ملاحظات على التعديلات الدستورية

بعد نجاح ثورة الشعب 25 يناير، قامت الحكومة المصرية ـ آنذاك ـ بتشكيل لجنة قانونية وقضائية للنظر في تعديل الدستور، ثم شكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة أُخرى لتعديل الدستور أيضاً. وانتهت هذه اللجنة الأخيرة بعدد من الاقتراحات لتعديل عدد محدود من مواد الدستور القائم (والمعطل). وبتاريخ 4 مارس 2011، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بياناً بتحديد يوم 19 مارس لإجراء الاستفتاء على هذه التعديلات.

ورغم أن إعادة النظر في الدستور كان أحد المطالب الأساسية للثورة، كما كان ـ دائما ـ أحد أهم الاعتراضات الشعبية على النظام السابق، فقد جاء التعديل قاصراً على عدد محدود من المواد دون نظرة شاملة للموضوع. وأود في هذا المقال إبداء عدد من الملاحظات على التعديلات المقترحة، وهي تتناول مناقشة جانبين أحدهما شكلي متعلق بالإجراءات، والآخر موضوعي متعلق بمضمون الاقتراحات المقدمة لهذه التعديلات. وسوف أقتصر فقط على ما أراه أكثر أهمية. وأبدأ بالجوانب الشكلية.

لعل الملاحظة الأُولى هي الإسراع بتحديد موعد قريب جداً للاستفتاء على التعديلات المقترحة، وذلك قبل أن تتاح الفرصة الكافية لمختلف شرائح المجتمع لاستيعاب التعديلات ومداها، وما يمكن أن يكون لها من تأثير على مستقبل الحياة الدستورية. ففترة أسبوعين تبدو قصيرة جداً لإعطاء المواطنين الوقت المناسب للاستماع إلى مختلف الآراء حول هذه القضية. وكنت أفضل أن تتاح فرصة كافية للمناقشة والحوار، مع فتح جميع القنوات الإعلامية من صحافة وإذاعة وتليفزيون لمناقشة هذه التعديلات من كافة الاتجاهات، وبحيث تعطى المواطنين رؤية واضحة على مضمون هذه التعديلات والآراء المختلفة حول جدواها. وبهذا فقط نجعل موافقة المواطنين أو رفضهم التعديلات مبني على معرفة كافية. واعتقد أن هذه مسألة جوهرية إذا أردنا أن نجعل من الموافقات الشعبية حقيقة وليس مجرد إجراء شكلي للحصول على دعم شعبي تنقصه المعرفة بكافة التفاصيل والتداعيات.

هذا عن الملاحظة الشكلية الأولى، و هناك ملاحظة أُخرى لا تقل خطورة وهي أن هذه التعديلات سوف تعرض ـ كما يقال ـ كحزمة متكاملة للرفض أو القبول. وفي هذا نوع من المساومة غير العادلة للحصول على خاتم موافقة الشعب على نصوص قد لا يرضاها نظراً لعدم موافقته على نصوص أُخرى. فهنا يتشابه الموقف مع التاجر الذي يلزم الزبون على شراء نسبة من السلعة الفاسدة إلى جانب السليمة إذا أراد أن تتم الصفقة، الأمر ما ينطوي على نوع من الضغط الأدبي غير المقبول. وإذا نظرنا إلى المواد المقترح تعديلها، نجد أن هناك مادتين أو ثلاثة يتحقق حولها شبه إجماع، وخاصة تلك المواد المتعلقة بإجراءات الترشيح لرئاسة الجمهورية ومدة ولاية الرئيس أو الإشراف القضائي على الانتخابات أو تقييد إجراءات فرض حالة الطوارئ. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى بعض المواد الأُخرى المطروحة للتعديل. ولذلك فإن الأخذ بهذا الأسلوب بالاختيار بين الموافقة أو الرفض لحزمة التعديلات هو نوع من الضغط على إرادة المواطن، بإلزامه بالموافقة على حزمة قد لا يرضى عن بعض عناصرها، أو تضطره إلى رفض الحزمة في مجموعها رغم موافقته على بعض هذه العناصر.

وطالما أننا نتحدث عن عدد محدود من المواد المقترحة للتعديل في حدود عشرة مواد، فلماذا لا نقدم بطاقة الاستفتاء مقسمة إلى عشر خانات، مع إعطاء كل خانة رقم المادة المقترحة والعنوان بمضمونها ثم توضع أمامها اختيارين احدهما “موافق” ، والأُخر “لا أوافق”. وبهذا الشكل نضمن الحصول على الموافقة الحقيقية للشعب على كل من التعديلات المقترحة، وبحيث لا ننسب إليه آراء غير دقيقة نتيجة لوضعه في مأزق بين رفض كامل لا يحبه، أو موافقة شاملة لا يرغبها.

هذا من ناحية الشكل والإجراءات، وهكذا فلا المواعيد المقترحة تبدو كافية للحصول على رأي الجماهير بشكل عادل وسليم، ولا الأسلوب المقترح للتصويت على حزمة التعديلات المقترحة يعطي نتيجة منصفه عن آراء إرادة المواطنين. وأعتقد أن الأمرين في حاجة إلى مراجعة وإعادة نظر.

وأما الجوانب الموضوعية فهي تعبير عن رأي الشخصي، ولا أدعي أنني هنا أعبر عن رأي الغالبية، فربما يكون العكس هو الصحيح. ولكني أعتقد أنه من الإنصاف أن تعرض كافة الآراء على الشعب حتى يكون على وعي بمختلف الاتجاهات، فهو في النهاية صاحب الحق الأصيل والوحيد.

وأما النقطة الأُولى، فهي أن التعديلات المقترحة لا تشير من قريب أو بعيد إلى مسألة الخمسين في المائة “عمال وفلاحين” القائمة حالياً بالنسبة لتكوين المجالس النيابية. وهي قضية أثارت العديد من الانتقاد في الماضي، وتمثل اختلالا غير مقبول في حقوق المساواة بين المصريين بتمييز طبقة على ما سواها. ولا يخفى أن المجالس النيابية القادمة ينتظرها أعمالاً جسام، ومن الضروري أن يكون تشكيلها متفقاً مع المبادئ الديمقراطية التي لا تميز بين فئة وأُخرى، فللجميع حق المشاركة على قدم المساواة.

كذلك فإنني أود أن أُشير إلى ما يتعلق بشرط عدم الزواج بأجنبية من أجل الترشيح لرئاسة الجمهورية. فأنا أرى أن مثل هذا الشرط في غير موقعه، ويقوم على افتراضات ليس من الواضح صحتها دائماً. وأبدأ بالقول، بأنني شخصياً، غير معني بهذا الشرط، فأنا متزوج من مصرية كما أن أولادي فعلوا نفس الشيء. والقضية هي قضية مبدأ. ويستند التعديل على افتراض أن من يتزوج من أجنبية، فإن ولائه لبلده يكون مشكوكاً فيه، وهو أمر فيه كثيراً من المبالغة وربما من الظلم أيضاً. وعلينا أن نتذكر أنه قامت في وقت من الأوقات دعوة شعبية في مصر لترشيح زويل لرئاسة الجمهورية. ولكن زويل متزوج من أجنبية. فزوجته سورية، فهل ينطبق معنى الأجنبية على الزيجات من دولنا العربية أيضاً؟ ألا يتصدر دستورنا بالتقرير بأن “مصر جزء من الأمة العربية”؟. أليس هذا تناقضاً؟ ثم دعنا نتذكر تاريخنا الحديث، فهل كان المصريون المتزوجون بأجنبيات أقل مصرية أو وطنية من غيرهم. هل كان طه حسين، وهو عميد الأدب العربي، أقل مصرية مني أو منك أيها القارئ العزيز؟ وماذا تقول عن يحيى حقي الأديب الذي برع في وصف الشخصية المصرية، فهل كانت مصريته ووطنيته أقل من زملائه الأدباء؟ وهل يختلف الأمر مع حسين فوزي سندباد الأدب العربي؟ وماذا عن محمود خليل صاحب أجمل مجموعة من اللوحات والتحف التي هي فخر مصر الآن؟ وماذا عن وائل غنيم الشاب الذي كان أحد أعمدة ثورتنا، فهل يحرم هو الآخر من حقه في الترشيح أيضاً؟ إذا كان القانون والدين يسمحان للمواطن بالزواج من أجنبية ـ عربية أو غير عربية ـ فكيف يعقل حرمانه من بعض حقوقه السياسية رغم أنه لم يرتكب جرماً أو يخالف قانوناً أو شرعاً؟

الوطنية المصرية شيء عزيز وغال، وكلنا نحرص عليها، ولكنها أيضاً وطنية إنسانية تؤمن بالإخاء في الإنسانية، والزواج غالباً ما يكون وليد عاطفة نبيلة وليس ـ بالضرورة ـ مجرد عمالة لجهة أجنبية.

أفهم ـ مع ذلك ـ أن الزواج من أجنبية يمكن أن يثير لدى بعض المواطنين قلقاً، وهذا من حقهم. ولكن هل يكون الحل بحرمان مصري من حقوقه دون خطأ من جانبه. ألا يكفي أن يلزم المرشح بأن يقدم نفسه وعائلته لجمهورية الناخبين، وهؤلاء يقررون وفقاً لتقديرهم مدى أهمية أو عدم أهمية هذا الاعتبار. التدخل بالمنع التشريعي هنا هو نوع من الادعاء الأبوي للسلطة بأن جمهور الشعب ليس قادراً على اختيار الأصلح لهذا المنصف السامي، فيتدخل المشرع لإنقاذ الناس من عدم تقديرهم للمسئولية باختيارهم رئيس متزوج من أجنبية (قد تكون عربية). رجاءً دعوا الناس يقررون ما يحبونه، فهم أكثر عقلاً ومسؤولية مما تتصورون.

وأما بالنسبة لمزدوجي الجنسية، فالأمر أكثر صعوبة وتعقيداً. والحد الأدنى الذي لا يمكن التساهل فيه هو أن شاغر هذا المنصب، أو حتى المرشح له، ينبغي أن تكون جنسيته الوحيدة هي الجنسية المصرية، فمن غير المتصور أن يكون شاغل هذا المنصب متمتعاً بحماية دولة أخرى، فيجب على المرشح، ومن باب أولى الرئيس المنتخب، أن تكون جنسيته الوحيدة هي الجنسية المصرية.

ولكن السؤال يثور عن مدى حق مزدوج الجنسية في الترشيح أصلاً إذا تنازل عن جنسيته قبل الترشيح، بحيث لم تعد له ـ عند الترشيح ـ سوى جنسية واحدة؟

وهنا يمكن التمييز بين حالتين، فهناك من يحمل جنسية أخرى “بحكم القانون” ودون عمل إرادي من جانبه للحصول على الجنسية الأجنبية، ولكن هناك أيضاً من حصل عليها بطلب للتجنيس من دولة أخرى. ففي الحالة الأولى تثبت الجنسية بحكم القانون، يرجع ذلك إلى ولادة المرشح في بلد أجنبي يمنح الجنسية وفقاً “لحق الإقليم”، بمعنى أن من يولد على إقليم الدولة يتمتع مباشرة بهذه الجنسية، كما هو الحال في الولايات المتحدة وفي انجلترا حتى وقت قريب. فما ذنب هذا الشخص إذا ولد في الخارج لأبوين مصريين في دولة تأخذ بهذا الأسلوب، ويقوم والداه ـ وهو في المهد ـ بقيده في هذا البلد وحصوله على الجنسية الأجنبية، دون معرفة منه وبالتالي دون إرادته، وكل ذنبه أنه ولد في الخارج وسجله أبواه في هذه الدولة. وقد يكون وجود الأبوين في الخارج في مهمة حكومية أو في بعثة دراسية لخدمة وطنه، فهل يعاقب هذا الطفل إذا عاد إلى بلده وعاش فيها ولم يعرف غيرها بالقول بأنه لا يتمتع بما يتمتع به غيره من المصريين من الحقوق السياسية. وبطبيعة الأحوال، فإنه ـ في مثل هذه الحالة ـ إذا أراد أن يمارس حقه الدستوري والسياسي في الترشيح لهذا المنصب، فعليه أن يتنازل عن الجنسية الأجنبية التي اكتسبها ـ رغماً عنه ـ بلا طلب شخصي منه. والأمر يكون مختلفاً بالنسبة لحاملي الجنسيات الأخرى إذا تم ذلك بطلب التجنيس. فهنا يتم الحصول على الجنسية الأجنبية بفعل إرادي من جانب صاحب الشأن وعليه أن يتحمل نتائج هذا القرار.

والخلاصة التي أود أن انتهي إليها، هي أن التشدد في بعض هذه المظاهر الخارجية والمبالغة في الموانع القانونية ليس دائماً أفضل الحلول. فالأمر الأكثر أهمية هو أن يلتزم المرشح بإعطاء بيانات كافية عنه وعائلته وعن علاقاته وأمواله، وبحيث يكون للناخبين حق تقدير مدى خطورة مثل هذه الأوضاع على قدرته على ممارسة صلاحياته بما يتفق مع المصلحة العامة. ومتى توافرت كافة المعلومات، فإن الناخبين هم الحكم النهائي والصادق. وقد قال نبينا الكريم “لا تجمع أُمتي على خطأ”. فإذا اختارت الأغلبية شخصاً بناءً على معرفة كاملة بأوضاعه العائلية والاجتماعية والمالية، فأغلب الظن أن حكمهم هو الحكم السليم، وهذه هي أيضاً الديمقراطية.

والله أعلم.

المصرى اليوم 8 مارس 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *