مواجهة المشكلة الإقتصادية

أكتب هذه المقالة قبل ظهور نتائج الجولة الأولى للإنتخابات ووصول رئيس جديد إلى سدة الحكم. ورغم ما قد يصاحب تسلم الرئاسة من مظاهر وإحتفالات، فإن المشاكل التى تنتظر هذا الرئيس فضلاً عن التوقعات من الجماهير، لن تكون يسيرة أو هينة. فأمام الرئيس الجديد مشاكل عديدة متراكمة وقائمة طويلة من الآمال المحبطة، وليس أقلها المشكلة الإقتصادية. وكان محرر هذه الصفحة فى الأهرام قد طلب منى، فى وقت سابق، إعداد مقال حول هذه القضية. ونظراً لأننى سبق أن عبرت عن آرائى فى هذا الموضوع فى مناسبات متعددة، فقد رأيت أن أوجز هذا الموقف فى نقاط سريعة ومختصرة.

ولعل نقطة البداية هى ضرورة التأكيد على أنه ليس هناك معجزات، وعندما يتعلق الأمر بالإقتصاد، فليست هناك هبات من السماء، بل لا بد من العمل والجهد حتى تأتى الثمرة لاحقاً. فمواجهة المشكلة الإقتصادية هى معركة تتطلب العمل والجهد والصبر قبل أن تتحقق النتائج. لعلنا نتذكر كلمات تشرشل لشعبه أثناء الحرب الثانية، “ليس أمامنا سوى العرق والدم والدموع.. وفى النهاية النصر”. وكذا الأمر مع معركتنا الإقتصادية :العمل اليوم والثمرة غداً.

 شروط أولية:

الإقتصاد لا يعمل وحده، ولابد أن تتوافر له مسبقاً شروط أولية، دونها لن تنجح أى سياسة إقتصادية مهما بلغت حكمتها أو عبقرتها. وأهم هذه الشروط إستقرار الأمن والشعور بالأمان من ناحية، ووضوح النظام السياسى وتوجهاته الأساسية وإستقراره بما يساعد على وضوح الرؤية فى المستقبل من ناحية أخرى.الإقتصاد لا يعمل فى فراغ، بل لابد وأن تتوافر له البيئة المناسبة، وخاصة فى ميدانى الإستقرار الأمنى والوضوح السياسى والقانونى.

بين الهام والعاجل:

 يواجه الإقتصاد المصرى مشاكل هيكلية تعوقه عن دخول العصر، كما يعرف مخاطر عاجلة تستنذفه وتتطلب علاجاً سريعاً لا يقاف النزيف. ولذلك فإن مواجهة الموقف تتطلب إستراتيجية ذات شقين متكاملين: رؤية مستقبلية طويلة الأجل من ناحية، وسياسة إنقاذ سريعة لإطفاء الحرائق من ناحية أخرى. فالإهتمام بالهام طويل الأجل لا يغنى عن ضرورة إنقاذ الوضع ومواجهة العاجل بكل سرعة.

رؤية مستقبلية:

 مع الإعتراف بضرورة مواجهة القضايا العاجلة، فلا بد وأن يتم ذلك فى إطار رؤية مستقبلية تضع مصر على طريق التقدم وحيث يمكن أن تحقق طفرة إقتصادية خلال ثلاثة أو أربعة عقود للوصول إلى مطاف الدول الصناعية الواعدة مع رفع معدلات للدخل الفردى إلى ما لا يقل عن عشرين ألف دولار (بأسعار اليوم). ويمكن أن تختلف هذه الرؤى بين كاتب وآخر، وفى نظرى فإن رؤية تقوم على العناصر الآتية قد تكون أساساً لمناقشة جادة. وأهم هذه العناصر:

  • سياسة سكانية: وذلك بالأخذ فى الإعتبار الجانبين الكمى والنوعى للسكان. فلا يمكن أن يتضاعف عدد السكان كل ثلاثين سنة وبهذه النوعية من التعليم والخدمات، إذا أردنا أن نحقق قفزة نوعية ودخول العصر. ولذلك فهناك حاجة لوضع سياسة مجتمعية لمستقبل السكان فى مصر.

  • إستراتيجية صناعية:مشكلة مصر الحقيقية هى إنخفاض إنتاجية العامل المصرى،ولن ترتفع هذه الإنتاجية إلا بالدخول فى عصر التكنولوجيا ومجاله الرئيسى هو الصناعة التحويلية. وهذا يتطلب على الإنفتاح على العالم الخارجى وعقد تحالفات صناعية مع مختلف الأسواق العالمية مع إختيار ذكى للدخول فى الصناعات الصاعدة وليست الصناعات الآفلة.ويتطلب ذلك تغيير هيكل الصادرات المصرية بمزيد من التركيز على الصادرات الصناعية. يجب أن تصبح مصر دولة صناعية وأن تصبح الصادرات الصناعية هى المكون الرئيسى للصادرات. وبطبيعة الأحوال، فإن هذه الإستراتيجية للتصنيع لا تتعارض مع الإهتمام بالسياحة أو رفع كفاءة الزراعة أو غيرها من الأنشطة.

  • نظرة جديدة للتعليم والتدريب: دخول العصر ليس تمنياً وإنما بالإعداد له من خلال نظام فعال للتعليم والتدريب العصرى المتفتح ودائم التطور. وهناك جانبان هامان ينبغى أن يسيرا فى طريقين متوازيين، الأول يتعلق بزيادة المهارات الفنية والتكنولوجية ومزيد من الثقة فى العلوم الطبيعية وطريقة التفكير العلمى المنظم وذلك فى البرامج التعليمية، والجانب الآخر أخلاقى بالإهتمام بالقيم العليا فى التعامل مثل الصدق والأمانة وتحمل المسئولية.

  • عدالة إجتماعية: لا يكفى أن تتحقق القدرة على زيادة الإنتاجية وإرتفاع معدلاتالنمو، وإنما لابد وأن يصاحبها شعور بالإنتماء والإنصاف وذلك بأن تتوزع ثمرات التقدم على الجميع بشكل يحقق الشعور بالعدالة مع رعاية خاصة للمهمشين مع إستيعابهم. والعدالة الإجتماعية ليست بديلاً عن إقتصاد السوق بقدرما هى إنضباط له.

  • إطار قومى عربى: لم يعد من السهل على دولة أن تختار إستراتيجية دون إطار إقليمى أكبر. والمنطقة العربية تمثل بالنسبة لمصر، كما للدول العربية، فرصة نادرة للإنطلاق. وهناك مصالح عربية متكاملة، فهناك دول بها فوائض مالية  هائلة وتنقصها اليد العاملة والفرص الإنتاجية، وأخرى تتعايش مع أوضاع عكسية تماماً. ومشكلة دول الفائض هو أنها تعتمد على ثروة ناضبة، والحماية الحقيقية لهذه الثروة المالية هو تحويلها إلى قوة إنتاج، وهو ما يمكن أن تقدمه دول العجز مثل مصر وسوريا والمغرب. ومن هنا ينبغى التفكير فى تنمية المنطقة العربية فى شكل متكامل وبما يجعلها فى مجموعها إحدى المناطق الإقتصادية العالمية الفاعلة.

إجراءات عاجلة:

لا يكفى وجود رؤية مستقبلية للأمد الطويل وبدء تنفيذ مراحلها الأولى، بل هناك أمور عاجلة لا تتحمل الإنتظار. ويواجه الإقتصاد المصرى مجموعة من الصعوبات الطارئة التى تهدد من الإستقرار المالى والنقدى ويخشى أن تنعكس على الوضع الإقتصادى والأمن الإجتماعى. وأهم هذه الصعوبات هى مشكلة العجز فى الموازنة ونقص السيولة وخاصة من العملات الأجنبية، فضلاً عن ضرورة إعطاء المؤشرات الضرورية للمستثمرين من الداخل والخارج بعودة الإستقرار و الإطمئنان على التوجهات الإقتصادية فى المستقبل وضمان إحترام دولة القانون. كذلك فإن قضية الدعم (خاصة دعم المواد البترولية) قد تفاقمت، ولابد وأن تواجه بجدية من خلال برنامج زمنى معقول. ويجب مواجهة هذه القضية بكل شجاعة وشفافية.

توجهات إقتصادية مطلوبة:

 ليست مصر أول دولة غير أوروبية تريد اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة، فقد سبقتها نماذج ناجحة أخرى (اليابان، النمور الآسيوية، الصين، وإلى حد ما الهند) وأخرى أقل نجاحاً (الإتحاد السوفيتى رغم ثرواته الطبيعية). وقد قامت تجربة النجاح فى هذه الدول على عدة عناصر، أهمها:

  • الإنفتاح على العالم الخارجى لوضع أساس لقاعدة صناعية ذات توجه عالمى للتصدير.فإذا كان من الضرورى أن تصبح مصر دولة صناعية حديثة، فلا يمكن أن يتحقق ذلك دون إنفتاح على العالم الخارجى.

وسوف تحتاج مصر، غالباً، للعالم الخارجى ولعدة عقود قادمة لسببين رئيسين: الأول، الحاجة إلى رؤوس أموال خارجية ـ عربية أو غير عربية ـ نظراً لأن معدل الإدخار المحلى فى مصر يتراوح بين 15-17 فى المائة، وهى تحتاج إلى معدل للإستثمار لا يقل عن 30% سنوياً لمدة عقدين أو ثلاثة وذلك للحاق بالمجتمعات الصناعية. وأما السبب الثانى للإنفتاح الخارجى فهو ضرورة الإفادة من التكنولوجيا العالمية والمشاركة فيها.

  • وجود دولة قوية كانت كل النماذج المتقدمة معتمدة على دولة ذات وجود قوى وكفء فى كافة المجالات.والمقصود بذلك وجود دولة قادرة على تحقيق الأمن والإستقرار وأن توفر عناصر البنية الأساسية الضرورية للإنتاج مع رقابة صارمة، وأن تكون دولة قانون تحمى الحريات مع قضاء مستقل، وأن تتوافر فيها الشفافية والمساءلة.

  •  الأخذ بإقتصاد السوق، والذى ينبغى أن يعمل فى إطار دولة قوية تحظى بالدعم الشعبى. والمقصود بالسوق هنا تلك السوق التى تحقق الكفاءة فى الإنتاج من خلال المنافسة والبعد عن الممارسات الإحتكارية والتى تتسم بالأمانة والخضوع لإشراف الدولة مع إحترام القانون.

 وكان الإتحاد السوفيتى قد أخذ برؤية جزئية لهذه الإستراتيجية حيث أسس لدولة قوية مع إستراتيجية جادة للتصنيع، وإنما مع الإنغلاق ونبذ إقتصاد السوق، فبنى إمبراطورية عسكرية وأيدولوجية، ما لبث أن سقطت تحت ضغوط داخلية وخارجية، نتيجة لنقص الكفاءة الإقتصادية وتفشى الفساد الإدارى.

ثقة المواطنين:

وأخيرا،ً فإن كل هذا ربما يكون هاماً وضرورياً، ولكنه لن يؤتى شيئاً مالم تتمتع الحكومة بثقة المواطنين ودعمهم وإستعدادهم لدفع فاتورة البناء والتقدم. ويتطلب هذا مواجهة سريعة وحاسمة لمظاهر الفساد وتبديد الموارد كذلك، فإنه نظراً لشدة معاناة المصريين وتعدد مظاهر الإحباط وخيبات الأمل لفترات طويلة، فإنهم فى حاجة إلى رؤية نجاحات وإنجازات سريعة على الأرض لإستعادة الثقة فى النفس وفى المستقبل. ولذلك فإن الدولة الجديدة مطالبة بتحقيق “قصص نجاح” واضحة وملموسة، مثل البدء فى مواجهة مشكلة النظافة وتراكم الزبالة أو ضبط المرور وتنظيمه. فالمشوار الإقتصادى طويل ومرهق ولابد أن تصاحبه جرعة كبيرة من الأمل والثقة. وهذا لا يتحقق إلا مع قصص نجاح سريعة وملموسة وظاهرة.

وتظل المهمة بالغة الصعوبة، وتحتاج إلى جانب العمل المضنى ثقة الشارع والتوفيق من الله. والله أعلم.

الأهرام 4 يناير 2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *