هل بدأت الحملة الانتخابية؟

أثارت المقابلة التلفزيونية للرئيس حسني مبارك اهتماماً واسعاً بين المصريين، وغيرهم أيضاً. وكان الرئيس – كعادته – عفوياً بسيطاً مباشراً ومتواضعاً بلا ادعاء. وبطبيعة الأحوال، فقد كان السؤال الذي شغل الناس، هو ما الغرض من هذه المقابلة التلفزيونية؟ وكانت الصحف قد أعلنت أن مفاجأة كبرى سوف تعلن في هذه المقابلة. وتعددت الاجتهادات وكثرت الإشاعات.

وجاءت المقابلة بدون مفاجآت، حتى أن إعلان الرئيس بأنه لم يقرر بعد ما إذا كان سيرشح نفسه أم لا، لم يكن مفاجأة. فباب الترشيح لم يعلن بعد، والصيغة النهائية للتعديل الدستوري لم تتم حتى الآن. ولذلك فمن المنطقي أن إعلان الترشيح الآن سيكون سابقاً لأوانه. ولذلك جاءت إجابة الرئيس منطقية، وإن كان الرئيس قد ألمح أيضاً إلى أن ترشيحه وارد حين أشار إلى أنه سوف يعلن برنامجاً كاملاً متضمناً إنجازاته ورؤيته للمستقبل عند الترشيح.

وبصرف النظر عن الهدف من إذاعة هذا البرنامج، فقد ترك – بالقطع – انطباعات عامة لدى المشاهدين. وليس من السهل تحديد هذه الانطباعات، فهي تختلف بحسب ظروف كل مشاهد وأوضاعه وتوقعاته. ولا أستطيع أن أتحدث عن الآخرين، ولكن سوف أحاول أن أصف ما خرجت به من انطباعات.

وأستطيع القول بأنني خرجت بانطباعين مختلفين؛ انطباع من حديث الرئيس نفسه، وانطباع آخر من أسئلة وحديث المحاور الأستاذ عماد أديب. وكل منهما يعطى – في نظري – رسالة مختلفة. أما الانطباع الأول والمستفاد من إجابات الرئيس، فهو أنه أراد أن يعلن للشعب أن التعديل الدستوري المقترح – بتغيير أسلوب اختيار رئيس الجمهورية – هو بداية لتغيير جوهري في العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وأنه بهذا التعديل فإن الشعب سيصبح صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار رئيسه. ومن هنا أراد الرئيس أن يقدم نفسه للشعب في حديث صريح ومفتوح وعفوي بلا رسميات أو طقوس. حقاً أن الشعب يعرف حسني مبارك منذ أكثر من ربع قرن، نائباً للرئيس ثم رئيساً للبلاد. ولكن الرئيس في هذا الحديث أراد أن يقدم نفسه بلا رتوش في حديث به ألفة وعفوية ودون تكلف أو ادعاء. فهو يتحدث عن أحداث هامة وخطيرة. ولكن وراء هذه الأحداث بشر هم مثلهم مثل غيرهم من البشر يفرحون ويحزنون، يعرفون العمل والإرهاق، ولم تكن حياتهم دائماً سهلة أو مريحة. فمشهد 5 يونيو 1967 وما تركه في نفسه من ألم وهو يرى طائراته تتحطم أمام عينه، واضطراره بالسفر بالقطار ليلاً من بني سويف إلى القاهرة، والرغبة في الاختفاء من عيون الناس. كل هذا يرسم صورة إنسانية صادقة. وهو في هذا يعكس بكلمات قصيرة حجم المعاناة التي عاشها ضباطنا من خلال هذه الأيام المريرة. وبالمثل كان وصفه صادقاً حين تحدث عن تطلعه بالأمل في أن يستريح يوماً من رحلة العمل الشاقة في القوات المسلحة ليشغل منصب سفير في وزارة الخارجية ولعلها تكون في لندن بلد “الاكسلنسات”. وكيف أنه يوم حادث المنصة، كان مذهولاً وأن هناك تفاصيل كثيرة قد ضاعت من ذاكرته فلم يعد يتذكرها من هول الموقف. كل هذه وغيرها مشاعر حقيقية، صادقة وعفوية وصريحة، أراد الرئيس أن ينقلها للناس، كما هي. لماذا؟ لأن أراد أن يقول هذا هو حسني مبارك الإنسان، الذي يجب أن تعرفوه – كما هو – وبعيداً عن مظاهر السلطة. ولماذا الآن؟ لأن حسني مبارك يريد من الشعب الذي سيقوم باختيار رئيسه بعد تعديل المادة (76) من الدستور، أن يعرف من يختاره، وأن يعرفه على حقيقته دون تذويق أو تجميل.

هذا عن الانطباع الأول من حديث الرئيس، فماذا عن الانطباع الآخر من أسئلة وتعليقات المحاور الإعلامي المعروف الأستاذ عماد أديب؟ الأمر هنا مختلف.

بدا لي – وربما لغيري – أن الأستاذ عماد أديب كان مهتماً بشيء آخر غير حسني مبارك الإنسان، فكان اهتمامه بمنصب رئيس الجمهورية في ذاته وما يتطلبه من مواصفات وما يحتاجه من ميزات. فالمنصب خطير ولا يستطيع أن يشغله وأن يؤدي عمله بكفاءة إلا من توافرت فيه صفات خاصة. ومن هنا كان تركيز الأستاذ عماد على هذه الصفات الأساسية. ويظهر ذلك في المقارنة بين إجابات الرئيس على الأسئلة المطروحة وتعليقات المحاور على هذه الإجابات. فالرئيس يقدم إجابات مختصرة وقصيرة وبعبارات متواضعة فهو يقول مثلاً عن العديد من المهمات التي قام بها بأنها “كانت صعبة وتحتاج إلى جهد كبير” فيكون رد المحاور “تقصد سيادتك أن تقول أنها تحتاج إلى إرادة “فولاذية”، وأن هذا أمر “لا يتوفر لدى الجميع”. وعندما يطرح موضوع مسؤوليات الرئيس في اتخاذ قرار الحرب والسلام. فيقول الرئيس أنه “قرار خطير يتعلق بمصير شعب كامل ولابد من دراسة كافة الاحتمالات وعدم التسرع”، فيكون تعليق المحاور يعني المفروض وأن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة على علم “بتقنيات وفنون الحرب” (أي لابد أن تكون له خلفية عسكرية)، فيرد الرئيس بأن “العملية سياسية”. ويستمر الحوار. وتستمر الأسئلة ويرد الرئيس بعفوية وبساطة لأنه يريد أن يقول للشعب هذا هو حسني مبارك الإنسان الذي قد يتقدم للترشيح. ولذلك فقد ابتعد عن “الكلمات الكبيرة” وعن الشعارات الطنانة. هذه هي الرسالة الأولى للرئيس. أما المحاور فقد كانت له رسالة أخرى أيضاً للشعب. فهو يريد أن يقول، أنت مقبل على اختيار الحاكم، فلابد من اختيار الشخص المناسب. المنصب ليس كلمات تقال وإنما هي مواقف وهي تحتاج إلى خبرة وتجربة. وهي في كل هذا تحتاج إلى “إرادة فولاذية” كما تتطلب التشاور والاستماع إلى الأداء، وهي تتطلب حكمة وروية في اتخاذ القرار والابتعاد عن العواطف والانفعالات.

وأياما كان الأمر. فكل هذا جديد على الحياة السياسية في مصر. لقد بدأ “الشعب” يظهر كلاعب رئيسي على المسرح السياسي، والكل يسعى لرضائه وكسب ثقته، بعد أن كان مستبعداً من اللعبة السياسية، رغم أنها كانت تتم باسمه. ربما لم تبدأ الحملة الانتخابية للرئاسة القادمة بعد، ولكن معالم المسرح السياسي بدأت تتغير بعودة الغائب – بعد طول احتجاب – للقيام بدوره   والله أعلم

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *