مفارقات التاريخ

لايستطيع المراقب أن يخفي جزعه من الأوضاع العربية الحالية. فأينما تنظر تجد أوضاعاً لاتسر الخاطر. ففلسطين المحتلة والمدمرة تنقسم على نفسها، وجنوب السودان يهدد بالانفصال وربما دارفور أيضاً، والعراق المحتل تتقاتل فئاته وطوائفه ويكاد الشمال ينفصل عنه ، والمشهد اللبناني على ما هو عليه من نزاعات طائفية، ودول الخليج الثرية في قلق من جارتها في إيران وهي تسرف في منح القواعد العسكرية ليس لأمريكا فقط وإنما لفرنسا أيضاً، والمغرب المشغول بقضية الصحراء وهو في خصام مع الجزائر، وسوريا على خلاف مع العراق، واليمن في شبه حرب مع الشمال كما في الجنوب. وفي مواجهة هذه الأوضاع المحزنة، فإن معظم الحكام العرب مشغولون بالتشبث بمقاعدهم في الحكم ليس فقط لمدى الحياة بل للتمكين  أيضاً لورثتهم ـ إن أمكن ـ لخلافتهم. فأي مستقبل يمكن أن نتوقع لهذا العالم العربي؟

ومع ذلك فإن التجارب علمتنا أن التاريخ مليء بالمفاجآت، وأن مساره لايتبع دائماً خطاً مستقيماً. ولعل أحدث الأمثلة لذلك هو الاتحاد السوفيتي والذي كان حتى السبعينات من القرن الماضي إحدى القوتين العظيمتين، فإذا به وخلال عشر سنوات ينهار ويتراجع وتكاد تعصف به الأنواء فيما يشبه الإفلاس في التسعينات من نفس القرن. وليس مثال الاتحاد السوفيتي فريداً في نوعه، بل هناك أمثلة كثيرة لحضارات بزغت فجأة من بدايات متواضعة لتحتل مركز الصدارة، كما أن هناك أمثلة أخرى لحضارات مزدهرة اختفت بلا إنذار لتصبح أثراً بعد عين. هذه هي مفارقات التاريخ. فلا أحد يستطيع أن يطمئن كلياً إلى المستقبل أو يفقد الأمل تماماً. فالمستقبل كثيراً ما يحمل في ثناياه مفاجآت غير متوقعة لم تخطر على البال، وكثيراً ما جاء التحول من حال إلى حال نتيجة حادثة صغيرة ـ غالباً معركة عسكريةـ تؤدي نتائجها إلى انقلاب كامل في الموازين، وصعود نجوم جدد إلى المسرح واختفاء أو تراجع لاعبين قدامى من العالم، وكأنها صفحات انطوت إلى غير رجعة. وهكذا تصبح هذه الأحداث الصغيرة نقطة تحول تاريخية كبرى تعدل مسار التاريخ إلى اتجاه جديد لم يطرأ على البال. وهذه هي مفاجآت أو مفارقات التاريخ.

أنظر إلى انتشار أكبر ديانتين في العام ـ المسيحية والإسلام ـ فرغم أنهما ولدا على يد أصحاب الرسالات السيد المسيح والرسول محمد عليهما السلام، فإن انتشارهما السياسي على اتساع بقعة واسعة من أرض المعمورة إنما جاء في أثر معارك عسكرية عادية ثم تبين أن لها أبعاداً تاريخية عميقة لاحدود لها على التطور اللاحق لمستقبل الديانتين وانتشارهما الجغرافي.

مرت ثلاثة قرون بعد بدء الدعوة المسيحية دون أن يمكن القول بأنها حققت اختراقاً ملموساً على أرض الواقع من حيث عدد معتنقي هذه الديانة الجديدة، فهي لم تكن أكثر من واحدة من الفرق الدينية المتعددة المشتقة عن الديانة اليهودية، وربما لم يزد عدد المعتنقين لهذه الديانة الشرقية، عند مجيء الإمبراطور قسطنطين إلى السلطة في بداية القرن الرابع، أكثر من 5 في المائة من سكان الدولة الرومانية ـ كما يقرر جيبون المؤرخ البريطاني المشهور. ولكن مع نجاح قسطنطين تغير الأمر كلياً، وانقلبت الأوضاع رأساً على عقب، ولم تعد المسيحية ديانة الفقراء والعبيد والمهمشين بل أصبحت تنعم بدعم الدولة ونفوذها، وبدأ انتشار المسيحية بشكل واسع حتى تحولت أوربا كلها إلى
“قارة مسيحية”. لقد كان وصول قسطنطين إلى الحكم نقطة تحول في تاريخ المسيحية.

كانت الدولة الرومانية قد بلغت ذروتها مع يوليوس قيصر، ولكن محاولتة الانفراد بالحكم أثارت حفيظة زملائه في مجلس الشيوخ وانتهى الأمر باغتياله، وإن لم يمنع ذلك خليفته أوكتافيوس أغسطس من تحويل تلك الجمهورية إلى إمبراطورية وراثية غلب عليها الفساد والانحلال بعد ذلك، حتى اضطر الإمبراطور ديوكليشيان Diocletian إلى تقسيم الإمبراطورية إلى قسمين، أحدهما في الغرب والآخر في الشرق ولكل منهما إمبراطور. وجاء قسطنطين خلفاً لوالده كإمبراطور على الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، ولم يلبث أن قام صراع بينه وبين الإمبراطور ماكسنتس Maxentius حاكم الجزء الشرقي منها. وكان قسطنطين يتطلع عند خلافته لأبيه إلى إعادة توحيد الإمبراطورية تحت حكم إمبراطور واحد وفي ظل عقيدة دينية واحدة. ولذلك فقد كان من الطبيعي أن يدب الخلاف بين الحاكمين. وعندما بدأت الاشتباكات بين الغريمين (قسطنطين وماكسنتس)، اشتبك الجيشان قرب نهر تبور في أكتوبر 312، وكان جيش ماكسنتس أكثر عدداً. ورغم شهرته العسكرية فقد مالت الكفة في بداية المعارك ضده ولصالح قسطنطين، ورأى ماكسنتس أن يتراجع بجيشه لاستعادة توازنه وإعادة ترتيب قواته. وخلال عبوره النهر اختل توازنه وسقط فيه بأوحاله فانقض عليه جند قسطنطين وقطعوا رأسه، وعمت الفوضى. وهكذا انتصر قسطنطين وانتهت الحرب قبل وقوع المعركة الفاصلة ودخل روما منتصراً ليعيد مجد الأباطرة والقواد العظام. وكان أحد أهم أعماله بعد هذا النصر العسكري، هو رفع الحظر على الديانة المسيحية وإباحة عقيدتها بمرسوم ميلانو (Edit of Milan) عام 313، مع تكريم الكنيسة ومنحها امتيازات مالية كبيرة في شكل إقطاعات زراعية ومعابد وهدايا، وأهم من هذا وذاك أنه فتح باب الحرية أمامها للدعوة والتبشير للديانة الجديدة وجذب الأنصار لها دون عوائق.

دعا قسطنطين إلى عقد مجتمع نيقيا Nicaea council  في عام 325 لجميع أساقفة الكنيسة المسيحية في مختلف البلدان للاتفاق على أسس العقيدة الدينية، واعتبر ما عداها من الفرق الدينية هرطقة حيث حوربت بكل قسوة. وقد رأس قسطنطين نفسه هذا المجمع، ولعب دوراً محورياً في تسوية الخلافات بين الكنائس المختلفة. وبذلك أصبح انتصار قسطنطين في تلك المعركة العسكرية هو البداية الحقيقية لانطلاق الديانة المسيحية وانتشارها على اتساع العالم، لتصبح خلال أقل من قرن الديانة الأساسية لغالبية شعوب الإمبراطورية. وقد تمتعت هذه الديانة بعد ذلك بدعم السلطة التي أغدقت عليها بالأموال ولم تلبث أن تحولت الدولة نفسها لاضطهاد الديانات الأخرى وذلك بعد ثلاثة قرون من اضطهادها للمسيحية. وأصبحت أوربا خلال القرون التالية معقل الديانة المسيحية والتي بدأت كديانة مستوردة من “الشرق”، لتصبح أهم مقومات الشخصية “الغربية” أو الهوية الأوربية.

أما لماذا اعتنق قسطنطين المسيحية في تلك اللحظة، فإن الآراء الاجتهادات تباينت حولها. فهناك من يرى أن ذلك لم يكن أكثر من انتهازية سياسية لقائد عسكري محنك يريد أن يبني إمبراطورية، حين وجد المجتمع الروماني في حالة تفكك سياسي وانحطاط أخلاقي، فأراد أن يدعم سلطته الجديدة بنظام سياسي قوي مع إحياء أخلاقي وعقيدي يعيد للشعب وحدته وانتمائه. ومن هنا جاء شعاره “دولة واحدة، وإمبراطور واحد، ودين واحد”. ويؤكد أنصار هذا الرأي بأنه رغم كل الدعم الذي قدمه قسطنطين للمسيحية، فإنه لم يقبل التعميد شخصاً ودخول المسيحية إلا وهو على فراش الموت. ويرى آخرون، وعلى رأسهم المؤرخ أوزيبيوس Eusebius، أن اعتناق قسطنطين للمسيحية كان صادقاً ومخلصاً، حيث شاهد رؤية في شكل علامة في السماء قبل دخوله المعركة تدعوه إلى رفع شعار الصليب في المعركة لضمان النصر، ثم جاءته رؤية في المنام للسيد المسيح يوصيه بأن هذا الرمز سيكون شعار النصر، ومن ثم اتخذه ـ بالفعل ـ شعاراً لجنده في المعركة. وربما خضع قسطنطين أيضاً لتأثير عائلته حيث يقال أن أمه “هيلينا”، كانت قد اعتنقت ـ سراً ـ الديانة المسيحية.

وأيا ما كان الأمر، فالذي لا شك فيه هو أن انتشار المسيحية قد أخذ منعطفاً جديداً بعد انتصار قسطنطين وتوليه الحكم ودعمه للديانة الجديدة، بحيث أصبحت هذه اللحظة هي البداية الحقيقية لانتشار المسيحية في أوربا، ومن بعدها أصبحت أوربا معقل الديانة المسيحية. وهكذا جاء انتصار عسكري في صراع على السلطة بين القواد العسكريين في روما، ليصبح نقطة الانطلاق الكبرى لانتشار الديانة المسيحية، وتغير وجه تاريخ أوربا والعالم لأكثر من ألف عام بعد هذه الواقعة.

وإذا كان الانطلاق الحقيقي للديانة المسيحية قد بدأ مع قسطنطين في بداية القرن الرابع الميلادي، فقد جاء ظهور الإسلام في الجزيرة العربية بعد ذلك بثلاثة قرون. وإذا كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قد نجح في أن يؤمن لديانته الجديدة السلطة السياسية أيضاً بعد فتح مكة، فقد ظلت مع ذلك حدود الدولة الإسلامية الجديدة قاصرة على الجزيرة العربية، ولم تمتد إلى خارج الجزيرة إلا بعد وفاته. وكان العالم في ذلك الوقت تقتسمه إمبراطوريتان متنافستان؛ الفرس في الشرق والرومان في الغرب، وكانتا في حروب دائمة، انفجر آخرها عند ظهور الإسلام حيث استمرت في سلسة متصلة من المعارك بين عام 602 وحتى 628، حين تم الاتفاق على وضع حد لهذه الحروب. وفي خلال تلك الفترة تبادلت المواقع بين المتحاربين حيث نجح الفرس بقيادة خسرو الثاني في احتلال فلسطين وأورشليم (القدس) في عام 615 وبعدها مصر في عام 619، وذلك قبل أن تستعيدها الدولة الرومانية من جديد. وإذا كان الاتفاق على السلام بين الغريمين قد تم في 628، فإن حصيلته لم تكن اتفاقاً بين غالب ومغلوب، وإنما بين خصمين انهكتهما الحروب المستمرة فخرجا منها مغلوبين على السواء. وفي هذه اللحظة بالذات بدأت الجيوش العربية تخرج من حدود الجزيرة العربية للتوسع في الخارج، بعد أن استقر وضع الديانة الجديدة في الجزيرة العربية.

وكان خروج هذه الجيوش العربية بقيادة خالد بن الوليد هو أهم هذه المظاهر حيث تم دخول الشام في 636 بالاستيلاء على دمشق الخاضعة للحكم الروماني فضلاً عن احتلال بعض مدن العراق الخاضعة للحكم الفارسي. وفي عام 637 تولى الشاه يزديجرد الثاني Yezdgird الحكم في دولة فارس، وأراد أن يبدأ بسياسة هجومية لصد الغارات التي كانت تتعرض لها أطراف إمبراطوريته من القبائل العربية. ولذلك بدأ في تكوين جيش كبير(حوالي عشرين ألف جندي) للخروج لمعاقبة هذه القبائل والتي كانت تهدد بلاده على الأطراف الشرقية. وكانت نصيحة وزيره المحنك “روستم”، هي عدم الخروج بالجيش في العراء لمحاربة هذه القبائل وسط البيداء حيث تتمتع القبائل العربية بخبرة ومعرفة واسعة في الغزوات في الصحراء. ولذلك فقد نصح الشاه بالتمركز على الضفة الشرقية لنهر الفرات وانتظار الغزاة العرب، وملاقاتهم عند عبورهم النهر، وذلك في ظروف تتفق مع خبرة الجيوش الفارسية. ولكن الشاه رأى في هذا الاقتراح “العسكري” مساساً بكرامة الجيش الإمبراطوري في مواجهة هذه القبائل “البربرية”. وانطلقت جيوش فارس إلى الصحارى لمواجهة الغزاة العرب، وهم الذين يعرفون خبايا الصحراء. فكانت هزيمة نكراء للجيش الفارسي في معركة القادسية عام 637، ومعها انهار النظام الإمبراطوري الفارسي بعد معركة لم تجاوز ثلاثة أيام، ووجدت القبائل العربية الغازية إمبراطورية فارس مفتوحة أمامهم بأكملها. وهكذا استولت دولة الإسلام الوليدة على أحدى إمبراطوريتين اللتين تحكمان العالم آنذاك. وقد أعطى هذا الانتصار المبكر الإسلام الوليد ثقة هائلة بالنفس ودفعة لمزيد من التوسع. وكانت معركة “القادسية” ومن قبلها “اليرموك” هي فاتحة الانتصارات الإسلامية والتي امتدت بعد ذلك حتى جنوب أوربا في اسبانيا وشمال إفريقيا غرباً، وحتى الهند وحدود الصين شرقاً. وهكذا جاء ميلاد قوة “سياسية” عظمى جديدة ـ الدولة الإسلامية ـ في أثر معركة عسكرية صغيرة نتيجة خطأ عسكري استراتيجي فادح وقع فيه شاه فارس بسبب غروره وغطرسته.

وتتعدد الأمثلة لتغيرات كبرى في التاريخ بدأت مع أحداث وأخطاء صغيرة هنا أو هناك، فإذا بها تكشف عن قوى كامنة لم تكن على البال. فالمستقبل يحمل دائماً مفاجآت غير متوقعة لنجاحات مذهلة في أبعد المواقع بعثاً للأمل، أو على العكس لوقوع هزائم فادحة في أكثر المناطق قوة وثراء. فمن كان يتصور أن الإمبراطورية الرومانية بتاريخها “الغربي” العميق منذ الإغريق وثقافتها الأوربية المناقضة لثقافة وتقاليد “الشرق”، سوف تجد أسباب وحدتها وبعثها من جديد في ثوب “مسيحي” مستمد من ديانات “الشرق” في فلسطين، ولتصبح الكنيسة والبابا هما محور التاريخ الأوربي لأكثر من ألف عام، وذلك حتى بداية العصور الحديثة مع ظهور الدولة الوطنية وخاصة مع الثورة الصناعية. لقد شكلت هذه “الديانة” الشرقية جوهر حياة أوربا خلال العصور الوسطى، وهي ما تزال عنصراً رئيسياً في التراث “الغربي”. وبالمثل فمن كان يمكن أن يتنبأ وقت ظهور الدعوة للإسلام في الجزيرة العربية أنها خلال سنوات قليلة سوف تستولي على أحد القوتين العظميين آنذاك، وأنها ستكون مؤهلة لسيادة العالم، الأمر الذي تحقق لها خلال القرن التالي. إنها مفارقات التاريخ والتي لايخلو الأمر منها بين كل حين وحين، بظهور مفاجآت لم تكن في الحسبان.

والآن، ونحن نسترجع هذه الذكريات في ضوء ما وصلت إليه أوضاعنا من تردي، فهل نخلص من ذلك أن طاقة الأمل لم تغلق تماماً لمستقبل هذه الأمة ؟ وأن استقراء التاريخ وما ينطوي عليه من تعدد المفاجآت والمفارقات التاريخية لايمنع من الأمل، “ولا تيأسوا من رحمة الله”. فالأمل دائماً موجود. ولكنه في هذه الحالة أمل بطعم اليأس، لأنه يعني أننا بحاجة إلى ما يشبه “المعجزة” للخروج من أوضاعنا المحزنة. والله أعلم.

الشروق: 7 يناير 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *