نعمة النسيان

نعمتان أنعم الله بهما على الإنسان؛ الذاكرة والنسيان. أما الذاكرة فهي العنصر الرئيسي لتحقيق هوية الإنسان. فإذا كان الإنسان كجسد يتكون من خلايا، فإن هذه الخلايا تموت وتتجدد بشكل مستمر (ربما باستثناء خلايا المخ)، بحيث أنك من الناحية البيولوجية، إنسان مختلف كل يوم. ففي خلال كل فترة ـ ربما لا تتجاوز ثلاث سنوات ـ تتغير معظم خلايا الجسد، وبالتالي فأنت شخص جديد. والشيء الوحيد الذي يحفظ للإنسان هويته واستمراره هو الذاكرة. فالذاكرة هي الصلة الوحيدة الباقية والمستمرة بين يوم الإنسان وأمسه، ودون ذلك يصبح الكائن كل يوم شيئاً جديداً ومختلفاً لاصلة له بين ماضٍ ومستقبل، بل أن فكرة المستقبل كلها تتلاشى. فالحياة تصبح لحظات متقطعة.

كذلك فإن الذاكرة هي أيضاً أساس التعلم. والتعلم هو طريق الرقي والتقدم. فالإنسان يتعلم من تجربته وتجربة الآخرين. ودون رابطة بين الأحداث، وبالتالي دون ذاكرة، فلا تعلم ولا خبرة. وإذا لم تكن الذاكرة وقفاً على الإنسان، حيث أن بعض الكائنات الأخرى تتمتع بدرجات مختلفة من الذاكرة، فيظل الإنسان هو أكثر الكائنات تمتعاً بالذاكرة. وقد طور الإنسان هذه الذاكرة وعمقها بتوسيع مداها بحيث لا تقتصر على تجاربه الشخصية بل تمتد إلى تجارب الجماعة التي ينتمي إليها. فالإنسان ليس فقط حصيلة تجاربه الشخصية، ولكنه أيضاً عضو في جماعة يعرف تاريخها وقصصها من الآباء والأجداد. وبذلك جاء الانتماء بقدر ما لدى الفرد من ذاكرة جماعية، تقص عليه تاريخ الأجيال السابقة. وقد ساعد هذا الانتماء الجماعي على توثيق العلاقات بين الأفراد وتضامنهم وتعاضدهم. وأصبح هذا الانتماء الاجتماعي عنصراً رئيسياً في تحديد هوية الإنسان. فالإنسان استمرار وخبرة وانتماء.

ومع ظهور الكتابة لم تعد الذاكرة الشفهية وحدها كافية لحمل تجارب الإنسان السابقة، بل أنه سجل هذه التجارب في وثائق مكتوبة، وجعلها بذلك عصية على النسيان. فمع اكتشاف الكتابة امتدت الذاكرة البشرية في الزمان والمكان، فأنت تعرف من خلال الوثائق المكتوبة تاريخ البشرية بل تاريخ الكون منذ أزمنة سحيقة.

ولكن الذاكرة ليست مجرد سجل لأحداث مضت، وإنما هي الخطوة الأولى والأساسية في الذكاء والتفكير المنطقي، ومن ثم هي أساس العقل. فالذاكرة ليست مجرد أرشيف للأحداث والوقائع، وإنما هي بنيان معقد ترتبط فيها الأمور بعلاقات منطقية من السببية فضلاً عن ترتيب زمني للأحداث والوقائع وعلاقات تداعي بين الأحداث المتشابهة، الأمر الذي يكوّن العنصر الرئيسي للتفكير، وبالتالي العقل. فإنسان بلا ذاكرة هو كائن بلا عقل.

وبطبيعة الأحوال فإن علماء النفس وعلوم البيولوجيا والجينات أقدر على تقديم صورة أكثر وضوحاً لأهمية الذاكرة في حياة البشر، والتي جعلت من البشر درجة أرقى في مملكة الحيوان.

 ولكن نعمة الذاكرة وحدها قد تصبح مرهقة ينوء بحملها الإنسان ، ولذلك فقد أنعم الله على البشر بنعمة مكملة أخرى وهي النسيان. فأنت لست في حاجة إلى تذكر كل تفاصيل حياتك من يوم مولدك، فأغلبها تفاصيل تافهة ومكررة ولا معنى لها. ونظراً لأن قدرة ذاكرة الإنسان وطاقتها محدودة فإنه من الملائم استخدام هذه الطاقة بكفاءة فيما هو أكثر أهمية.ولذلك فمن الأفضل ألا تحتفظ فيها بكافة التفاصيل، بل ومن المصلحة أن تتخلص من جانب منها دون خسارة كبيرة.

كذلك فإن النسيان لا يقتصر فقط على الأمور الأقل أهمية بل أنه يتعلق أحياناً بأمور أخرى بالغة الأهمية ولكنها مؤلمة، ولذلك فإن النسيان يعتبر علاجاً صحياً لتخفيف الآلام على الفرد. فأنت تفقد عزيزاً، الأب أو الأم أو الأخ، وهي ذكرى غالية ولكنها مؤلمة. ومن هنا يأتي النسيان كعلاج للفرد وبما يمكنه من الاستمرار في حياته العادية بدرجة أقل من الألم. وهكذا فإن النسيان يعتبر نعمة كبرى لاستمرار الحياة وتقدمها دون منغصات شديدة.

ومن هنا، فالذاكرة بطبيعتها انتقائية فيما تحتفظ به وما تتخلى عنه. ويذهب علماء النفس ـ متابعة لفرويد ـ إلى أن النسيان درجات، فهناك ما يسقط كلياً من الحساب، ولكن هناك ما يتم الاحتفاظ به في اللاوعي بدرجاته المتنوعة.

وإذا كانت الذاكرة والنسيان من نعم الله الكبرى، فلا يقل أهمية أن يقوم نوع من التوازن بينهما. فإذا كانت الذاكرة قوية وطاغية بما لا يدع مجالاً للنسيان، فإن حياة الإنسان تصبح مرهقة وقاسية، بل وقد يصعب عليه اتخاذ القرارات، عندما يسترجع في كل لحظة وعند كل قرار كل تاريخه وأحداثه بما يضعه أمام آلاف الاحتمالات المتناقضة. وعلى العكس فإذا غلب النسيان على الذاكرة بحيث لا يكاد الفرد أن يتذكر شيئاً من خبرته السابقة، فإنه يفقده عقله وهويته وبالتالي قدرته على تمحيص الأمور واستخلاص النتائج لاتخاذ القرارات. ولذلك فمن المطلوب أن يتحقق لدى كل فرد قدر من التوازن بين الذاكرة والنسيان. فبدون ذاكرة كافية قد يختفي العقل، ولكن دون نسيان قد يرهق العقل وينسحق تحت عبء الذكريات المتزاحمة. فعلاقة التوازن بين الذاكرة والنسيان أشبه بالمشكلة الاقتصادية في حسن استخدام الموارد، وذلك بتوظيف طاقات المخ وخلاياه المحدودة للتذكر دون إغراقها بالتفاصيل فيما لاطاقة لها بها أو فائدة منها من ناحية، ولكن أيضاً دون تركها معطلة وغير مستخدمة من ناحية أخرى. فالنسيان صمّام أمان للذاكرة يسمح بالاستخدام الأمثل لها دون إفراط أو تفريط.

ولكن لماذا كل هذا الحديث؟ فأنا لست متخصصاً في هذه القضايا، وليس لدي ما أقدمه للقارئ بما يخرج عن المعلومات العامة المتاحة للجميع. فما هي مناسبة هذا الحديث الذي يأتي خارج السياق؟

المناسبة هي أنني كنت أشاهد أحد برامج التلفزيون، ورأيت أخبار مرض أنفلونزا الخنازير الذي ظهر أخيراً في أمريكا والمكسيك. وهنا تذكرت أننا كنا منذ عدة سنوات نتحدث في مصر عن أنفلونزا الطيور، وجاءت كافة تصريحات المسئولين آنذاك مؤكدة أن مصر خالية من أنفلونزا الطيور. ثم بدأنا نسمع بعد ذلك عن بعض الحالات المتفرقة في مصر. وأخيراً ومنذ فترة قصيرة أعلن أن أنفلونزا الطيور قد أصبحت مرضاً متوطناً في مصر، بل وربما هي البلد الوحيد الذي توطنت فيه هذه الموجة الوبائية. فهل هذا صحيح؟ وكيف يستقيم الأمر بأن يصبح هذا المرض متوطناً في مصر رغم كل التصريحات السابقة؟ فأين الخطأ؟ ومن المسئول؟ هل فقدنا ذاكرتنا؟ واليوم أفتح الجريدة وإذا بالخبر المنشور في الصفحة الأولى هو خروج الجامعات المصرية من “ذيل” الترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة. وكانت مصر قد دعت أحمد زويل بعد حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء للمعاونة في تقدم البحث العلمي في الجامعات المصرية. ونشرت الصحف المقابلات والتصريحات عن مستقبل البحث العلمي. وهاهي النتيجة، تراجع لمكانة الجامعات المصرية.

أليس من الغريب مرور مثل هذه الأخبار مرور الكرام أمام أعيننا، وكأنها مجرد حوادث مرور أخرى. فلا مساءلة ولا مسئولية. لماذا وكيف يحدث ذلك؟ لأننا ببساطة ننسى أو نتناسى. يبدو أن جرعة النسيان موجودة عند الشعب المصري بدرجة زائدة عن الحد. فلم يعد أحد من المسئولين يعبأ بما يقوله اليوم، لأن الشعب المصري، وقد ابتلاه الله بتخمة في النسيان، سوف ينسى غداً. وليس هذا هو المثال الوحيد. انظر مثلاً إلى مشكلة السكان في مصر وحيث عقد المؤتمر الدولي للسكان بها منذ حوالي خمسة عشر سنة، وبدا معها أن الدولة مهتمة بتنظيم الأسرة، وأنشئت وزارة للسكان ومبنى جميل على الكورنيش لهذا الغرض، بل ونصبت الحكومة “ساعة سكانية” حتى لاننسى. ولكننا نسينا واقترب عدد السكان من الثمانين مليوناً، وضاعت قضية السكان ـ فيما يبدو ـ في طي النسيان.

وتستطيع أن تعدد القضايا التي تبرز فجأة حيث تعقد المؤتمرات وتكثر الأحاديث عن مشروعات وردية قادمة وبنود في الميزانية، لتختفي بعد ذلك من جديد وتسقط بدورها ويطويها النسيان. وتتعدد الهوجات بين إعلان ونسيان. فهناك هوجة الاهتمام بالتعليم والمعلم، وهناك هوجة ضبط المرور ونظافة الشوارع، ثم هوجة الحكم المحلي، وهوجة منع تجريف الأراضي الزراعية، وهناك وهناك، فالقائمة طويلة. وكلها صرعات كصرعات الموضة تبرز لحظة لتختفي بعدها وتحل محلها صرعة أخرى. ولست أدري في أي صرعة نعيش الآن، فقد نسيت أنا الآخر. فالنسيان نعمة.

يحمل الشعب المصري على كتفيه واحداً من أقدم الحضارات وتاريخاً طويلاً ومتنوعاً، ومن ثم فله ذاكرة جماعية عريقة وقديمة وطويلة. ولكن هذا الشعب، فيما يبدو، ومن خلال تجارب طويلة ومريرة، اكتشف ـ بحكمته ـ مع كثرة ما أصابه من إحباطات وخيبات أمل، أنه في حاجة إلى النسيان، فالنسيان عند الشعب المصري ليس نعمة لزيادة كفاءة استخدام الذاكرة فيما هو أكثر أهمية، بقدر ما هو علاج إزاء قلة الإنجازات وندرتها. فلماذا وجع الدماغ إذاً؟ النسيان أو التناسي ليس فقداناً مؤقتاً للذاكرة وإنما هو هروب مقصود من الواقع. فمتى يشفى الشعب ويستعيد ذاكرته وينشطها لمحاسبة المقصرين؟ الله أعلم.

الأهرام: 10/05/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *