من يستفيد من التضخم

ارتفع التضخم في مصر هذا العام 2008 إلى مستويات غير عادية، فوفقاً لما نشره الجهاز المركزي للإحصاء جاوز التضخم، 23 % وهي نسبة غير شائعة حتى في الدول التي تعاني حالياً من التضخم، ويستثنى من ذلك بالطبع ” الدول الفاشلة” مثل زمبابوي والتي يقدر معدل التضخم فيها بالآلاف وليس بالعشرات.

وفي مقال سابق نشر في هذه الجريدة بتاريخ 30 سبتمبر 2007 بعنوان ” ارتفاع الأسعار ومسئولية الحكومة”، حاولت فيه أن أوضح أن التضخم، أي الارتفاع في المستوى العام للأسعار، ليس مشكلة طلب وعرض للسلع، كما هو الحال عند الحديث عن الأسعار النسبية للسلع. كذلك أشرت إلى أن التغيير في المستوى العام للأسعار يكون غالباً مرتبطاً بتداول أحجام متزايدة من النقود أو السيولة مما يترتب عليه انخفاض قيمة النقود، وأن هذا يعود عادة إلى السياسات الاقتصادية للدولة، ومن هنا مسئولية الدولة في حفظ قيمة النقود، وهذا هو  ما تقرره عادة القوانين المنظمة للبنوك المركزية. فالمسئولية الأولى للبنوك المركزية هي حفظ قيمة النقد الوطني، أي حماية المستوى العام للأسعار في الداخل، وضمان استقرار سعر صرف العملة في الخارج. كل هذا ورد في المقال السابق.

وأود في مقال اليوم أن اذهب خطوة أخرى إلى الأمام، وهي أنه إذا لم يكن التضخم وليد تغير في  ظروف الطلب والعرض لبعض السلع وإنما هو اختلال بين مستوى النشاط الاقتصادي وحجم الإصدار النقدي، فكيف يحدث هذا الاختلال، ومن المستفيد من ورائه؟

ولفهم هذه الأمور، فعلينا أن نبدأ بالتذكير ببعض الحقائق الأساسية. والحقيقة الأولى والأساسية هي أن التضخم هو أحد مظاهر الاقتصاد النقدي. كيف؟  الاقتصاد المعاصر هو – كما نعلم – هو اقتصاد للمبادلات النقدية. فمنذ وقت بعيد اكتشفت البشرية أهمية التخصص وتقسيم العمل، وبالتالي ظهرت المبادلات. فباستثناء الجماعات البدائية التي ما تزال تعيش في ظل اقتصاد معيشي وإنتاج جماعي، فإن معظم البشرية وصلت منذ وقت مبكر إلى اقتصاد التبادل، حيث يتخصص الفرد أو الجماعة في إنتاج بعض السلع في حين يتخصص آخرون في إنتاج سلع أخرى، وتقوم المبادلات بينهما. وكانت المبادلات تقوم في البداية عن طريق المقايضة، ثم اكتشف الإنسان، في وقت لاحق، أيضاً ضرورة وجود وسيط يستخدم كأداة للتبادل، مما يخفف من صعوبات عمليات المقايضة. وهكذا ظهرت النقود، وعرفت مساراً طويلاً من التطور: من نقود سلعية، إلى نقود معدنية ، إلى نقود ورقية، إلى نقود ائتمانية تقيد في حسابات البنوك أو المؤسسات المالية الوسيطة.

والذي نود أن نؤكد عليه هنا هو أن مشكلة التضخم ، هو ظاهرة نقدية لم تظهر إلا مع وجود النقود. ففي ظل الاقتصاد البدائي الجماعي أو حتى الاقتصاد العيني التبادلي القائم على المقايضة العينية لايوجد تضخم، وإنماً قد ترتفع أسعار بعض السلع وتنخفض أسعار سلع أخرى، وفقط مع ظهور النقود جاءت ظاهرة التضخم والارتفاع العام للأسعار. فالتضخم هو ظاهرة نقدية بحتة تتعلق بانخفاض قيمة النقود، أي أن الوحدة النقدية تفقد جزءاً من قوتها الشرائية وتشتري وحدات اقل من مختلف السلع. فكيف يحدث ذلك في الاقتصاديات النقدية؟

هناك مصدران لانخفاض قيمة النقود أحدهما على جانب العرض من الاقتصاد (Supply Side) وهو لا يتعلق عادة بالنقود ذاتها وإنما بظروف إنتاج وعرض بعض السلع، أما المصدر الآخر فهو يرجع إلى جانب الطلبمن الاقتصاد (Demand Side) ويتعلق هذا الجانب بالنقودذاتها. والغالب في أسباب التضخم أن تكون لأسباب نقدية متعلقة بجانب الطلب في الاقتصاد.

أما ارتفاع الأسعار لأسباب من جانب العرض فأنها ترجع غالباً إلى قيام ظروف استثنائية وعادةً لأسباب غير اقتصادية. فإذا عرفت البلد قحطاً أو جفافاً أدى إلى نقص الإنتاج الزراعي، فان الأسعار ترتفع لنقص المعروض من السلع الزراعية، وبالمثل إذا قامت حرب أو وقع زلزال دمر مصادر الإنتاج مما نتج عنه نقص من المعروض من السلع، ارتفعت الأسعار. ونفس الشيء إذا انتشرت الأوبئة أو استحال انتقال الأفراد والسلع لاضطرابات أو غير ذلك فترتفع الأسعار. ويمكن أن يدخل في إطار ذلك نقص المعروض من السلع المستوردة أو ارتفاع أسعارها.  فكل هذه أسباب لظهور التضخم لعوامل متعلقة بجانب العرض.

وقد كانت هذه أسباب الارتفاع في الأسعار في معظم المجتمعات القديمة. فتنبؤنا  المصادر التاريخية بأن العديد من المجتمعات القديمة، قد عرفت أزمات لارتفاع الأسعار بسبب الحروب والكوارث الطبيعية، أو الجفاف أو الفيضانات، أو غير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى نقص المعروض من السلع. وهذا الشكل من أشكال التضخم وارتفاع الأسعار اصبح نادراً في العصر الحديث. أما التضخم في العصر الحديث فهو ينتج  – غالباً – نتيجة عوامل في جانب الطلب في الاقتصاد بزيادة الإصدار النقدي بشكل أو بآخر.

إذا كانت الكوارث الطبيعية قد قلت في العصر الحديث كما تعددت وسائل مقاومتها ومنعها، فلماذا إذن تزايدت مظاهر التضخم ولم تقل ؟ السبب هو أنه مع تطور أشكال النقود اصبح من السهل التدخل البشري لزيادة المعروض من النقود ومن ثم ارتفاع الأسعار. ولكن كيف يزيد عرض النقود في الاقتصاد الحديث، ومن المستفيد من هذه الزيادة؟

يمكن القول للتبسيط أن هناك مصدرين أساسيين لزيادة عرض النقود في الاقتصاديات المعاصرة، وهما الزيادة في عرض النقود عن طريق السلطة المركزية من خلال البنك المركزي أو الزيادة  في هذا العرض في عن طريق التوسع الائتماني من خلال الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية الوسيطة بشكل عام.

وعندما سادت النقود المعدنية من ذهب أو فضة أو غير ذلك، فان السلطات الحاكمة كانت تبدو عاجزة عن التأثير في عرض النقود. فحجم النقود يتوقف على إنتاج هذه المعادن، فإذا زاد بشكل كبير ارتفعت الأسعار كما حدث في القرن السادس عشر بعد اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أمريكا وارتفعت الأسعار خاصة في أسبانيا. ويحدث الآن شيئ من ذلك في دول الخليج النفطية نتيجة لزيادة الفوائض المالية.

ورغم أنه في ظل النقود المعدنية يصعب زيادة المعروض النقدي دون زيادة في عرض هذه المعادن، فإن الحكومات لم تعدم من وسائل لزيادة عرض النقود حتى في هذه الحالة. وذلك بأن لجأت إلى حيلة جهنمية، وهي أن النقود لم تعد مجرد ذهب أو فضة بل اشترطت الحكومات أن تكون هذه النقود “مسكوكة” بخاتم الدولة. وأصبح “سك” النقود من أهم مظاهر السيادة والسلطة.

وقد وفرت هذه الحيلة القانونية للحاكم الوسيلة لزيادة عرض النقود دون أدنى تكلفة عليه، وذلك بأن يقلل من وزن الوحدة النقدية عند سك النقود مع حفظ قيمتها القانونية، ويحصل بذلك على الفرق في الأوزان من المعادن لإصدار نقود جديدة لصالحه. ويحقق بذلك مكسباً مجانياً بمجرد أن يسك العملة.

ومع ظهور النقود الورقية لم يعد الحاكم أو الدولة في حاجة إلى هذا ” الوهم” أو تلك ” الحيلة” بسك النقود بوزن اقل، فمع النقود الورقية أصبح البنك المركزي قادراً على زيادة عرض النقود بمجرد طبع نقود جديدة. ولكن البنك المركزي لا يطبع النقود وفقاً لأهوائه وإنما مقابل أذونات خزانة أي مديونية على الدولة. وهكذا فان المصدر الأول لزيادة عرض النقود هو عجز الموازنة، فبدلاً من أن تلجأ الدولة إلى فرص ضرائب صريحة على المواطنين فإنها تكتفي بتمويل العجز من البنك المركزي بزيادة عرض  النقود المتداولة. وهكذا يحول البنك المركزي مديونية الحكومة إلى نقود.

ولكن عجز الحكومة وإصدارات البنك المركزي ليس المصدر الوحيد لزيادة المعروض النقدي. فالجزء الأكبر من عرض النقود هو ما يطلق عليه “النقود الائتمانية” والتي تصدر عن التوسع الائتماني للجهاز المصرفي. فعملاء البنوك يقترضون من البنوك التجارية، وهذه البنوك تستطيع أن تقرضهم بأكثر مما لديها من ودائع الجمهور. ونظراً لأن مديونية البنوك تتمتع بثقة الجمهور فمن الطبيعي أن يتم التعامل بها على أنها نقود وهي ما يعرف بالنقود الائتمانية.. فالعميل يتقدم إلى البنك للحصول على قروض وتسهيلات، وإذا قبل البنك منحه تسهيلات أو قروض فإنه يفتح له حسابا على البنك، ويتصرف العميل في هذا الحساب باعتباره نقوداً. فالدور الاقتصادي للبنوك لا يقتصر على الوساطة بين جمهور المدخرين وجمهور المستثمرين، بل أن البنوك قادرة على الإضافة إلى ذلك بخلق نقود جديدة وذلك بتحويل المديونية الخاصة للعملاء إلى مديونية على البنك، تتداول في السوق كنقود، فالقطاع المصرفي يحول المديونيات الخاصة إلى نقود ائتمانية، كما يحول البنك المركزي مديونية الحكومة إلى نقود ورقية.

والحقيقة أنه لا خطر من زيادة عرض النقود على النحو المتقدم إذا أدت زيادة العجز في الموازنة أو مديونيات عملاء البنوك إلى زيادة القدرات الإنتاجية للدولة. أما إذا  كان عجز الموازنة أو قروض عملاء البنوك التجارية توضع في استخدامات طائشة أو تهرب إلى الخارج، فأن ارتفاع الأسعار يكاد يمثل سرقة لأصول المواطنين.

المستفيد الأكبر من التضخم هو المدين (وكل مدين)، وبوجه خاص الحكومات في حالة العجز ومدينو البنوك التجارية. وأما الخاسر الأكبر فهو المواطن العادي وخاصة من لا يملك أصولاً عينية.

والخلاصة أن ارتفاع الأسعار الناجم عن زيادة العرض النقدي هو أشبه بضريبة مقنعة تفرض على المواطنين وتقتطع من قوتهم اليومي لتمويل عجز الحكومة ودائني البنوك. فإذا كانت هذه العجوزات وتلك الديون لا توظف في استخدامات رشيدة. فهي تبديد لأصول المواطنين بلا تمييز. والله اعلم.

الأهرام: 14/09/2008

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *