ملاعب الجولف … للمواطنين

 

انتهت إجازتي السنوية وقد أمضيتها – كالعادة –  في مصر وغالباً في الساحل الشمالي. ومع عودتي إلى العمل وإلى القراء، فلا بأس من إشراكهم في بعض الانطباعات الشخصية.

 

لاشك أن الصيف قد أصبح اشد حرارة وأكثر رطوبة مع مزيد من تلوث الجو. فسماء مصر الزرقاء ولياليها الصافية ونسيمها الرقيق ونجومها المتلألئة في السماء هي مجرد ذاكرة باهتة في النفس عن تلك الأيام الخوالي للصبا والشباب. وإذا أضفنا إلى ذلك ازدحام الشوارع وفوضى المرور وارتباكه، فان قضاء الصيف في القاهرة هو تجربة مؤلمة ومعاناة صعبة يجدر بالإنسان العاقل أن يتجنبها قدر الإمكان. ولذلك فإذا كان لك موطئ قدم في الساحل الشمالي، فلابد من الرحيل من القاهرة، وبسرعة. وهذا مافعلته بالضبط، وان كنت قد اضطررت للبقاء عدة أيام في القاهرة لقضاء بعض الأشغال. وبمجرد أن انتهيت من هذه المشاغل الصغيرة انطلقت إلى مارينا عبر الطريق الصحراوي.

 

وبعد الخروج من اختناق طريق المحور الذي تجري عمليات إصلاحه الآن رغم أنه لم تمض على افتتاحه سوى سنوات قليلة ، فان السير في طريق عريض وسط خلاء فسيح يعيد للنفس هدوءها ويتيح للخيال مجالاً للانطلاق. كم تغيرت مصر خلال العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة ! إنها لم تعد مصر طفولتنا وشبابنا. أنها أكثر ازدحاماً واشد ضوضاء وأكثر قبحاً أيضاً.

 

وأول ما يقابلك في الطريق هو لوحات الإعلانات العملاقة. وهي تبشرك بالمنتجعات الجديدة في كل مكان، في الساحل الشمالي، وفي غرب الإسكندرية، وفي البحر الأحمر، وفي سيناء بل أيضاً في القاهرة التي أضيفت إليها القاهرة الجديدة فضلاً عن مدينة نصر التي أصبحت هي الأخرى “جديدة” إضافة إلى ” مصر الجديدة” ( هليوبوليس)، والمعادي الجديدة. الكل أصبح جديداً، والجميع يتحدث عن فيلات وشاليهات وحمامات سباحة، ولايقل أهمية التأكيد على أن بكل منها ملاعب للجولف أيضاً.

 

والجولف الذي بدأ في اسكتلندا لمناخها الممطر دائماً ومروجها الخضراء الواسعة، انتقل إلى أمريكا ليصبح رياضة الأغنياء ونجوم المجتمع وذلك قبل أن ينتقل – مع المعجزة الاقتصادية اليابانية – ليصبح هوس الأجيال الجديدة من اليابانيين حتى أن السياحة من اليابان أصبحت تتبع تسهيلات وخدمات الجولف، وبالتالي أصبحت معظم دول جنوب شرق أسيا السياحة من تايلاند إلى إندونيسيا مجالاً لملاعب الجولف وللسياحة اليابانية. وهي كلها دول ممطرة غزيرة المياه. وهكذا فان ملاعب الجولف تكاد تكون في معظم هذه الدول من عمل الطبيعة أكثر منها من صناعة الإنسان. ولكن الجديد حقاً هو ظهور الجولف وعلى نحو واسع في عدد من الدول الصحراوية، وحيث يصبح إقامة هذه الملاعب من عمل الإنسان، وذلك بمساعدة من أموال البترول عادة.

 

عندما انتقلت إلى العمل في أبو ظبي منذ خمس أو ست سنوات واجهتني مشكلة قضاء الوقت في هذا البلد الصغير حيث لا أكاد اعرف أحداً. ونصحني أحد الأصدقاء بأن الحل هو في الجولف، وبالفعل أكتشفت أن أبو ظبي – ودبي بشكل أكبر – تمتلئ بملاعب الجولف الحديثة والواسعة والمزودة بأحدث التجهيزات، وان لعب الجولف يتم فيها – عادة – في المساء، وسط أضواء باهرة كما في الصباح. وإذا لم تكن أبو ظبي تعرف أمطارا، إلا قليلاً ونادراً في فصل الشتاء، فأنها بالمقابل تقوم على بحيرة من البترول. ومع البترول وأمواله يصبح كل شئ ممكناً. ومن هنا أصبحت دولة الإمارات ومن ورائها دولة قطر مراكز جذب لبطولات الجولف العالمية، يفد إليها أشهر لاعبو الجولف في العالم من أمثال تيجروودز للاستمتاع ليس فقط بهذه الملاعب وإنما غالباً بكرم وسخاء أهل البلد على النجوم اللامعة من الرياضيين، بل أنها أصبحت كذلك مركزاً لجذب رموز السياسة العالمية مع أمثال كلينتون وآل جور فضلا عن نجوم السينما والتلفزيون أو حتى الحائزين على جائزة نوبل في العلوم والآداب. فأموال البترول وسخاء أهل البلد وغير قليل من الدهاء السياسي مع هذه النجوم الساطعة يمثل قوة جذب لاتقاوم. فما الضرر من قبول دعوة لقضاء أربعة أو خمسة أيام في أفخم الفنادق مع استضافة كاملة والسفر في الدرجة الأولى، ثم إلقاء كلمة في ندوة أو حضور لقاء مع شيك وهدايا بنصف مليون دولار أو أكثر – غالباً بعيداً عن الضرائب. وقد حققت هذه الدول من وراء هذه الدعوات مكاسب سياسية وأحياناً استثمارية أيضاً. 

 

فالبترول وأمواله تفعل عجباً. أما الأكثر عجباً فهو مصر الصحراوية القليلة أو العديمة الأمطار محدودة الموارد البترولية، والقادرة رغم ذلك على التوسع في تشييد ملاعب الجولف. ووجه العجب هو أن مصر الفقيرة بترولياً تتصرف وكأنها دولة بترولية. فما أن تفتح الجريدة الصباحية – والتي قد يصل عدد صفحاتها في كثير من الأحيان إلى أكثر من أربعين صفحة – حتى تجد أن  أكثر من نصف صفحاتها إعلانات عن منتجعات جديدة تنتشر في أطراف القطر، وكل منها يحرص على تطمين القارئ على وجود ملاعب للجولف. وقد تزداد المفارقة إذا وجدت نفس الصحيفة خبراً وربما صورة عن أهالي قرية أو أكثر يتجمعون ويتصايحون لانقطاع المياه عنهم منذ شهور، أو تقرأ في بريد القراء رسالة قارئ أو قارئة في أحد أحياء القاهرة أو إحدى المحافظات يشكو من انقطاع المياه لعدة أيام أو أسابيع إن لم يكن شهوراً. ولايخفف من هول العجب أن تأتي تصريحات المسئولين، بأن المشكلة سوف تحل في القريب العاجل. وهي عبارة سحرية يستخدمها معظم المسئولين باسراف شديد.

 

وبطبيعة الأحوال، فان هذه الخواطر وأمثالها والتي تجول في ذهنك وأنت في الطريق الصحراوي لا بد أن تنقطع أو تتوقف عندما تقترب من مدخل مارينا. فهذا وقت العودة إلى أرض الواقع ولا مجال للسرحان في الخيال والتأمل، وعليك أن تتنبه لمخاطر الطريق ولمعرفة باب الدخول إلى المارينا، بعد أن اتسع حجم “قرية” مارينا على امتداد يزيد على خمسة عشر كيلو مترات وربما أكثر، وهو مايقرب من طول كورنيش الإسكندرية، الذي كان في وقت من الأوقات مصدر افتخار الإسكندرية والتي كانت تعرف “بعروس البحر المتوسط”، وحيث كان كورنيشها يجاوز جمالاً وطولاً وعرضا ًكورنيش “نيس” أو “كان” في جنوب فرنسا. وكان لمارينا بابان أو مدخلان وربما ثلاث أبواب لدخول القرية، وقد زاد عددها الآن إلى سبعة أبواب، آخرها مايطلق عليه “باب الوزراء”، حيث الفيلات الجميلة والفخمة والتي يقال أنها خصصت للوزراء بشكل خاص. ويتميز ” باب الوزراء” بأن بناءه أكثر جلالاً حتى يناسب مقام الوزراء. وأول ما يصادفك وأنت تنحرف لدخول الطريق العام إلى القرية هو بناء جديد ومرتفع متعدد الألوان يشبه في ألوانه الفاقعة ألوان قصور الكرملين في موسكو، وأن كان القصد على مايبدو هو أن يكون على الطراز الإيطالي في العصور الوسطى و فينسيا (البندقية) بوجه خاص، وهذا البناء هو مايطلق عليه “بورتومارينا”. وتأكيداً لوصول العولمة إلى أرض مصر المحروسة، فان الأسماء التي تصادفها في الساحل الشمالي تغلب عليها الأسماء الأجنبية. فإلى جانب مارينا  و” ماربيلا “و “كوستاديل سول” و “هاسيندا”، هناك  “كازابلانكا” و”مرسيليا” و”جرين بيتش”، وهكذا. ولايمنع ذلك من وجود أسماء محلية كذلك مثل “سيدي كرير” و”ابوتلاث” بل و”أبو حنيش” أيضاً. وطبعا من الكلام المعاد أن يتسائل المرء عما انفق خلال العقديين الآخرين في آلاف مؤلفة من الكتل الخرسانية على اتساع ما يقرب من مائة كيلو متر على طول الساحل الشمالي في قرى سياحية متراصة لاتستخدم لأكثر من  أربعة أو ستة أسابيع في السنة، في الوقت الذي تضم المساكن العشوائية بل القبور في القاهرة والإسكندرية ما لايقل  عن عشرة ملايين نسمة، ويقدرها البعض بأكثر من ذلك. هذا فضلا عن أكثر من أربعة آلاف قرية تعيش في أجواء من البناء العشوائي. فماذا كان سيكون وجه مصر لو أنفقت هذه الاستثمارات أو جزء منها في تحسين الظروف السكنية لسكان القرى والمدن المصرية من متوسطي ومحدودي الدخل. ولعل مايدعو للغرابة في هذا الصدد أن العديد من هذه القرى  السياحية – مثل ماراقيا وميرابيلا ومارينا – لاتملكه شركات خاصة وإنما شركات حكومية للقطاع العام. واذكر أنني ذكرت مثل هذا التعليق في ندوة عقدت منذ سنوات في المركز القومي للبحوث الاجتماعية، وكان المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان الأسبق حاضراً هذه الندوة، وكان رده على تعليقي أنه كان الأجدر بي أن أحمد الله، لأنه سمح لي بتملك فيلا في مارينا دفعت فيها أقل من مائتي ألف جنيه وقد أصبح ثمنها آنذاك أكثر من ستمائة ألف جنيه. وهذه حقيقة، لذلك فقد سكت وحمدت الله وفقا لنصيحته، فالحمد واجب على كل حال، ولكن هذا لم يغير رأيي. وعلى أي الأحوال  فالأسعار التي تحدث عنها الوزير الكفراوي في ذلك الوقت تجعل تلك الأرقام الآن مضحكة ” ولعب عيال”. وقد كان ارتفاع أسعار الفيلات في الساحل الشمالي أحد اكثر الموضوعات إثارة في أحاديث مارينا المشهورة بتداول الإشاعات والقصص المثيرة وربما الفضائح. ولم يعد الحديث عن مئات الآلاف مثيراً، فالكل يتحدث عن الفيلات التي تباع بعشرة أو عشرين مليون جنيه بل أن أحد المواقع على الانترنيت يعلن عن قرية جديدة جنوب الغردقة تبلغ قيمة الفيلا فيها أحد عشر مليون دولار، أي ستين مليون جنيه. أي والله، ستون مليون جنيه لفيلا. لابد إنها جميلة، وهي في الصورة كذلك، ولكنها لايمكن أن تستخدم لأكثر من أسبوعين في السنة. انه عالم عبثي، ولا مؤاخذة. وطالما أنني بدأت حديثي عن ملاعب الجولف، فأود أن اطمئن القارئ العزيز، أن مارينا قد استوفت مقوماتها الضرورية، فإلى جانب اليخوت والمراكب وحمامات السباحة،  فقد توافر لها أيضاً ملاعبها للجولف. فدعاني الصديق المهندس على مشرفه للتدريب في ملاعب بورتومارينا للجولف عصر أحد الأيام،  وكان يوماً جميلاً. وكنت قد قرأت في صباح نفس اليوم العنوان الرئيسي في الجريدة بأن الحكومة تهتم بالمواطن وبمحدودي الدخل. ومع ملاعب الجولف فلابد أن سعادة المواطنين ستكون كبيرة. أن مصر ليست فقط أم الدنيا ولكنها أم العجائب. وعدت إلى عملي في أبوظبي. 

 

الله أعلم                

الاهرام 16 سبتمبر 2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *