مصر هبة النيل..فهل نتخلى عنه؟

كتب هيرودوت شيخ المؤرخين، عند زيارته لمصر في القرن الخامس قبل الميلاد، عبارته المشهورة: “مصر هبة النيل”. وكان المصريون ـ وأقصد آباءكم ـ قد تجمعوا حول ضفاف النيل في عصور ما قبل التاريخ ربما منذ عشرة آلاف سنة أو أكثر، وذلك لتشكيل إحدى أولى الحضارات في العالم، ونجح الملك مينا في توحيد القطرين: الدلتا والوادي قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، لتصبح مصر أول مركزية ـ وليست مجرد مدينة ـ وإنما وحدة وطنية سياسية تمتد سلطتها ضمن حدودها من البحر المتوسط في الشمال إلى شلالات النيل جنوب أسوان. واستمرت مصر في هذه الحدود وبلا انقطاع حتى يومنا هذا.

 

وقيام الحضارات عند مصبات الأنهار ـ وليس عند منابعها ـ ليس أمراً غريباً. فقرب المصب يكون النهر قد عرف اتزانه واستقراره، وبما يسمح بالعيش بالقرب منه في اطمئنان وسكينة ودون مفاجآت. أما قرب المنابع فإن الأنهار تكون ـ عادةً ـ ذات روافد متعددة ومتغيرة قبل أن تتجمع في مجرى واسع ومستقر، كذلك يغلب أن يكون اندفاع المياه في هذه الروافد حينذاك عنيفاً وهائجاً ولايساعد على ترويضها. وهكذا جاءت نشأة معظم الحضارات أقرب إلى المصب منها إلى المنابع. وهذا هو وضع الحضارة المصرية على النيل. وقريب من هذا حضارة مابين النهرين، حيث ازدهرت في جنوب العراق وذلك قبل أن تظهر مظاهر التحضر عند المنابع في الشمال في تركيا. وهذا هو وضع النيل، فهو يأتي من منابعه في وسط إفريقيا في منطقة البحيرات (بحيرة فيكتوريا) ويتجمع حوله روافد من بحر الغزال وبحر الجبل في وسط الغابات والأحراش، وتندفع فيها المياه في قوة وعنفوان وتنتشر في مستنقعات يصعب استئناسها. وتتجمع كل هذه الروافد إلى أن تتوحد في مسارها في النيل الأبيض في السودان وحيث يلتقي في شمال الخرطوم بفرع النيل الأزرق القادم من هضبة الحبشة والتي تعرف أمطاراً موسمية كثيفة تجعل تدفق المياه من الروافد المتعددة له شديدة المراس صعبة على الترويض. وبعد أن يلتقي النيلان شمال الخرطوم يستقر مجرى النيل وقد حقق النضج والاتزان فيتدفق في انسياب إلى أرض مصر في مسار واضح ومستقر وهادئ. ويحمل النيل الأزرق في اندفاعه الهائل من الهضبة الحبشية الطمي والرواسب، ويتخلص من أحماله الثقيلة قبل أن يصل إلى مصر حيث لايبقى به سوى الذرات الدقيقة والرقيقة والتي تترسب على أرض مصر والدلتا مما جعلها من أخصب أراضي العالم. وتعتمد خصوبة أرض مصر على ما يرسبه الفيضان من طمي يحمله النيل من هضبة الحبشة. ويأتي النيل في تكوين كيميائي عجيب لضمان خصوبة الأراضي المصرية من ناحية، مع توفير قدرة النباتات على العيش من ناحية أخرى. فالرواسب التي يرسبها النيل في مصر تكون بالغة الصغر والدقة والرقة بعد أن تخلص النهر من الأحجار والرواسب الثقيلة في مساره قرب المنبع. ومع ذلك تصبح هذه الرواسب الدقيقة عند ترسبها على الأرض كتلة صماء بلا فراغات، وبالتالي لاتسمح بالتهوية من خلالها. ولذلك، فبقدر ما تكون هذه التربة الجديدة غنية بالمواد الغذائية فإنها يمكن أن تكون قاتلة للنبات بمنع نفاذ التهوية إلى باطن الأرض. وهنا يتدخل النيل لإنقاذ الموقف لأنه يحمل ضمن مكوناته الكالسيوم والجير ويرسبه على الأرض، ووجود هذه المادة يسمح بتشقق الأرض بعد الري بما يفتح مسالك في التربة لنفاذ الهواء إلى باطن التربة من خلال هذه التشققات. فالنيل يحمل تركيبة كيماوية مناسبة تماماً لخصوبة الأرض مع ضمان التهوية لباطن التربة في نفس الوقت. ولايكتفي النيل بتوفير الخصوبة والثراء لأرض مصر بل أنه يوفر أيضاً الوسيلة الرئيسية للربط بين الشمال والجنوب وتحقيق الوحدة السياسية، وهو في هذا يمثل خطاً للمواصلات في الاتجاهين من الشمال إلى الجنوب كما من الجنوب إلى الشمال. فتيار المياه ينحدر من الجنوب إلى الشمال، ويكفي أن تستقر مركب على سطح النيل لكي يدفعها تيار المياه إلى الشمال. ولكن الرياح الشمالية تهب في مصر من الشمال إلى الجنوب، وبذلك يكفي أن يرفع المركب شراعه حتى تحملك من الشمال إلى الجنوب. وهكذا فإن راكب النيل يحمل تذكرة سفر في الاتجاهين، فتيار المياه يدفع في اتجاه في حين تدفع الرياح في الاتجاه الآخر. وبهذا كان النيل ضامناً لوحدة مصر السياسية، فالحكومة المركزية في منف أو طيبة ترسل عمالها

ـ عبر النيل ـ إلى الشمال كما إلى الجنوب في سهولة ويسر. وليس الأمر كذلك في الأنهار الكبرى الأخرى. فنهرا دجلة والفرات ـ مثلاً ـ يندفعان في رحلة في اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب دون تذكرة للعودة. ولذلك لم يكن مستغرباً أنه على حين عرفت حضارة مصر منذ ميناً ـ على الأقل ـ دولة موحدة سياسياً، فإن العراق لم يعرف في تاريخه الطويل دولة سياسية موحدة إلى تحقق له ذلك في القرن العشرين فقط. فسومر في الجنوب كانت في عداوة مع الكلدانيين والآشوريين في الشمال، وتعددت الممالك في الشمال كما الجنوب دون وحدة سياسية، وذلك على عكس مصر التي لم تعرف أية تجزئة أو انفصال، ربما باستثناء فترة الهكسوس. ولذلك فإن مقولة هيرودوت أصابت كبد الحقيقة. فمصر هي فعلاً هبة النيل. وقد وهبها النيل الخصوبة والوحدة. ولكن هبة النيل هي أيضاً هدية للعالم بما أفرزته من حضارات ما تزال آثارها تثير إعجاب العالم وانبهاره، ولها في كل مراحل التاريخ موطئ قدم لايمكن تجاهله. فمصر هي الدولة الوحيدة التي جاء ذكرها في الكتب السماوية، وما يزال موقعها الجغرافي أو حدودها السياسية كما كانت دون تغيير يذكر. وقد لجأ إليها إبراهيم أبو الأنبياء وتزوج فيها من هاجر أم إسماعيل وأبو العرب. كذلك ازدهر فيها يوسف وأولاده ودعا قومه إلى العيش بها. وإذا كان موسى ـ وهناك رواية أنه مصري ـ قد خرج من مصر هربا ً من فرعون، فقد لاذ بها يوسف النجار ـ في إحدى روايات الأناجيل ـ مع زوجته مريم وابنها اليسوع. وكانت الكنيسة المصرية هي الأعلى صوتاً في مؤتمر نيقيا سنة 325، والذي تحددت فيه ـ إلى حد بعيد ـ العقيدة المسيحية. ومع الإسلام استعادت مصر دورها ـ بعد فترة ـ وأصبح الأزهر أول جامعة في العالم ومازال منارة الفكر الإسلامي. ومن مصر حرر صلاح الدين الأراضي المقدسة وسطر الفصل الختامي للحملات الصليبية، كما دحر مماليك مصر غزو المغول في عين جالوت. وأخيراً كانت مصر الحديثة منذ محمد على بوابة التنوير للمنطقة العربية. هذه هبة النيل لمصر وللعالم

 

ولكن لماذا كل هذا الحديث الآن؟

 

السبب هو أن الصحف المصرية نشرت منذ فترة قصيرة أن دول حوض نهر النيل قد اجتمعت في شرم الشيخ، وأنه لم يتم الاتفاق في هذا الاجتماع، وانفض على أن تستمر المشاورات. وبعد ذلك رشحت بعض التفاصيل، وأن المسألة أخطر مما بدا في أول الأمر، ذلك أن دول المنبع (سبع دول) لم تتفق مع دولتي المصب (مصر والسودان) على الالتزام بالاتفاقات السابقة لتوزيع حصص مياه النيل لكل منهما. وترى دول المنبع أنها غير ملتزمة باتفاقات عقدت في العهد الاستعماري، وأنها سوف تجتمع ـ منفردة ـ لتقرير ما تراه. وأخيراً قرأت خبراً منسوباً إلى الدكتور مفيد شهاب بالقول أن “موقف دول المنبع في اجتماعات شرم الشيخ كان صادماً ومفاجئاً لمصر”، كما أكد أن “الأمن المائي لمصر هو خط أحمر”. أما أن هذا الموقف كان “صادماً” لمصر فهذا أمر لامراء فيه، وأما “أنه مفاجئ” فإنه يدعو إلى الدهشة. إذ كيف تفاجأ مصر بأمر على هذه الدرجة من الخطورة دون سابق إنذار. أين كانت وزارة الخارجية، وأين وزارة الري، وأين دورنا في منظمة الوحدة الإفريقية. هل برز هذا الموقف فجأة من دول المنبع، أم أنها لابد وأن تشاورت فيما بينها (سبع دول)، وتناقشت فيه من قبل دون أن ندري شيئاً. هل إلى هذا الحد بلغت عدم كفاءة أجهزتها السياسية والإدارية في أمر نعتبره “خطاً أحمراً“!

 

وبصرف النظر عن توجيه اللوم والاتهامات، فإن العبث بحصة مصر من موارد النيل هو أخطر اعتداء تتعرض له مصر على مدى العصور. فحياة المصريين رهن بهذا النيل، والدفاع عن حصة مصر في مياه النيل ليس فقط دفاعاً عن حقوق سجلت في اتفاقية، ولكنه دفاع عن النفس وعن الوجود. وينبغي أن تعلن مصر وبكل قوة أي اعتداء على حقوق مصر في مياه النيل هو اعتداء على حياة المصريين وأنها لن تسمح ـ تحت أي ظرف ـ بالمساس بهذه الحقوق. فالمصريون عاشوا على أرض مصر قبل أن تصل أي جماعة بشرية أو تستقر عند منابع النيل. مصر هي أقدم تجمع سكاني عاش حول النيل.

 

وحقوق المصريين في مياه النيل لاتستند فقط إلى اتفاقات عقدت في 1929 أو غيرها، ولكنها تستند إلى حقوق مستقرة لسكان مصر منذ أكثر من سبعة آلاف سنة. وإذا كان العالم يتحدث عن “حروب الإبادة”، فماذا يعني المساس بمياه النيل غير تعريض شعب من ثمانين مليون نسمة للإبادة. أليست هذه حرب إبادة أو تلويح بها.

 

لماذا لاتقوم مصر بحملة توعية عالمية لتعبأه للرأي العام العالمي ضد الاعتداء على حياة المصريين؟ بل أن هذا ليس اعتداء على مصر وحدها بل هو اعتداء على التاريخ المصري كله الذي هو جزء عزيز من التراث الإنساني. المساس بمياه النيل هو اعتداء على مصر وتاريخها.

 

لقد قامت الحركة الصهيونية بتعبئة العالم والرأي العام لإعادة توطين عدة ملايين من يهود الشتات من مختلف البلدان إلى أرض فلسطين المسكونة منذ ألفي عام بسكانها الأصليين، وحركت الرأي العام العالمي أو جزء منه لقبول هذه الفكرة. فلماذا لاتقوم وزارات الخارجية والثقافة بدورها في هذا الشأن؟ هل حق مصر في الاستمرار في العيش على أرضها أدنى أهمية بالنسبة للعالم من عودة يهود الشتات، ألا تستحق هذه القضية تحريك الرأي العام العالمي؟

 

لماذا لاتتقدم مصر بطلب إلى محكمة العدل الدولية بطلب فتوى قانونية في هذه القضية مادامت تعلن ـ على لسان الوزير ـ أن موقفها سليم تماماً من الناحية القانونية؟ ولماذا لاتعرض مصر هذه القضية على منظمة الوحدة الإفريقية لبيان ما يمكن أن يترتب على إثارتها من عدم استقرار في القارة وربما إلى نزاعات وحروب لاحدود لها؟ أليست المنظمة مسئولة عن استقرار دول القارة وحدودها؟ وهل الاعتداء على مصدر الحياة الوحيد أقل خطراً من الاعتداء على الحدود؟

 

ماذا يحدث في العالم إذا بدأت كل دولة يمر بها نهر دولي في تغير مساره أو الانحراف في استخداماته؟ أليست هذه شريعة الغاب؟ ثم ما هي حاجة دول المنبع إلى التعرض لمياه النيل وهي تقع في المنطقة الاستوائية أو قرباً منها وحيث لاتتوقف بها الأمطار طوال السنة أو معظمها؟

 

العبث بمياه النيل ليس خلافاً عابراً على حدود أو تبايناً في وجهات النظر، وإنما هو اعتداء على وجود الشعب المصري وتاريخه ومستقبله. ونأمل أن نسمع من المسئولين ما هو أكثر من الشعور بالمفاجأة والصدمة. فالأمر جل خطير.

والله أعلم.

 

المصري اليوم : 19 أبريل 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *