مصر والعالم النامي

رغم أن مشكلة الفقر قديمة، فقد ظهرت على السطح بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية باعتبارها هماً دولياً يستحق العمل الجماعي. ومن هنا بدأت نظريات “التنمية الاقتصادية” تفرض نفسها على المجتمع الدولي ليس فقط لاعتبارات العدالة وإنما أيضاً باعتبارها شرطاً ضرورياً لاستقرار السلام العالمي. وفي خلال هذا القرن جرت مياه كثيرة وتغيرت الصورة بشكل كبير. ففي حين كان يبدو أن العالم ينقسم إلى دول صناعية متقدمة غنية في أوربا وأمريكا الشمالية، ودول فقيرة متخلفة زراعية في آسيا وإفريقيا، وأحياناً في أمريكا اللاتينية، فإذا بالمشهد يتغير بشكل كبير قرب نهاية القرن، حيث استطاع عدد من دول جنوب شرق آسيا تحقيق اختراق اقتصادي هائل مما أدخلها فيما أطلق عيه “الدول الصناعية الجديدة”، وفي نفس الوقت تدهورت الأوضاع في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء بما جعلها أقرب إلى “الدول الفاشلة” حيث تراجعت فيها مستويات المعيشة عما كان قائما قبل نصف قرن.

وإزاء هذا المشهد المتنوع تشكلت عام 2006 في إطار البنك الدولي وبمساعدة من عدد من الهيئات الدولية  لجنة “النمو والتنمية الاقتصادية”من عدد من الشخصيات من ذوي الخبرة العملية أو الأكاديمية للنظر في أسباب اختلاف نتائج تجارب التنمية في مختلف البلدان، بين نجاح مذهل في أحيان وفشل ذريع في أحيان أخرى، ونتائج مترددة بين النجاح والفشل في أحوال ثالثة.

وأخيراً نشر تقرير اللجنة فضلاً عن الدراسات التمهيدية عن مختلف الموضوعات أو تجارب الدول، حيث وضعت على موقع البنك الدولي للانترنيت. وقد رأيت أنه قد يكون من المفيد عرض أهم الدروس المستقاة من هذه التجارب المتعددة كما وردت في تقرير اللجنة.

ولعل الملاحظة الأولى التي ركز عليها التقرير هي “معجزة” عدد من الدول الآسيوية في تحقيق اختراق اقتصادي مذهل خلال نصف القرن الماضي. فقد لاحظت اللجنة أن 13 دولة من الدول النامية استطاعت أن تحقق نمواً اقتصادياً مضطرداً منذ الخمسينات بمعدل 7 % وذلك لأكثر من خمسة وعشرين سنة بشكل مستمر ودون انقطاع. وبذلك حققت هذه الدول في أقل من ربع قرن ما حققته الدول الصناعية في أوربا وأمريكا في أكثر من  قرن من الزمان. وإلى جانب هذا النجاح المذهل، فقد أظهرت التجربة هناك أن أيضاً فشلاً فيما عرف “بالدول الفاشلة” والتي لم يقتصر الأمر فيها على عجزها عن اللحاق بهذه الدول الناجحة بل تراجع مستوى المعيشة بها إلى أدنى مما عرفته نفس الدول في نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم أن تقرير لجنة النمو لم يخصص لهذه الدول الفاشلة مكاناً واضحاً في عرضه، فإن اقتصادياً آخراً مرموقاً –بول كوليير من أكسفورد- أصدر كتاباً مؤخراً بعنوان “بليون نسمة في القاع”، حيث تعرض لأوضاع هذه الدول الفاشلة مع محاولة استخلاص أهم مظاهرها. وبين هاتين المجموعتين جاء حظ عدد غير قليل من الدول النامية التي لم تسقط في براثين “الدول الفاشلة” من ناحية وإن كانت لم تنجح في مجاراة “الدول المعجزة” من ناحية أخرى. فهذه المجموعة المتوسطة عرفت بشكل عام معدلات نمو متقلبة، مرتفعة أحياناً ومنخفضة أحياناً أخرى، وبشكل عام حققت قدراً متوسطاً من النجاح.

وقد حاول التقرير استشفاف أهم أسباب الإنجاز المتميز في النماذج الناجحة للدول التي حققت شيئاً من المعجزة الاقتصادية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. ويؤكد التقرير النجاح غير المسبوق في الاحتفاظ بمعدلات نمو عالية ومستمرة لما يزيد على ربع قرن إنما تحقق –إلى حد كبير- بسبب وجود اقتصاد عالمي مفتوح وأكثر اندماجاً، بما أتاحته من فتح أسواق واسعة أمام منتجاتها أو اكتساب التكنولوجيا والمعارف الحديثة المتاحة أو حتى الإفادة من الأفكار الجديدة. ومع ذلك لم يخف واضعو التقرير حقيقة أن هناك عدداً آخراً من النماذج الناجحة التي اعتمدت بشكل أكبر على تطوير الاقتصاد الداخلي، وإن رأت اللجنة أيضاً أن مثل هذا التوجه الأخير لايصلح لمعظم الدول النامية الصغيرة والتي تعرف بالضرورة أسواقاً محلية محدودة. في جميع الأحوال فإن التقرير يعتقد بأن هناك حدوداً على الاستمرار في سياسة للتنمية ذات توجه داخلي بحت.

ولكن التقرير أشار أيضاً إلى عنصر آخر وهو أهمية القيادة ونظم الحكم الفعالة. فالنمو الاقتصادي المضطرد لسنوات طويلة لايمكن أن يتحقق دون قيادة ملتزمة وملهمة تتمتع بالثقة وقادرة على إجراء التعديلات المؤسسية اللازمة واتخاذ السياسات الفعالة لتحقيق هذه التنمية. كذلك ركز التقرير على أهمية “الاستثمارات العامة” وبوجه خاص في مجالات البنية الأساسية وفي التعليم والصحة، وكيف أن هذه الاستثمارات العامة لاتطرد الاستثمارات الخاصة وتزيحها كما يقال عادة بقدر ماتجذبها وتشجعها.

وقد استند هذا التقرير النهائي “للجنة النمو التنمية” إلى عدد من الدراسات التمهيدية التي أعدت حول مختلف المجالات الاقتصادية فضلاً عن حوالي عشرين تقرير عن تجارب عدد من الدول النامية التي حققت دراجات متفاوتة من التقدم الاقتصادي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وكانت مصر من بين هذه الدول. وقد كلف كاتب هذا المقال بإعداد دراسة عن أسباب النجاح أو الفشل في التجربة المصرية خلال هذه الحقبة الأخيرة.

وليس هنا مجال تفصيل ما أوردته دراسة التجربة المصرية ومايمكن أن يستخلص منها، ويكفي أن نشير إلى أهم ما جاء فيها. والملاحظة الأساسية هي أن تجربة مصر في التنمية خلال العقود الثلاثة الأخيرة –بل خلال نصف القرن الماضي- تضعها في مكانة وسط بين الدول النامية، فهي لم تستطع أن تحقق اختراقاً اقتصادياً ملحوظاً كما حدث مع دول جنوب شرق آسيا أو الصين والهند مثلاً، كما  لم تنحدر إلى مستنقع “الدول الفاشلة” كما في دول إفريقيا جنوب الصحراء. فالحقيقة هي أن معدلات النمو في مصر اتفقت إلى حد بعيد مع المتوسط العام للدول النامية دون تميز ظاهر، ولكن أيضا دون تدهور شديد عنها.

 فإذا كانت جهود التنمية المعاصرة  قد بدأت في مصر منذ بداية الستينات من القرن الماضي مع الخطة الخمسية الأولى، فإنها حققت في السنوات الأربع الأول معدلات للنمو تجاوز 6% سنوياً –وهي نفس المعدلات التي عرفتها معظم الدول النامية في ذلك الوقت. ومنذ عام 1964 تراجع معدل النمو في مصر مع توقف المعونات الأمريكية للقمح ثم ازداد الأمر تفاقماً مع هزيمة 1967 وإغلاق قناة السويس، ولم تستعد مصر عافيتها الاقتصادية إلا بعد 1974 غداة حرب أكتوبر وإعادة افتتاح القناة وتدفق المعونات العربية. وخلال الفترة 1976 وحتى 1982 حقق الاقتصاد المصري واحداً من أعلى المعدلات للتنمية (حوالي 8-9 %)، ثم  عاد الركود من جديد منذ منتصف الثمانينات مع تراجع أسعار النفط، وبالتالي تحويلات العاملين وبداية ظهور أعمال الإرهاب وظل الوضع حرجاً حتى حرب الخليج 1991، حين تدفقت المعونات العربية من جديد، وتم الأخذ ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الأول في 1992. وفي خلال الفترة 1992-1998 عرفت مصر استقراراً نقدياً وانخفاض العجز في الموازنة وتحقيق معدلات نمو معقولة 4-5 %. وبعد 1999 تراجع الاقتصاد المصري مرة أخرى مع تزايد حدة عدم الاستقرار والأزمة المالية الآسيوية، وتناقص السياحة، وانخفاض أسعار النفط. وأخيراً استعادت مصر المبادرة من جديد منذ 2004 وحتى 2007 حيث ارتفع معدل النمو إلى أن وصل إلى 7%.

وهكذا فإن أداء مصر الاقتصادي كان أداء متوسطاً لاهو ارتفع بشكل مضطرد كما الدول الأكثر تميزاً، ولاهو انحط إلى هاوية الدول الأكثر فشلاً، وكان بشكل عام متردداً. وإزاء هذه الملاحظة العامة، فقد كان يمكن أن ينتهي االمراقب إلى القول بأن الإنجاز الاقتصادي المصري طوال هذه الفترة هو إنجاز معقول وأن مصر لم تخرج عن السياق العام لمجموع الدول النامية. ولكن الدراسة المشار إليها انتهت إلى نتيجة مخالفة. فالعبرة ليست فقط بما تحقق، وإنما بما كان يمكن أن يتحقق في ضوء ماتوفر لمصر من مقومات للنجاح الاقتصادي في بداية القرن العشرين مقارنة بنفس الدول التي حققت نجاحاً اقتصادياً باهراً بعد ذلك. فقد تمتعت مصر بداية القرن العشرين بظروف اقتصادية وسياسية مواتية كانت تؤهلها لتحقيق معدلات نمو عالية، وكانت في وضع أفضل من معظم الدول التي حققت المعجزة الاقتصادية في نهاية القرن العشرين. ولذلك فإن التساؤل الحقيقي ليس حول أسباب احتفاظ مصر بمعدل نمو متوسط يماثل المتوسط العام للدول النامية، وإنما هو في أسباب عدم قدرتها على تحقيق نجاح كانت مؤهلة للقيام به بالنظر إلى ما أنجزته خلال القرن التاسع عشر من تطور جعلها في مقدمة الدول النامية جميعاً وبلا استثناء. فأين كانت مصر بالمقارنة بكوريا أو تايوان أو هونج أو سنغافورة في منتصف القرن الماضي؟ وأين كانت مصر بالنسبة إلى الهند أو الصين في ذلك الوقت؟ لقد كانت مصر في أوضاع أفضل بكثير من هذه الدول. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي هو لماذا لم يحقق الاقتصاد المصري في نهاية القرن العشرين ما هيأته لها ظروفها وهي في بداية أو منتصف القرن العشرين؟ لماذا لم تنجح مصر في تحقيق معجزة اقتصادية؟ تساؤل هام قد يحتاج العودة  إلى الموضوع في مناسبة أخرى. والله أعلم.

الاهرام 8 يونيو 2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *