ملاحظات على مشروع البنك المركزي

بمناسبة توقيع اتفاقات تسهيلات برنامج تمويل التجارة العربية (صندوق النقد العربي) مع عدد من البنوك المصرية، أتيح لي فرصة الالتقاء بعدد من رؤساء البنوك في مصر. وفي الأحاديث الجانبية سألني أحد رؤساء البنوك عمّا إذا كنت اطلعت على مشروع قانون البنك المركزي الذي تجري مناقشته حالياً، فأجبته بأن السيد محافظ البنك المركزي كان أن تفضّل مشكوراً وأرسل لي منذ عدة شهور مشروعاً أعدّه البنك المركزي لهذا الغرض. فذكر لي محدثي أن ما تجري مناقشته حالياً هو مشروع أعدته الحكومة وقد يكون مختلفاً ووعد بإرسال صورة لي من هذا المشروع في اليوم التالي. وبالفعل كان الرجل عند وعده حيث وصلني بعد يومين صورة من مشروع قانون بإصدار “قانون البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي والنقد الأجنبي”. وإذا أود أن أبدي بعض الملاحظات على هذا المشروع، فإنني أدرك أن هذا المشروع وهو محل دراسة ومناقشة مع مختلف اللجان ربما يكون قد لحقته تعديلات أو تغيرات على النسخة التي بيدي، وبالتالي قد تصبح هذه الملاحظات أو بعضها غير وارد. ومع ذاك فلا بأس ولا ضرر من إعادة ترديدها إذا كان قد تمّ – بالفعل – الأخذ بها أو بشيء قريب منها، أما إذا كان المشروع على حاله، فإن الفائدة من هذه المناقشة ستكون أكبر.

ولعل النقطة الأولى الجديرة بالملاحظة، هي الإشارة إلى الرغبة الطموحة في إصدار قانون موحد “للبنك المركزي والنظام المصرفي والنقد الأجنبي” وذلك ليحل محل قوانين البنوك والائتمان (رقم 163 لسنة 1957) والبنك المركزي والجهاز المصرفي (رقم 120 لسنة 1975) وتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي (رقم 38 لسنة 1994) فضلاً عن قوانين سرية الحسابات بالبنوك (رقم 205 لسنة 1990) وتنظيم مساهمة القطاع الخاص في رؤوس أموال بنوك القطاع العام (رقم 155 لسنة 1998). وبإصدار هذا القانون الجديد يتم إلغاء هذه القوانين وإحلال القانون الجديد محلها. وهذه الرغبة ترجع، فيما يبدو، إلى تنامي الشعور بأهمية القطاع المصرفي والنقد الأجنبي، وما ظهر خلال الفترة الماضية من مشاكل في البنوك والصرف الأجنبي، مما قد يستدعي وضع نظام قانوني جديد موحد وحديث ومبسط. وهي رغبة مشروعة تماماً، وإن كان هناك عدد من المصرفيين ورجال الاقتصاد الذين يرون أن العيب لم يكن في القوانين القائمة، وأن الأمر لم يكن يحتاج إلى إصدار قانون جديد بقدر ما يحتاج إلى إبداء مزيد من الجدية في تطبيق القوانين القائمة واستكمالها بالتعليمات المناسبة. وهذه على أية حلا ملاحظة عابرة، والمهم أن يأتي القانون الجديد أكثر وضوحاً وتحديداً للمسئوليات والضوابط اللازمة لسلامة عمل القطاع المصرفي. ومن هنا أهمية الملاحظات التالية التي قد تلقي ضوءاً على هذا الأمر، وتوضح ما إذا كان القانون الجديد المقترح يساعد على مزيد من وضوح الرؤية أم يثير، على العكس، مشاكل جديدة.

صاحب الحديث عن إصدار قانون جديد التأكيد على ضرورة إعطاء دور أكبر للبنك المركزي من حيث دعم استقلاله ومن حيث زيادة سلطاته ومسؤولياته. فهل يحقق مشروع القانون ذلك؟

عندما نتحدث عن تدعيم دور البنك المركزي فإن الذهن يتجه مباشرة إلى تدعيم دور البنك المركزي في ميدان السياسة النقدية ومدى ما تتمتع به إدارة البنك من استقلال في ممارستها لدورها في هذا المجال. وكان قد ثار خلاف بين المختصين حول دور البنك المركزي في تحديد السياسة النقدية. فرأى البعض أن الاتجاه المعاصر يذهب إلى إعطاء البنك المركزي دوراً أكبر في وضع “السياسة النقدية”، بل ذهب البعض إلى الدعوة إلى أن يستقل البنك المركزي “بوضع” هذه السياسة بحيث يصبح هدفه الأول والرئيسي هو حماية استقرار قيمة النقد. واستند هذا البعض في هذا الرأي إلى الدور الذي يلعبه البنك المركزي الألماني – البوندز بانك – وهو النموذج الذي تمّ اعتماده في البنك المركزي الأوروبي فضلاً عن دور بنك الاحتياط الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي جمع هذه الأحوال يستقل البنك المركزي “بوضع” السياسة النقدية ويعمل على تنفيذها حماية لاستقرار النقد. وذهب رأي آخر، أنا منه، إلى أنه في ظل النظام الدستوري المصري القائم، والذي يوكل “وضع” السياسة العامة للدولة لرئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء (مادة 138 من الدستور) وينص على “الوزراء مسؤولون أمام مجلس الشعب عن السياسة العامة للدولة” (مادة 126 من الدستور)، فإن وضع السياسة النقدية – وهي جزء من السياسة العامة للدولة – يصبح مسئولية سياسية للسلطة التنفيذية، يُسأل عنها أمام مجلس الشعب.

وإزاء هذا الخلاف في المفاهيم، فماذا كان الموقف في القانون القائم وفي المشروع المقترح؟

منذ أن صدر أول قانون للبنك المركزي في مصر (رقم 163 لسنة 1957) استخدم الشارع لفظاً غامضاً يقول بأن البنك المركزي، يقوم “بتنظيم” السياسة الائتمانية والمصرفية والإشراف على تنفيذها. وقد تكرر استخدام هذا المصطلح “تنظيم” السياسة في كافة القوانين منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ولفظ “تنظيم” السياسة وإن كان لا يعني تماماً “وضع هذه السياسة، فإنه بالقطع يزيد على مجرد تنفيذ هذه السياسة، خاصة وأن النص يجمع بين “تنظيم” السياسة والإشراف على “تنفيذها”. هذا عن الوضع القائم، فماذا عن المشروع المقترح في هذا الأمر؟ تنص المادة 5 من المشروع المقترح على أن “يختص البنك بتنفيذ السياسات النقدية والائتمانية والمصرفية”. ومعنى ذلك أن المشروع الجديد قد انحاز إلى الرأي الذي يقتصر دور البنك المركزي على “تنفيذ” السياسة النقدية وعدم الاستقلال بوضعها. ومن هنا يصعب القول بأنه في ظل المشروع الجديد يزيد دور البنك المركزي في ميدان السياسة النقدية. وتردف المادة السابقة من مشروع القانون بفقرة جديدة تشير إلى دور البنك في تحديد أهداف السياسة النقدية حيث تنص “وينسق البنك مع الحكومة في تحديد أهداف السياسة النقدية وذلك من خلال مجلس من سبعة أعضاء يشكل بقرار من رئيس الجمهورية ويضم ثلاثة من الوزراء المعنيين بالشؤون الاقتصادية ومحافظ والبنك المركزي وثلاثة من الخبراء المشهود لهم بالكفاءة، وتحدد اللائحة التنفيذية اختصاصات هذا المجلس. ولا شك أن “تحديد أهداف السياسة النقدية”، هو في صلب “وضع” السياسة النقدية، وبالتالي يدخل ضمن السياسة العامة للدولة، والتي يناط أمرها، بمقتضى الدستور، إلى رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء (مادة 138 من الدستور) ويسأل عنها الوزراء أمام مجلس الشعب (مادة 126 من الدستور). ولذلك فإن اختصاص هذا المجلس هو في أحسن الأحوال “اقتراح” أهداف السياسة النقدية وليس تحديدها كما يجري النص، ولا يمكن الأخذ بهذه الاقتراحات والاعتداد بها إلا بعد اعتمادها من السلطة التنفيذية. فوضع السياسة العامة للدولة هو اختصاص أصيل للسلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية بمشاركة مجلس الوزراء) ولا يجوز التفويض فيه إلى أية هيئة أو مجلس. وهكذا يتضح أن دور البنك المركزي في مشروع القانون المقترح يقتصر على “تنفيذ” السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية، وأن مشاركته في تحديد أهداف السياسة النقدية من خلال المجلس المقترح لا تزيد على المشاركة في “اقتراح” هذه الأهداف. ولا يمكن اعتبار هذه التعديلات زيادة في دور البنك المركزي في السياسة النقدية.

وإذا تحدد دور البنك المركزي في السياسة النقدية في هذا الإطار فدوره في تنظيم سوق الصرف الأجنبي يقتصر على إبداء الرأس لرئيس الوزراء حيث تنص المادة 110 من المشروع إلى أن “يحدد رئيس مجلس الوزراء القواعد والأسس المتعلقة بتنظيم سوق الصرف الأجنبي بعد أخذ رأي البنك المركزي”.

وليست هذه التوجهات محلاً للاعتراض أو النقد، بل أنني أعتقد أنها أكثر اتفاقاً مع طبيعة الدستور المصري، الذي يأخذ ببعض ملامح النظام البرلماني، حيث تناط سلطة وضع السياسة العامة للدولة – ومن بينها السياسة النقدية – إلى السلطة التنفيذية والتي تتحمل إزائها المسئولية السياسية. ولكن يجب أن يكون مفهوماً أيضاً أن هذا الضبط ليس زيادة في دور البنك المركزي بل أنه ينطوي على مزيد من التحديد، إن لم يكن التضييق، حيث تظل مسئولية وضع السياسة النقدية منوطة بالوزارة.

ويرتبط بتدعيم استقلال البنك المركزي توفير الضمانات لشاغل منصب محافظ البنك المركزي. وقد نصت القوانين السابقة على أ،ه “لا يجوز عزل المحافظ خلال مدة تعيينه الأصلية أو المجددة” (مادة 6 من القانون رقم 120 لسنة 1975)، وجاءت المادة 12 من مشروع القانون المقترح والمقابلة لهذا النص خلواً من تأكيد عدم قابلة المحافظ للعزل خلال مدة خدمته، وربما كان هذا سهواً. وهو في جميع الأحوال ليس مما يزيد في استقلال أو دعم البنك المركزي.

وإذا تركنا البنك المركزي إلى الجهاز المصرفي، فمن الواضح أن مشروع القانون المقترح ينبذ التفرقة التي كان يعرفها القانون السابق من حيث تقسيم البنوك إلى بنوك تجارية وبنوك استثمار وأعمال وبنوك متخصصة. وهو اتجاه يدعو البعض إليه (البنك الشامل Universal Bank). وهو أمر تسنده حجج متعددة، كما تعارضه حجج أخرى. ولكن هل تتمكن بعض البنوك المتخصصة مثل بنك الائتمان الزراعي والبنك العقاري وبنك الإسكان من التأقلم بسرعة والأخذ بمفهوم البنك الشامل في ظل المنافسة من البنوك الأخرى، وفي أي فترة زمنية؟ ربما يحتاج الأمر إلى فترة انتقالية أطول. كذلك هناك محل للتساؤل عما إذا كان مفهوم البنوك الشاملة يصلح لبعض المجالات مثل الائتمان الزراعي والتمويل العقاري الذي قد يتطلب بنوكاً متخصصة. وهناك نوع من البنوك لم يتعرض المشروع له أصلاً، وهو البنوك الإسلامية، وتتضمن المادة 58 من المشروع نصاً يجعل ممارسة هذه البنوك لنشاطها أمراً صعباً، ما لم يتم استثناؤها بقرارات خاصة فنصت هذه المادة (58) على أن “يحظر على البنك ما يأتي:

……………..

5.       التعامل في المنقول أو العقار بالشراء أو البيع أو المقايضة.

والمعروف أن جوهر نشاط البنوك الإسلامية هو التعامل في البيع والشراء.

حقاً لقد تضمّنت نفس المادة جواز “استثناء بعض البنوك من هذا الحظر وفقاً لطبيعة نشاطها”. ولكن ألا يقضي الأمر إشارة واضحة، ووضع بعض القواعد للبنوك الإسلامية كما فعل – مثلاً – التشريع الأردني أو البحريني في هذا الصدد؟

وعندما خصص الباب الثالث من المشروع “لبنوك القطاع العام” فإنه لم يضع تعريفاً لهذه البنوك، والمفهوم ضمناً هو أنها البنوك المملوكة بالكامل للدولة، حيث تنص المادة 93 من المشروع أنه:

“يجوز للقطاع الخاص أن يتملك أسهماً في رؤوس الأموال المملوكة بالكامل للدولة، وفي هذه الحالة لا تسري على البنك أحكام المواد (92،91،90،89،88،87) من هذا القانون”. أي أنه وفقاً لهذه المادة فإن تملّك أي نسبة من أسهم هذه البنوك تجعلها غير خاضعة لأحكام الباب الثالث عن “إدارة بنوك القطاع العام”. وفي هذه الحالة تثور صعوبة، كيف تشكل “الجمعية العامة” لمثل هذا الوضع. فإذا تمّ بيع أية نسبة من رأس مال بنك القطاع العام – 1% مثلاً – للقطاع الخاص فكيف تتشكّل الجمعية العامة؟ بل إن الاقتراح الجديد لتشكيل الجمعية العامة لبنوك القطاع العام يبدو نفسه غير واضح. فتنص المادة 92 من المشروع على أن: “يكون لكل بنك من بنوك القطاع العام جمعية عامة يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء من بين ذوي الخبرة المصرفية والمالية. ويرأس هذه الجمعية مالك غالبية رأس المال أو من يمثّله”.

ويقتضي هذا النص أن يكون تشكيل الجمعية العامة لبنوك القطاع العام من الخبراء، وهم جميعاً يعينون بقرار من السلطة التنفيذية الممثلة للدولة (رئيس مجلس الوزراء) وبالتالي فإنهم – على السواء – يمثّلون الملكية. وهنا يثور التساؤل، من بينهم من يمثّل “غالبية رأس المال” كما يشير النص، فهم جميعاً معينون من السلطة التنفيذية (الممثل القانوني لملكية الدولة)؟ وقد كان النص الحالي هو أن يقوم مجلس إدارة البنك المركزي بدور الجمعية العامة لبنوك القطاع العام. فهل هناك مبرر لتغيير هذا الحكم؟

ويتضمّن مشروع القانون فضلاً عن ذلك إدخال نظام “التأمين على الودائع”، وهو موضوع هام ويثير العديد من القضايا. فهو يوفر من ناحية مزيداً من الثقة للمدخرين، ولكنه يؤدي في نفس الوقت إلى رفع التكلفة على المستثمرين والمدخرين. وهناك جدل في الأدب الاقتصادي حول جدواه وحدوده. وعلى أية حال فهل من المصلحة أم يكون هذا النظام جزءاً من البنك المركزي أم يكون جهازاً مستقلاً. هذا نشاط أقرب إلى نشاط التأمين ويختلف عن طبيعة نشاط البنك المركزي. كما يشير المشروع إلى جواز إنشاء اتحاد للبنوك ولكنه يخضعه تماماً للبنك المركزي، فالاتحاد لا يلتزم فقط بمراعاة القواعد والتعليمات التي يصدرها البنك المركزي، بل أن ما يضعه من معايير وقواعد فنية لا يسري إلا بعد اعتمادها من مجلس إدارة البنك المركزي (مادة 42). ربما يكفي أن يكون للبنك المركزي أن يعترض على بعض القرارات، وهكذا يثقل المشروع الأعباء على البنك المركزي مما يهدد من قدرته على التركيز على وظائفه الأساسية في تحقيق استقرار النقد وفي الرقابة على النظام المصرفي. ومسايرة لمنطق زيادة الأعباء على أجهزة الدولة تنص المادة 83 من المشروع في صدد “الرقابة على البنوك وتأمين الودائع” على أنه “للجمعية العامة للبنك (أي بنك) أن تطلب من الجهاز المركزي للحسابات التحقيق في أي قصور في التقارير المقدمة من مراقب الحسابات” وهو أمر يخرج الجهاز المركزي للحسابات عن دوره الطبيعي في الرقابة المحاسبية على موازنة الدولة والقطاع العام إلى الخوض في المراكز المحسابية لشركات القطاع الخاص (فيما لو كان بنكاً خاصاً). وهو أمر قد يزيد العبء الملقى على الجهاز المركزي للحسابات، وبما قد ينعكس على كفاءة إدارته لدوره المنوط به.

هذه بعض الانطباعات على مشروع القانون، وهناك العديد من الملاحظات على صياغة المشروع، ولا شك أن عرض المشروع على مجلس الدولة للصياغة ستكون له فائدة كبرى في ضمان سلامة الصياغة في مثل هذا القانون الهام. ولا يخفى أن محاولة وضع تشريع موحد للبنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الأجنبي هو عمل طموح يفتح أبواباً كثيرة للنقاش. وهو أمر مطلوب حتى يخرج القانون على الصورة التي نحبها.   والله أعلم

 الاهرام: 2.2.2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *