من مكان إلى آخر. التواصل بالسيارة على طرق معبدة وبدون إجراءات معقدة لعبور الحدود أفضل من ألف خطبة عن مزايا التكامل الاقتصادي العربي أو من ألف قرار لمجلس الجامعة العربية لدعم الوحدة الاقتصادية العربية.

 

إذا كانت الحكومة السعودية جادة حقاً في إقامة مثل هذا المشروع، فلا أتصور أنه سوف يضيرها كثيراً أن تجري عليه التعديلات وبحيث تأخذ في الاعتبار ملاحظات الجانب المصري على موقع المشروع أو خصائصه. وربما يكون الخبر المنشور إنما هو دعوة للجانب المصري لتقديم تصوراته ويما يتفق والاحتياجات المصرية. ويظل الربط البري بين مصر وأشقائها في آسيا أمراً بالغ الأهمية، فارتباط مصر بأشقائها من الدول العربية في آسيا يزداد مع زيادة شرايين الاتصال المادي بينها.

 

لقد نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في توثيق الترابط الاقتصادي العربي من خلال الربط في شبكات الكهرباء أو توزيع الغاز الطبيعي، ولا يقل أهمية إن لم يزد فتح شبكات للطرق البرية. وعندما يكون الأمر متعلقاً بإعادة فتح الطرق البرية مع آسيا، فإن الأمر يصبح أكثر ضرورة. والله أعلم،،

الأهرام: 27 مايو 2007

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *