هل انتهى عصر الحروب التقليدية؟

لاشك أن نظرية داروين عن “النشوء والتطور”، وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، قد أدخلت مفهوم “التطور” في نظرتنا للأمور. فالمجتمعات البشرية لا تبقى على حالها بل هي تتطور بالانتقال من طور إلى طور جديد. وينبئنا التاريخ أن المجتمعات قد تطورت من خلال مراحل متعددة قبل أن تصل أخيراً إلى مرحلة المجتمعات الصناعية المعاصرة. ولكن التطور لا يقتصر على المجتمعات البشرية، فاللغة، كذلك، تتطور بدخول مرادفات جديدة وسقوط ألفاظ وتعابير بالية. وبالمثل، تتطور الصناعة أيضاً، فما نراه من منتجات صناعية اليوم يختلف كلياً عن الإنتاج الصناعي في بداية القرن التاسع عشر مثلاً. والنظم الاقتصادية تتطور هي الأخرى، وقل مثل ذلك عن النظم السياسية المحلية بل والنظام الدولي السائد.

كل شيء يخضع إذن للتطور. وقد أصبح هذا المفهوم (التطور) هو أحد أدواتنا الفكرية، نستخدمه في مختلف المجالات بتلقائية واقتناع كبير. وهو أحد نتائج نظرية داروين. ولكن كيف يحدث التطور؟ هناك مدرستان، الأولى هي التطور التدريجي البطيء وغير المحسوس، حيث نتغير كل يوم بدرجات صغيرة incremental، حتى نكتشف بعد فترة أننا إزاء ظاهرة جديدة تماماً. فانظر إلى ابنك الصغير، فما تراه منه اليوم لا يكاد يختلف عما كان عليه بالأمس. وفجأة تكتشف أنه أصبح غلاماً ثم شاباً بل رجلاً ناضجاً ورب أسرة، وكان بالأمس غير البعيد رضيعاً لا حول له ولا طول. كيف حدث ذلك؟ إنه التطور البطيء والتدريجي. وهو سنة الحياة. ولكن داروين أشار إلى نوع آخر من التطور ليس عبر التغييرات الصغيرة والمتتالية، وإنما عبر الطفرات mutations. وقد رأى داروين أن هذه الطفرات هي الأكثر أهمية في تفسير تطور الكائنات الحية.

وأيا ما كان الأمر، حول أسلوب التطور (تدريجي أو بالطفرات) فقد كان السائد هو أن “العلم” نفسه كظاهرة اجتماعية يخضع بدوره للتطور التدريجي المستمر. فهو ينتقل من المعرفة البسيطة إلى المعرفة المركبة بناء على مكتسبات الماضي. فنظريات نيوتن في الطبيعة لم تسقط عليه فجأة من السماء، وإنما هي بناء شيد على أكتاف من سبقه سواء في ضوء ما جاء به جاليليو أو ما قدره كبلر عن مسار دورة الأرض حول الشمس، وهما معاً قد اعتمدا بدورهما على ما سبق أن أكده كوبرنكس عن عدم مركزية الأرض في دورتها حول الشمس. وحتى هذا لم يكن ممكناً التحقق من صحته لولا اكتشاف نابير لمفهوم اللوغارتمات الأمر الذي سمح بقياس المسافات بين الأجرام. وهكذا يتقدم العلم في شكل تطور تدريجي بناءً على ما حققه الأولون واستكمالاً له.

وقد كانت هذه هي النظرية الغالبة عن تطور العلوم حتى جاء فيلسوف العلوم توماس كون
Kuhn وأصدر عام 1964 كتاباً عن فلسفة العلوم، مؤكداً أن التقدم العلمي يحدث بشكل “طفرات”، وليس بشكل تدريجي تماماً كما ذكر داروين. وأدخل كون بذلك مفهوماً جديداً وهو المنظومة أو النمط Paradigm ، بمعنى أنه يسود في كل عصر نوع من “النمط الفكري” الغالب بين العلماء. ويستمر البحث العلمي في إطار هذا النمط الفكري والذي يكاد يشبه “العقيدة العلمية”. ومع ذلك فقد تظهر بعض الأفكار المنفردة الخارجة عن السياق العام إلى أن تتراكم الملاحظات المناقضة للنمط السائد وتكثر الاعتراضات عليه مما يؤدي إلى ظهور نمط فكري جديد  New Paradigm أشبه بالطفرة ينقلنا إلى آفاق جديدة. فالعلم وفقاً لهذه النظرية يتطور تدريجياً في إطار عقيدة علمية قائمة، ثم ينتقل بالطفرة إلى عقيدة جديدة أو نمط فكري مختلف. فإذا كانت نظريات نيوتن استمراراً وتكمله لأعمال علماء الفيزياء السابقين، فإن نظرية النسبية لآنشتين أو نظرية الكم للدنماركي بور أو الألماني هيزنبرج، تمثل أنماطاً فكرية مختلفة عن تفكير ومنطق نيوتن وأصحابه.

ومنذ ظهور كتاب توماس كون عن فلسفة العلوم وقد أصبحت فكرة “النمط” أو المنظومة هي الغالبة عند معظم المفكرين في تفسير تطور النظريات العلمية. ويبدو أن منظري الاستراتيجيات العسكرية يأخذون بشيء من هذا المنطق في تفسيرهم لتطور نظريات الحرب. فالفكر العسكري يتطور هو الآخر، في إطار منظومة فكرية قائمة إلى أن تحدث طفرة وننتقل إلى منظومة فكرية مختلفة. وفي كتاب حديث بعنوان “فائدة القوة” The Utility of Force، يذكر أحد الجنرالات الإنجليز روبرت سميث، أن عصر “الحروب التقليدية” قد انتهى، وأننا نعيش الآن “عصر الحروب وسط الناس”. وهو “نمط” جديد للحروب ومختلف تماماً عن نمط “الحروب التقليدية” والذي استقر في العلوم العسكرية.

ربما تكون الحرب أو العدوان بشكل عام هو أحد أقدم مظاهر العلاقات البشرية منذ الأزل. على أننا عندما نتحدث اليوم عن “الحرب التقليدية” فإننا نتحدث عن مفهوم للحروب الحديثة والذي ولد مع الثورة الفرنسية. وقد اكتسبت هذه الحرب الحديثة خصائصها نتيجة لتضافر ظاهرتين حديثتين إلى حد ما وهما: الدولة والصناعة. فالحروب الحديثة هي حروب بين “الدول” من ناحية، ولكنها أيضاً حروب بين “الدول الصناعية” من ناحية أخرى. وقد تحددت معالم هذه “الحروب التقليدية” خلال القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وكان نابليون هو القائد العسكري الملهم الذي أدرك متطلبات هذه الحروب، وجاء الألماني كلاوزفتز منظراً لفلسفة هذه الحروب الحديثة في مؤلفه “عن الحرب”.  وأهم عناصر نجاح الحرب الحديثة عند كلاوزفتز هي التعاضد بين ثلاثة مكونات أساسية هي: الدولة والجيش والشعب. فلا يكفي للدولة أن تتوافر لها هياكلها السياسية والإدارية وإنما لابد أن يتوافر لها بالدرجة الأولى قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة. وأما الجيش فهو يتطلب إلى جانب الانضباط والخبرة، ضرورة توافر المعنويات العالية والروح الوطنية. وأخيراً، فإنه لا يمكن تحقيق النصر دون دعم الشعب وثقته في عدالة القضية ووقوفه وراء الدولة والجيش.

وتقوم الفكرة الأساسية للكتاب على القول بأنه بانتهاء الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد نهاية الحرب البادرة، فإن العالم يعيش نمطاً جديداً ومختلفاً عما كانت تتطلبه “الحروب التقليدية” بين الدول الصناعية. فنحن نعيش الآن عصر “الحروب وسط الناس”، وبالتالي فإن أسباب الانتصار المعروفة في ظل نمط “الحروب التقليدية” لم تعد كافية في الظروف المستجدة “للحروب وسط الناس”. ومن هنا أسباب فشل أغلب الدول الصناعية المتقدمة في عملياتها العسكرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين رغم ما توافر لها من كل مقومات النصر المطلوب وفقاً لمنطق “الحروب التقليدية”. ويشير الكاتب أنه ربما كانت آخر المعارك التقليدية للجيوش المتحاربة بالمدافع والدبابات هي ما جرى على صحراء سيناء في 1973 بين مصر وإسرائيل. والكاتب لا يدعو إلى استبعاد القوة العسكرية، وإنما يحرص فقط على التأكيد على أن محاولة الانتصار العسكري بأساليب “الحروب التقليدية” وحدها لم تعد مجدية. فنحن إزاء أوضاع مختلفة تتطلب معالجات مختلفة ليس باستبعاد العمل العسكري كليه، وإنما باستخدامه في إطار منظومة مختلفة عن منظومة المواجهة بين الجيوش التقليدية. ولعلنا نلحظ في هذا السياق إشارة أوباما في خطاب تنصيبه للرئاسة إلى أن للقوة العسكرية “حدوداً”، كما أنه لا تستطيع دولة “وحدها” أن تحقق كل أهدافها. فهل يعني ذلك أن أوباما قد أدرك أن عصر “الحروب التقليدية” قد ولى؟ ربما.

فحتى نهاية الحربين العالميتين، كانت المواجهة بين الجيوش تتم في ميادين القتال، وما يحدث في المدن والمناطق السكنية لم يكن أكثر من مجرد ملحق بالعمليات العسكرية ومكملاً لها. أما الآن فإن المواجهات العسكرية الحالية تدور أساساً وسط السكان المدنيين وغالباً في مواجهة جماعات أو ميليشيات أو أحزاب سياسية أو حتى عصابات، وقلما تقوم بين دول لها جيوش نظامية. وعلى حين كانت المعارك العسكرية التقليدية تدور بين القوات المسلحة في ساحات القتال، فقد أصبحت المواجهات في النزاعات الأخيرة وهي تقع في وسط الناس، مذاعة ومتاحة للعالم في نفس الوقت على شاشات التلفزيونات وعلى صفحات الجرائد يوماً بيوم إن لم يكن لحظة بلحظة. ولم تعد هناك ساحات للقتال، وإنما أصبحت المواجهة تتم في الشوارع ومحطات القطارات والمدارس وغيرها من التجمعات المدنية. وبذلك أصبح معظم الضحايا من المدنيين وأقلهم من رجال القوات المسلحة. وهكذا لم تعد أخبار المعارك مجرد انتصارات أو هزائم عسكرية بين الجيوش، بقدر ما أصبحت صوراً للقتل والتدمير والمآسي الإنسانية لتشريد النساء والأطفال. و لم يكن غريباً، والحال كذلك، أنه في جميع المنازعات الحديثة التي تطلبت التدخل العسكري، فإن الحسم العسكري لم تكن له الكلمة النهائية. فليس من المبالغة القول بأن التفوق العسكري الأمريكي في فيتنام كان ساحقاً، ومع ذلك كانت النتيجة النهائية هي هزيمة الولايات المتحدة. وقل مثل ذلك بالنسبة للجيش الفرنسي في الجزائر، حيث كان النصر من نصيب جهة التحرير الجزائرية. وربما لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لوضع القوات الأمريكية في العراق أو ما كان عليه الأمر بالنسبة إلى القوات السوفيتية في أفغانستان.

لكل عصر حروبه، و”الحروب التقليدية” للدول الصناعية قد فات أوانها. فلم تعد جبهة القتال محصورة على أرض المعركة العسكرية بين جيشين، الحرب المعاصرة هي حرب وسط الناس، والنصر فيها لن يتوقف فقط على قوة النيران وحدها، بل لعلها تصبح، إذا جاوزت الحدود، عبئاً أكثر منها طريقاً إلى النصر.

 ويبدو أن إسرائيل تحارب الآن حروباً انتهى زمانها، وهي غارقة الآن في مستنقع استخدام القوة العسكرية المفرطة وهدم المنازل والمدارس ودور العبادة وقتل آلاف الأبرياء. وإذا كانت مقولة كلاوز فيتز”الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى” ما تزال صحيحة، فمن المشكوك فيه أن تكون عمليات الإبادة والتدمير الإسرائيلية قد حققت أهداف السياسة.  لقد كانت النتيجة هي مزيد من التصميم على المقاومة والصمود بل والكراهية. فالآلة العسكرية والحروب التقليدية لم تعد قادرة وحدها على حسم الأمور. والله أعلم.

الأهرام 1 فباير 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *