مناخ الاستثمار والقوانين الاستثنائية

ساد في وقت من الأوقات اعتقاد بأن التنمية تعتمد على زيادة رأس المال المادي، من مصانع وأراض زراعية وطرق ومحطات للكهرباء أو للمياه أو للصرف وغير ذلك من مظاهر الثروة المادية. وبذلك يبدو كما لو كان جوهر عملية التنمية هو العمل على تراكم رؤوس الأموال المادية. ولكن تجربة التنمية أثبتت خلال ما يقرب من نصف قرن أن العناصر غير الملموسة من مؤسسات وسياسات لا تقل أهمية لتحقيق التنمية إن لم تزد. ولعل تجربة الاتحاد السوفييتي وكثير من الدول الاشتراكية وقد استندت إلى الاهتمام الزائد بتراكم الاستثمارات المادية دون اهتمام كاف بالعناصر غير الملموسة من نُظم ومؤسسات وسياسات ما يؤكد ذلك. وقد كان ضعف الأداء الاقتصادي في هذه الدول – رغم ما حققته من تراكم هائل في الاستثمارات المادية – هو ما أصابها في مقتل – في صراعها مع الرأسمالية – مما ساعد على انهيار منظومة النظم الاشتراكية في العقد الأخير من القرن العشرين.

 ولحسن الحظ، فقد بدأت الحكومات المصرية تولي هذا الجانب غير الملموس من سياسات التنمية اهتماماً أكبر. فاتجه الاهتمام – إلى جانب الاستثمارات المادية – إلى إعادة النظر في النظم القانونية وقواعد الشفافية وأشكال الرقابة والإشراف على مختلف أوجه النشاطات الاقتصادية وتحسين نُظم الضرائب وأساليب التسويق وأشكال التمويل وإنشاء مؤسسات جديدة والاهتمام بالارتقاء بالتدريب الفني وتبادل الخبرات. هذا فضلاً عن الاهتمام بالسياسات الاقتصادية المناسبة لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي وتوفير الشروط المناسبة لحفز الاستثمار. فالتنمية ليست فقط تراكماً لرؤوس الأموال المادية بل هي سياسات ومؤسسات أيضاً.

ويأتي الاهتمام “بمناخ الاستثمار” باعتباره عنصراً أساسياً لنجاح سياسات التنمية تأكيداً لهذا التحول في النظرة إلى التنمية الاقتصادية. “فمناخ الاستثمار” ليس شيئاً مادياً يمكن أن تلمسه، فهو ليس مصنعاً أو عدة مصانع يمكن بناؤها، كما أنه ليس طريقاً أو محطة للكهرباء يمكن تشييدها، بل أن هذا المناخ هو تعبير عن منظومة متكاملة من الإجراءات والسياسات والمؤسسات التي تخلق بيئة أو مجموعة من الشروط والأوضاع المساعدة على حفز المستثمرين من وطنيين وأجانب على القيام بالاستثمار في مكان معين. والعنصر الرئيسي في كل ذلك هو خلف “الانطباع” لدى المستثمرين بجدوى الاستثمار من حيث الأمان والعائد. وعندما نتحدث عن مناخ الاستثمار فإننا نشير إلى قاعدة واسعة من العناصر بعضها مادي ملموس والبعض الآخر غير ملموس من مؤسسات ونظم وسياسات. فوجود بنية أساسية مادية من طرق وموانئ ومصادر للطاقة والمياه ووسائل الاتصال المادي والمعلوماتي مع العالم الخارجي هو حقاً من أهم عناصر المناخ الاستثماري المناسب. وما لم تتوافر هذه الإمكانيات فإن البيئة الاقتصادية لا يمكن أن تكون جاذبة للاستثمارات. كذلك يدخل في هذا المناخ مدى توافر قوى عاملة مدربة ومؤهلة، ولا يقل أهمية أن تكون هذه العمالة منضبطة أيضاً. وهو أمر يرتبط بمدى كفاءة القوى البشرية وإن كان يتوقف أيضاً على قوانين العمل والتنظيم النقابي والضمانات الاجتماعية للعاملين.

 ولكن مفهوم “مناخ الاستثمار” يتسع لأكثر من مجرد توافر الشروط المادية أو البشرية اللازمة للإنتاج لتتعلق بأسلوب مباشرة النشاط الاقتصادي بصفة عامة. فقرار المستثمر بالاستثمار في دولة معينة ليس قراراً وحيداً بقيام الاستثمار من عدمه، بل أن قرار الاستثمار يتضمن في الواقع التزاماً من جانب المستثمر بالمعايشة الكاملة مع الاقتصاد، وبالتالي فلا بد أن تكون الأوضاع والشروط العامة لمباشرة النشاط الاقتصادي مناسبة ومحفزة بالمقارنة مع المناطق الأخرى. فالمستثمر في علاقة مستمرة مع الموردين للحصول على مستلزمات الإنتاج، وهو في اتصال دائم مع دوائر الحكومة للحصول على التراخيص والموافقات، وهو يتعامل مع جهات إدارية متعددة من ضرائب وجمارك وشهر عقاري ومختلف المصالح الحكومية. والمستثمر يتخذ في كل لحظة قرارات متعددة وهو يقوم بتصرفات قانونية يترتب عليها حقوق والتزامات له مع الغير، وبالتالي فإن وجود نظام قانوني واضح، ونظام قضائي فعّال أمر لا غنى عنه لسلامة قراراته. ولكن المستثمر يتعامل مع المستقبل، فهو ينشئ المصنع اليوم لكي ينتج غداً، وبالتالي فلا بد أن يعرف الاقتصاد استقراراً في قيمة النقود، وألا يفاجئ بضرائب أو أعباء جديده أو يواجه بالتزامات لم يتوقعها. هو يحتاج إلى سوق مالية متطورة تسمح له بالحصول على الموارد المالية عندما يحتاج كما تسمح له بالخروج من السوق كلية عندما يرى في ذلك مصلحته. وبطبيعة الأحوال فإن الشرط الأول لتوافر مناخ الاستثمارات المناسب هو الاستقرار السياسي والأمني.

ومناخ الاستثمار ليس مفهوماً مطلقاً أو ثابتاً. فهو مفهوم نسبي يمثل المقارنة بين أوضاع دولة ما وبين الأوضاع السائدة في الدول الأخرى. فالعالم المعاصر قد أصبح – إلى حد بعيد – عالم مفتوح. والمستثمر في أي مكان ليس مضطراً إلى الاستثمار في مكان أو دولة بعينها، وإنما أمامه العالم على اتساعه للاستثمار فيه. ولذلك فقد تكون دولة جاذبة للاستثمار في فترة معينة فإذا بها تصبح غير ذلك في وقت لاحق، لأن الدول الأخرى المنافسة تقدم ظروفاً أفضل. كذلك فإن سرعة التطورات التكنولوجية وما ارتبط بها من تطور في ظروف الإنتاج والتسويق يستدعي بدوره تطويراً مقابلاً في البيئة الاقتصادية المناسبة للاستثمار. وهكذا يتضح أن “مناخ الاستثمار” هو أمر ديناميكي متطور.

بقي أن نشير إلى أن مفهوم “مناخ الاستثمار” يرتبط إلى حد بعيد باقتصاد السوق، وتزداد أهميته في ظروف الانفتاح الاقتصادي العالمي. فعندما ساد اقتصاد الأوامر مع اقتصاديات الدولة والقطاع العام، كانت قرارات الاستثمار كانت قرارات سياسية بالدرجة الأولى. وليس الأمر كذلك مع اقتصاد السوق، فالاستثمار في هذا الاقتصاد يصبح – إلى حد بعيد – مجموعة من القرارات الفردية التي يتخذها المستثمرون الأفراد. وهؤلاء يجدون أنفسهم أمام فرص متنوعة للاستثمار في مختلف الدول، ولذلك يصبح المناخ المناسب للاستثمار أمراً حاسماً. وعندما يتعلق الأمر بالأفراد فلا ينبغي أن ننسى أن الأفراد يتأثرون كثيراً بما يقال ويشاع في مختلف الأوساط المالية، ولذلك فليس غريباً أن يصبح “الانطباع” “Perception” عن مناخ الاستثمار هو العامل الأكثر تأثيراً. فالمستثمرون يتأثرون عادة بما ينشر أو يذاع عن “المناخ الاستثماري” في دولة ما، ربما أكثر من معرفتهم بحقيقة الأوضاع. ومن هنا جاء تعبير غريزة القطيع “Herd instinct” عند المستثمرين.

ولم يكن غرضي من هذا المقال مناقشة موضوع “مناخ الاستثمار” في ذاته، وإنما أردت فقط أن أنوه بسياسة الحكومة الجديدة في الاهتمام بهذا الجانب لدرجة تخصيص وزارة لهذا الغرض. وقد بدأت الحكومة الجديدة بالفعل بعدد من الإجراءات والإصلاحات الجادة في هذا الطريق. وما أود أن أشير إليه هو أنه ما لم يتم التعرض إلى قضية “القوانين الاستثنائية” فإن كل ما يمكن أن يتحقق من إجراءات لتحسين “مناخ الاستثمار” سيظل مهدداً وغير مستقر. فماذا نعني بذلك؟

الواقع أن هناك اتفاقاً على أن الاستقرار القانوني ووضوح المراكز القانونية هو من أهم عناصر المناخ الاستثماري المناسب. ومع ذلك فإن وجود القوانين الاستثنائية يخلق انطباعاً بعكس ذلك. ففي كل دولة هناك قواعد القانون العام والذي يمثل النظم التي تطبق في الأوضاع العادية والطبيعية. ولكن الدول تقدر أيضاً أن هناك أحوالاً استثنائية تتطلب سرعة في اتخاذ الإجراءات وأحياناً الخروج على المبادئ العامة المستقرة في احترام الحقوق والحريات الأساسية. ففي هذه الظروف الاستثنائية يعلو اعتبار الأمن والاستقرار على كل اعتبار آخر. ولذلك نجد أن كل الدول تعرف قوانين الطوارئ والحكم العرفي، ولكنها لا تطبق إلا في أحوال استثنائية وبشكل مؤقت تعود الأحوال من بعدها إلى الأوضاع الطبيعية.

أما في مصر فقد استمرت أحكام قانون الطوارئ لما يقرب من ربع قرن، ولظروف كانت مبرّرة حين تم فرضها. وقد أثار استمرار العمل بهذا القانون جدلاً كبيراً في الخطاب السياسي. وما أود أن أشير إليه هنا – بصرف النظر عن أية اعتبارات سياسية – هو اعتبار اقتصادي بحت، وهو هل يساعد استمرار مثل هذه القوانين على تحسين مناخ الاستثمار، الأمر الذي يبدو أنه أحد محاور السياسة الاقتصادية للحكومة الجديدة؟

لقد كان فرض هذه القوانين مبرراً لاعتبارات أمنية لاحتمال نزاعات مسلحة في الشرق الأوسط بعد أن عرفت المنطقة أكثر من ثلاثة أو أربعة حروب عسكرية منذ منتصف القرن الماضي حتى منتصف السبعينات. وجاءت أحداث الإرهاب في الثمانينات والتسعينات لتضيف إلى ذلك اعتبارات الأمن الداخلي. والآن، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على معاهدة الصلح مع إسرائيل، فهل مازالت احتمالات النزاعات العسكرية قائمة؟ وبالنسبة لأحداث الإرهاب، فإن آخر عمل إرهابي (أحداث الاقصر) وقع منذ ما يزيد على سبعة أو ثمانية أعوام. فهل ما زال هذا الخطر مستمراً؟ والأمر هنا متعلق بقراءة المستثمر الأجنبي لأوضاع الاستقرار في مصر. فإذا كانت الحكومة تؤكد أن مصر واحة للأمان، ولكنها تفرض مع ذلك الأحكام الاستثنائية، ألا يستخلص هذا المستثمر، أن الحكومة – وهي أدرى بشعابها – غير مطمئنة تماماً إلى الاستقرار والأمن. وهل هناك ما يخيف أي مستثمر أكثر من اهتزاز الاستقرار والأمن؟

بقيت نقطة، وهي أنه – في ظل الأحكام الاستثنائية – فإن ما يتمتع به الحاكم العسكري من سلطات بالاعتقال أو فرض الحراسة أو الإحالة إلى القضاء الاستثنائي أو غير ذلك من الإجراءات الاحترازية أشد بكثير مما يمكن أن يحدث في ظل القوانين العادية. وليس في هذا ما يساعد المستثمر على الاطمئنان على استقرار مناخ الاستثمار الجديد. ولا يكفي هنا ترديد القول بأن هذه السلطات لم تستخدم في الماضي، ذلك أن مجرد وجودها يثير في النفوس شيئاً من القلق.

الحديث عن مناخ الاستثمار والاهتمام به أمر جميل، ولكن البدء بالأساسيات وخاصة بالعودة إلى الأوضاع العادية واستبعاد كل القوانين الاستثنائية هو ما يعطي هذا الحديث قوة ومصداقية. والله أعلم.

الأهرام 30 يناير 2005

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *