موسم الهجوم على البرادعي

عاد الدكتور محمد البرادعي إلى مصر بعد أن أنهى عمله في المنظمة الدولية حيث حقق نجاحاً كبيراً استحق عليه تقدير العالم بمنحه “جائزة نوبل للسلام”. وصادف أن جاءت عودته هذه في لحظة حرجة سياسياً في ظل جو من القلق والاحتقان الاجتماعي والسياسي. فبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من حكم الرئيس مبارك بدأت النفوس تتململ وتتطلع إلى “التغيير”، وإلى مزيد من الحريات السياسية وتداول السلطة واستقرار مفهوم دولة القانون، وبعبارة موجزة التطلع إلى مزيد من الديمقراطية. ولا يرجع هذا الشعور بالملل فقط إلى الركود الذي أصاب الحياة السياسية مع نفس الوجوه ونفس السياسات، وإنما أيضاً نتيجة لتراكم المشاكل وتفاقمها، وبوجه خاص تفشي مظاهر الفساد وشيوعه على كافة المستويات. وهكذا تراجعت مصداقية النظام الحاكم إلى الحضيض، ولم تعد وعود الحكومة تلقى آذاناً صاغية. فالثقة في الأوضاع القائمة قد تبخرت تماماً أو كادت، ولم يعد مطلوباً سوى التغيير: تغيير في أسلوب الحكم وتغيير في الأشخاص.

وجاء الدكتور البرادعي في هذه اللحظة مطالباً هو الآخر “بالتغيير”، وبذلك عبر عن شعور جماعي شائع لدى الجماهير بعد أن فقدت الغالبية الثقة في جدوى استمرار الأوضاع الحالية. وعندما نقول أن هناك حاجة شعبية إلى “التغيير”، فإن الأمر لايقتصر على عدم الرضاء عن الأداء الحكومي وحده، وإنما عن الحياة السياسية في مجملها، يستوي في ذلك أداء الحكومة أو المعارضة ومختلف التيارات السياسية القائمة. فإذا كان أداء الحكومة ركيكاً ومحل سخط عام حيث تنقصه الكفاءة ويشوبه الكثير من الفساد، فإن أداء المعارضة لم يكن أفضل حالاً. فالمعارضة منقسمة على نفسها، ومعظم التنظيمات الحزبية في صراع داخلي، وهي تستعين في أغلب الأحيان بتعاونها مع أجهزة الأمن والسلطة للاستقواء بها على بعضها البعض أو مقابل ما تحصل عليه من مزايا ببعض الوعود لعدد محدود من المقاعد في المجالس التشريعية أو بمزايا أخرى متنوعة. وربما يرجع هذا النمط الغالب للوضع السياسي القائم إلى طبيعة النشأة الغريبة للأحزاب في مصر. فقد ولدت الحياة الحزبية الحديثة منذ عهد السادات في حضن الدولة التي أنشأت “المنابر” بقرار حكومي، ثم تحولت هذه “المنابر” إلى “أحزاب” بإرادة حكومية وبولادة اصطناعية. وإذا كان حزب الوفد لم يولد بقرار حكومي فإنه لم يلبث بعد عودته إلى الساحة، أن غلب الاعتبارات التكتيكية والانتخابية على حساب دوره التاريخي في المطالبة بدستور ديمقراطي. وهكذا تحالف حزب الوفد في بداية عهده مع الإخوان المسلمين مما صدم الكثيرين من أنصاره الليبراليين الذين يرفضون مفهوم الدولة الدينية. كذلك تفرغ الحزب بعد ذلك إلى معاداة ثورة 23 يوليو ومحاولة الثأر منها بأكثر مما ركز على الدعوة للحياة الدستورية السليمة. وبالمقابل بدأ حزب التجمع عهده مع الرئيس مبارك بالخروج على الإجماع الحزبي ـ آنذاك ـ بمقاطعة الانتخابات التشريعية ما لم يتحقق لها ضمانات النزاهة والاستقلال، مما وفر لعهد مبارك ـ الجديد ـ دعماً حزبياً، كان في أمس الحاجة إليه، وذلك بإعطاء مظهراً تعددياً للانتخابات. وبعد ذلك تفرغ حزب التجمع لمناهضة الإخوان المسلمين، وتناسى أن المشكلة الرئيسية للمعارضة هي مع الحزب الحاكم بأكثر مما هي مع الأحزاب الأخرى. وأما بقية الأحزاب فقد تفرغت كذلك للصراعات الداخلية بين أجنحة متصارعة تغذيها أجهزة الأمن والأطماع الشخصية. فانقسم حزب العمل على نفسه بعد أن تحالف مع الإخوان المسلمين، وهذا هو نفس ما حدث مع حزب الأحرار والحزب الناصري، اللذين عرفا انقسامات متعددة. ثم ولد حزب الغد لينقسم بدوره على نفسه، بل حتى حزب الوفد فإنه واجه عند نهاية فترة الدكتور نعمان جمعة خلافات ومشاجرات ونزاعات قضائية. وهكذا تميزت الحياة الحزبية الجديدة بصراعات داخلية على الزعامة. والحكومة تراقب وتستمتع بهذا المشهد، وتتدخل ـ غالباً من وراء الكواليس ـ لتشجيع فريق على آخر. وفي هذه الفترة نبتت أعداد غير قليلة من أحزاب جديدة من شخصيات غير معروفة يقال أن عددها جاوز الخمسة عشرة وربما أكثر أو أقل. وجاء الإعلان عن حزب الجبهة الديمقراطية لينعش بعض الآمال بدعوته إلى الديمقراطية الليبرالية، ولكنه انخرط كذلك في خلافات داخلية فانقسم هو الآخر وانصرف عنه البعض. ويظل وضع الإخوان المسلمين ملتبساً. فهي جماعة تقوم على الدعوة الإسلامية، ولكنها لاتعلن أنها حزب سياسي يسعى إلى الحكم، كما تنكر أنها تدعو إلى حكومة دينية، ولكنها تقوم بالعمل السياسي ويتقدم مرشحوها لكافة الانتخابات، وهي أخيراً جزء من شبكة دولية، وبذلك تظل اللغز الأكبر في المعادلة السياسية الوطنية. وتتعامل الحكومة مع الجماعة أحياناً باعتبارها حزباً سياسياً له ممثلوه في البرلمان، وأحياناً أخرى باعتبارها جماعة محظورة يتعرض أفرادها للاعتقال التحكمي كما تستخدمها باعتبارها فزاعة تخيف بها قطاعات واسعة في الداخل أو الخارج تخشى من الحكم الديني. وعندما أراد بعض أنصار الجماعة تكوين حزب سياسي باسم “حزب الوسط” يقبل بقواعد اللعبة السياسية المدنية، قاومته الجماعة كما الحكومة. وهكذا يتضح أن خلل الحياة السياسية في مصر لايقتصر على الحزب الحاكم وإنما يتناول عموم الحالة السياسية حكومة ومعارضة.

ومن هنا جاءت عودة البرادعي إلى مصر مربكة للجميع. فهو يعترض على مجمل الحياة السياسية ويطالب بالتغيير الكامل ودستور جديد، مقرراً أن المشكلة ليست فقط في الحزب الحاكم وإنما في الإطار السياسي الشامل وفي المقدمة منه الدستور. وهي دعوة لم يكن من السهل تقبلها لامن جانب الحكومة أو المعارضة، ولكن لايمكن، بالمقابل، تجاهلها. فالدكتور البرادعي رجل محترم، وله ماضي مشرف احتفت به مصر حكومةً ومعارضةً عندما حظي بجائزة نوبل، واعتبر ذلك فخراً لمصر كلها، فكيف يمكن رفضه الآن؟ وهو يطالب “بالتغيير” الشامل للحياة السياسية بوضع دستور ديمقراطي يضمن تداول السلطة ويحول دون تركزها في سلطة أو شخص، ويطالب باحترام دولة القانون واستقلال القضاء وشفافية الميزانية وإلغاء الأحكام والقوانين الاستثنائية. وهذا هو بالضبط ما تشعر به أعداد غفيرة من جمهور المصريين الذين فقدوا الثقة في النظام السياسي القائم برمته حكومة ومعارضة. ومن هنا خلق البرادعي حالة من الفزع لدى كل من الحكومة والمعارضة.

أما رفض حزب الحكومة له فأمر مفهوم. فالبرادعي يدعو إلى إلغاء الأوضاع التي تؤدي إلى استمرار الحكم لحزب يحكم في ظل قوانين الطوارئ، عن طريق انتخابات لاتتمتع بأية درجة من الشفافية، ومع قوانين تمكّن السلطة التنفيذية من التهرب من المساءلة. وأما أحزاب المعارضة فإنها ترى في دعوة البرادعي سحب للبساط من تحت قدميها، فهي وإن كانت ترفع أيضاً شعارات للتغيير وتصدر صحفاً للمعارضة، فإنها في حقيقة الأمر شريك ـ صغير ـ في الحكم، ولها دور مطلوب في إضفاء صفة الشرعية والتعددية على نظام هو في حقيقته نظام للحكم الفردي. فالمعارضة المصرية جزء تكميلي وتجميلي للديكور السياسي، ولها مصالح صغيرة في استمرار الأحوال.

ولكل ذلك لم يكن من الغريب أن يبدي الجميع تذمره من ظاهرة البرادعي. فالبرادعي يكشف عوار نظام الحكم ولكنه يعري في نفس الوقت المعارضة بتواطئها الضمني مع الحكومة. وهكذا بدأ الهجوم ـ بقدر من الحياء ـ على البرادعي من كتاب الحكومة، ثم بأشكال متعددة من أقلام المعارضة أيضاً. فصحيح أن الجميع يقر بأن الدكتور البرادعي رجل محترم، ولكن الضربات ـ تحت الحزام ـ بدأت تتوالى. والحكومة لن تلجأ إلى استخدام اليد الغليظة أو الأساليب العنيفة. فلا اعتقال أو حظر على السفر أو اتهام بالعمالة. ولكن الحكومة تملك وسائل المضايقة والاستشكال القانوني، فالتصاريح لن تصدر والموافقات سوف تتأخر، والأنصار سوف يطاردون ويضايقون، والصحافة الحكومية سوف تتندر، والأسئلة الملغومة سوف تتعدد. فما هو برنامجك السياسي؟ ماذا ستفعل في قضية الدعم؟ ما هي سياستك لتشجيع الاستثمار؟ وأين كنت خلال العشرين سنة الماضية؟ لاشك أنك تفهم القضايا الدولية، ولكن هل تعرف خبايا السياسة الداخلية؟ لماذا تسافر إلى الخارج وتترك الساحة؟ وتتعدد الأسئلة. وسوف تزيد في المستقبل. المطلوب هو أن يزهق البرادعي وأن يفقد أنصاره الأمل في “التغيير”. فإستراتيجية الحكومة تعتمد على طول النفس، وإن إرادة البرادعي سوف تتآكل تدريجياً بفعل الزمن، والمطلوب هو الصمود والتصميم.

مشكلة البرادعي أنه يمثل إحراجاً للحكومة بقدر ما هو إحراج للمعارضة، فالبرادعي لن يرضى أيا منهما، ولكن البرادعي ينطق بما تريده أغلبية واسعة من الشعب. الشعب يريد التغيير. يريد دستوراً ديمقراطياً. يريد إلغاء للأحكام الاستثنائية. يريد انتخابات نزيهة بدون تزوير. يريد توزيعاً للسلطات وعدم تركيزها. يريد تداولاً للسلطة. يريد إعلاناً للذمة المالية للمسئولين. يريد استقلالاً للقضاء. والقائمة طويلة. بعبارة موجزة، المشكلة ليست في اللاعبين وإنما في “قواعد اللعبة”. وقواعد اللعبة القائمة لاتفرز غير ما نراه على الساحة.

لقد أعاد البرادعي المشكلة السياسية إلى وضعها الطبيعي، المشكلة هي أن النظام السياسي القائم لايوفر الظروف الكافية لحياة ديمقراطية سليمة، وتغيير أو تعديل الدستور هو نقطة البدء. المشكلة ليست برامج سياسية أو اقتصادية متعددة لمختلف الأحزاب، بقدر ما هي قصور في قواعد اللعبة السياسية. وقواعد اللعبة يحددها الدستور. ومن هنا نبدأ. والله أعلم.

المصري اليوم: 14 يوليو 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *